مسيّرة “حزب الله” تهدد تفوقنا الجوي وتغير مسار المعركة


الهدوء المؤقت الذي ساد في القتال في جنوب لبنان، منذ إعلان وقف إطلاق النار الأخير، يتيح لنا إلقاء نظرة موضوعية على الحملة الحالية هناك، التي بدأت في بداية آذار الماضي في أعقاب الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي الثاني ضد إيران. الاستنتاجات ليست مبشرة. احتل الجيش الإسرائيلي بالفعل مساحة واسعة نسبياً من الأراضي في لبنان، وثمة تقدير بأنه قتل 3 آلاف من أعضاء حزب الله، ولكنه يواجه صعوبة كبيرة في إيجاد رد على الوسائل الجديدة، الصغيرة والفتاكة، التي أدخلها حزب الله في حملته مثل المسيرات المفخخة التي تعمل بالألياف الضوئية، والتي على شاكلة ما يحدث في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، نجحت في تغيير قواعد اللعب كلياً.

أظهرت جولة في القطاع الأمني في جنوب لبنان في نهاية الأسبوع الماضي التغييرات الأخيرة. يشق الجيش الإسرائيلي الطرق ويضع قنوات لتصريف المياه ويستعد لنشر المزيد من التحصينات لحماية قواته التي تنتشر في القطاع الذي يمتد من سفوح جبل الشيخ في الشرق إلى الساحل في شمال رأس الناقورة غرباً في عمق أراضي لبنان. وتؤكد نظرة من الأسفل نتائج تقرير نشرته “هآرتس” في الأسبوع الماضي، الذي استند إلى تحليل لصور الأقمار الصناعية: إسرائيل تدمر القرى الشيعية شمال الحدود بشكل منهجي. التبرير الرسمي ضرورة الإضرار بالبنى التحتية الإرهابية التي تركها حزب الله، ولكن هذه العمليات في الواقع، ستمنع السكان من العودة إلى بيوتهم المدمرة لعدة سنوات أخرى على الأقل.

ملخص الفصول السابقة: في أيلول – تشرين الثاني 2024، في حرب تصاعدت بالتدريج عقب 7 أكتوبر في قطاع غزة، هزمت إسرائيل حزب الله، وحققت سلسلة من الإنجازات البارزة (اغتيال حسن نصر الله ومعظم قادة الحزب، عملية البيجرات، تدمير معظم مخازن صواريخ الحزب، احتلال منطقة في عملية “نصف الشمال”)، وتوصلت إلى وقف إطلاق نار بشروط ملائمة جداً. وبعد ذلك، حتى آذار 2026 شنت إسرائيل هجمات يومية على أهداف لحزب الله، في حين امتنع الحزب عن إطلاق النار واحتفظ الجيش الإسرائيلي بخمسة مواقع متقدمة في المنطقة.

تم استئناف القتال في آذار الماضي دون فحص كاف أو خطط عملياتية مناسبة. عملت القوات التي دخلت لبنان مرة أخرى دون دعم جوي تقريباً، لأن القوات الجوية كانت منشغلة بالكامل في الحملة الثانية في إيران. من ناحية أخرى، أنشأ رئيس أركان حزب الله الجديد، عليّ الطبطبائي (الذي اغتيل بعد ذلك أيضاً) نظاماً دفاعياً ناجعاً إلى درجة كبيرة. لم يعد للحزب أي أوهام بشأن استئناف خطته لغزو الجليل، وامتنع عن إرسال معظم وحدات النخبة من قوة “الرضوان” نحو الجنوب خشية من خسارتها. اعتمد حزب الله على مجمعات دفاع محددة في محاولة لإبطاء تقدم قوات الجيش الإسرائيلي وإلحاق الخسائر بها. عندما نشر الجيش الإسرائيلي قوة كافية، تراجع حزب الله. ولكن في نيسان الماضي، دخلت مسيرات تعمل بالألياف الضوئية إلى الميدان. لم يتكرر النجاح النسبي الذي حققه الجيش الإسرائيلي ضد الطائرات المسيرة الأكبر حجماً منذ نهاية 2024.

في سلسلة أحداث منذ نهاية نيسان، قتل 16 ضابطاً وجندياً. في أحد الأحداث، قتل قائد الكتيبة المدرعة 52، المقدم دور بن شمعون وثلاثة من جنود طاقمه، عندما أصابت طائرة مفخخة دبابتهم. وفي فرقة للجيش الإسرائيلي في لبنان تضررت 78 مركبة حتى الآن.

