لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “إيكونوميست” افتتاحية لعددها الخاص عن أفغانستان الذي كرسته لقراءة ما جرى لذلك البلد منذ قرار جو بايدن سحب القوات الأمريكية بشكل متسرع في عام 2021. وأكدت أنه وبعد خروج الأمريكيين من أفغانستان، ترسخ نظام طالبان. ورغم ما يثيره هذا النظام من سخط، إلا أن على الديمقراطيات التعامل معه، لمساعدة شعب أفغانستان الذي زاد فقره.
فقبل خمس سنوات، سحب الرئيس بايدن القوات الأمريكية من أفغانستان، مع أنه لم يكن مجبرا على ذلك، وكان بإمكان أمريكا الدفاع عن الحكومة الأفغانية المنتخبة ديمقراطيا رغم عيوبها، إلى أجل غير مسمى، لكنها اختارت عدم القيام بذلك. وأشارت المجلة إلى أن القرار الأمريكي نبع من سأم الناخب الأمريكي من أطول حرب خاضتها أمريكا ضد طالبان. وقد وضع دونالد ترامب جدولا زمنيا للانسحاب ثم نفذ بايدن الانسحاب بالكامل.
وقالت إن رحيل أمريكا الوشيك دفع كل أفغاني يحمل سلاحا إلى إعادة النظر في توقعاته بشأن من سيفوز في الحرب الأهلية في بلاده، وانقلب أمراء الحرب على حلفائهم وتخلى جنود الحكومة عن مواقعهم وتفرقوا وسقطت الحكومة فورا، واستولت طالبان على السلطة دون مقاومة تذكر.
وتشبث مدنيون يائسون وفارون من حكامهم الجدد، بعجلات طائرة أمريكية مغادرة، وسقطوا منها ولاقو حتفهم.
وكانت طالبان قد استولت على السلطة لأول مرة عام 1996، وفرضت مزيجا قاسيا من الممارسة الدينية التي مزجتها بالعادات القبلية القديمة، فمنعت تعليم الفتيات ورجمت المثليين حتى الموت. وأطاحت أمريكا وحلفاؤها بالحركة التي استضافت تنظيم القاعدة، الجماعة الإرهابية التي هاجمت أمريكا بطائرات مختطفة في أيلول/سبتمبر 2001.
لكن مقاتلي طالبان شنوا حرب عصابات ضد النظام الديمقراطي الذي أرسته أمريكا، فقتلوا قضاة ورجال شرطة وكل من اعتبروه متعاونا معها. وعندما استسلم بايدن، انتهى جهد دام عقدين لبناء الدولة بهزيمة مذلة. واستنتجت قوى أخرى من التجربة مدى استعداد أمريكا للوقوف إلى جانب حلفائها، وبعد ستة أشهر، غزا فلاديمير بوتين أوكرانيا.
وتضيف المجلة أن أمريكا نسيت أفغانستان إلى حد كبير. وهذا خطأ. فمن المرجح أن تتسبب البلاد في اضطرابات جيوسياسية مجددا إذا تم تجاهلها. وسيعاني شعبها أكثر، كما أنها أكثر عرضة للوقوع في فلك الصين أو روسيا.
وفي رحلة برية قام بها مراسل المجلة وغطت ألف كيلومتر داخل أفغانستان، وجد أن حركة طالبان تسيطر سيطرة تامة والوضع هادئ إلى حد كبير، باستثناء مناوشات متقطعة مع جارتها باكستان. لكنه استقرار هش. وقال إن الموسيقى ممنوعة ويسيطر رجال مسلحون على الشوارع وتعاقب شرطة الآداب المخالفين بالضرب، مثل الرجال ذوي اللحى غير المكتملة. ومنعت النساء من العمل والدراسة في الجامعات والسفر دون ولي، وتمنع الفتيات من الالتحاق بالمدارس الثانوية، وبما أن زواج الأطفال أصبح قانونيا، فقد أُجبرت الكثيرات على الزواج مباشرة بعد انتهاء الدراسة.
وقالت المجلة إنه من الصعب تحديد مدى الفقر والمرض والحزن الذي سببه كل هذا للأفغان، فجمع البيانات ليس من أولويات طالبان.
ولاحظ مراسل المجلة أن معظم الأفغان يتوقون إلى مزيد من الحرية، منهم الكثيرون من طالبان الذين لم يعودوا يؤمنون بعد سنوات من البعد عن السلطة، بأن السماء ستسقط إذا تعلمت الفتيات التهجئة.
لكن المتشددين فرضوا سيطرتهم بقسوة، فقد جند أمير طالبان، هيبة الله أخوند زاده، حرسا جمهوريا مواليا له، واستولى على عقود تعدين مربحة. أما طالبان الأكثر اعتدالا، فهم عموما أضعف من أن يتحدوه أو يخشون ذلك، وحتى أن القلة التي تجرأت على فعل ذلك، اضطروا إلى الفرار.
وتقول المجلة إن أمريكا وأوروبا حاولتا عزل نظام طالبان، ورفضتا الاعتراف به وجمدتا احتياطيات البنك المركزي الأفغاني المودعة في الخارج، وفرضتا عقوبات على مسؤولين، لكن هذه الجهود لم تثمر.
ولا يكترث المتشددون في طالبان ببقاء الدبلوماسيين والمستثمرين الغربيين ولن يغيروا أيديولوجيتهم لمجرد الاستيلاء على أصول الحكومة السابقة. لذا، يتعين على الدول الغربية تجربة نهج جديد.
ويقضي هذا على حد قول المجلة الاعتراف ببعض الحقائق الصعبة.
أولا، لن تختفي طالبان، وثانيا، إذا لم يتعاون الغرب معهم، فستفعل ذلك قوى أخرى. وقد اعترفت روسيا بهم رسميا، وتتعاون معهم الصين والهند وتركيا والإمارات العربية المتحدة في قضايا مثل التعدين والتجارة. ويهدد نظام طالبان بزعزعة استقرار العلاقات بين الهند وباكستان، إذ تخشى الأخيرة من أن يؤدي توثيق العلاقات بين دلهي وكابول إلى وضعها بين عدوين.
وقالت المجلة إن بوادر نهج غربي أكثر حزما بدأت بالظهور، ولا يزال الأوروبيون يرون أن النظام الأفغاني غير مقبول، ومع ذلك فقد دعوا في حزيران/يونيو مسؤولين من طالبان إلى بروكسل لمناقشة تدفق المهاجرين وإعادة طالبي اللجوء المرفوضين إلى بلادهم. كما تتبادل أمريكا المعلومات الاستخباراتية معهم سرا في حربها ضد الجماعات الإسلامية المتطرفة.
كما أن هناك أشكالا أخرى منطقية من التعاون، ومن السابق لأوانه الإفراج عن 4.2 مليار دولار من احتياطيات البنك المركزي الأفغاني في سويسرا، والتي ستستخدم حتما لدعم أمير طالبان. لكن ينبغي على المانحين التوقف عن خفض المساعدات الإنسانية، التي انخفضت بنحو 70% منذ عام 2022. ويحتاج إليها ما يقرب من نصف السكان، وفقا لأحد التقديرات. ومن المفيد أيضا وجود وكالات تابعة للأمم المتحدة على الأرض، لتكون بمثابة عيون وآذان للتحذير من المجاعة الوشيكة أو الاضطرابات أو سرقة المساعدات.
أما الخطوة الثانية، فهي إصلاح العقوبات. فالعديد من كبار قادة طالبان، الذين فُرضت عليهم عقوبات قبل عقود بتهمة الإرهاب، يشغلون الآن مناصب وزارية. وهذا له أثر غير مقصود يتمثل في عزل البلاد عن النظام المالي العالمي وحرمانها من الاستثمارات الخاصة. وتخشى الشركات الغربية ممارسة أي نوع من الأعمال التجارية في أفغانستان، خشية مخالفة قوانين تمويل الإرهاب. فتغيير هذا من شأنه أن يعزز النمو، الأمر الذي قد يخفف في نهاية المطاف من البطالة الجماعية التي تهدد استقرار البلاد على المدى الطويل.
ولعل الخطوة الأكثر إثارة للجدل، هي الاعتراف الدبلوماسي. وهذا لا يعني الموافقة على النظام، فالحكومات المحترمة تعترف بالعديد من الأنظمة التي تحتقرها. بل يعني قبول حقيقة أن طالبان ستحكم أفغانستان على الأرجح في المستقبل المنظور.
ومن هنا، فقطع العلاقات الدبلوماسية ليس ورقة مساومة فعالة، فطالبان لا تعتقد أن شرعيتها تعتمد على رأي غير المسلمين. مع ذلك، يمكن للسفارات العاملة أن ترصد التهديدات الإرهابية، وأن تنشئ قنوات اتصال مفيدة، مما قد يشجع مع مرور الوقت العناصر الأكثر اعتدالا في النظام.
ولا شك أن إصلاح هذه الحكومة “البغيضة” بحسب المجلية، يجب أن ينبع في معظمه من الداخل، وقد يستغرق عقودا. لكن الحوار الحكيم من المرجح أن يحقق نفعا أكثر من الضرر، لذا فقد حان الوقت لأمريكا وغيرها من الديمقراطيات أن تتغاضى عن بعض الأمور وتتحاور مع طالبان.