ما لم يتم ذكره بصراحة واضح للزائر العادي، التغيير الذي يشهد على الجبهة لم يستوعب بالكامل حتى الآن في الجبهة الداخلية. يعمل الجيش ووزارة الدفاع والصناعات الأمنية على إيجاد حلول، وهم على ثقة من إمكانية تحقيقها في غضون بضعة أشهر، لكن التخوفات على أرض الواقع ملموسة جداً.

يكمن التغيير في جوهره في فقدان الجيش الإسرائيلي للتفوق الجوي في الجبهة بعد سنوات طويلة تمتعت فيها إسرائيل بتفوق كامل على الأعداء. ومن المفارقة أن حزب الله، انطلاقاً من موقع ضعفه هذا، صاغ خطة عملياتية فعالة؛ فهو يعتمد على تهريب كمية كبيرة من المسيرات، بعضها تم تصنيعه في إيران، ويستفيد من دروس الروس والإيرانيين، وربما الصينيين أيضاً.

السبب والنتيجة

في بداية تموز الماضي، نقلت عن الجنرال الأمريكي المتقاعد ديفيد بترايوس، وهو الرئيس السابق لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، بعد زيارته لأوكرانيا، تصريحات وصف فيها منطقة القتل التي تمتد 35 كم من خط المواجهة على الجانبين حيث تنتهي كل حركة سيارة تقريباً بغارة جوية وقتل ركابها، بأنها “حالة اختبار ومختبر لمستقبل الحرب”. وركز على آثار هجمات أسراب المسيرات وضرورة استعداد الولايات المتحدة بشكل جذري لها.

في الفترة الأخيرة، زار جنرال متقاعد آخر، إسرائيلي، مناورة لحلف الناتو في دولة إسكندنافية. ودعا الحلف فريقين من مشغلي الطائرات المسيرة الأوكرانيين، من الذين اكتسبوا خبرة قتالية واسعة، للمشاركة في المناورة. وتركزت كتيبتان من الناتو في الجهة المقابلة. وبعد ساعة ونصف من المحاكاة، تم تدمير الكتيبتين بالكامل، واستشاط القادة غضباً من النتيجة وطلبوا جولة أخرى. هذه المرة لم تمر إلا ساعة واحدة قبل اتخاذ القرار، هذه هي طبيعة الصراع، وهذه هي المهارة التي تصقل على أشد الجبهات ضراوة، وهذا ما سيتعين على كل من الغرب وإسرائيل معرفة كيفية مواجهته في المستقبل القريب.

وتولى المقدم جلعاد افيرلنغي، ضابط الاحتياط الذي شغل عدة مناصب في سلاح الهندسة وقسم العمليات، والذي سرح مؤخراً من الجيش الإسرائيلي، تلخيص الدروس العملياتية المستفادة من الحرب في أوكرانيا. وقال بأنالدروس الإسرائيلية تستقى على الأغلب بشكل غير مباشر، من خلال تبادل المعلومات مع الجيوش الغربية التي تدرس الحرب هناك (منذ اندلاع الحرب الحالية بين أوكرانيا وروسيا في 2022، كانت إسرائيل حذرة من اتخاذ موقف والتعاون المباشر مع أوكرانيا، رغم دعم روسيا الواضح لإيران).

وقال إن “ميزة القتال الرئيسية إلى جانب الطائرات المسيرة، هي حرب الخنادق، حيث يتم حفر الخنادق بعشرات الكيلومترات ولا يتم إحراز إلا تقدم ضئيل على الأرض. في معظم الحالات، تبقى القوات على الجانبين ثابتة، تنشغل بالدفاع عن نفسها ضد التهديدات الجوية وتشغيل مسيراتها الهجومية. من المستحيل تحريك حشود من القوات البرية والمعدات لعشرات الكيلومترات في الجبهة، لأنها ستكون مكشوفة للعدو على الفور وستتعرض للضرر. تمتد خطوط التماس على طول مجاري الأنهار، وفي حالات كثيرة مجرد عبور خط مرتفع على الأرض والتقدم نحو العدو، يبدأ الوقت الضائع في التناقص حتى يتم استهدافك. لقد أدى امتلاك المسيرات المزودة بالألياف الضوئية إلى خلق ميزان رعب جديد بين الطرفين، دون أن يتمتع أي طرف بميزة حقيقية”.

ويضيف افرلنغي: “الجميع يبذلون جهودهم لإيجاد حل لتهديد الطائرات المسيرة التي تعمل بالألياف الضوئية، ولكن لا يوجد حل سحري واحد. لقد وجدت القيادة في إسرائيل حلولاً تقنية لمشاكل معقدة. وآمل أن يحدث ذلك في هذه المرة أيضاً”.

عاموس هرئيل

هآرتس 14/8/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *