بعد أسبوعين من عودته للجزائر.. مزاعم في صحيفة عن “الارتباطات الخطيرة لسعيد سعدي في فرنسا والمغرب” تثير جدلا واسعا


الجزائر ـ “القدس العربي”: هوجم سعيد سعدي أحد أبرز المعارضين المنتمين للتيار الديمقراطي في الجزائر والذي عاد إلى البلاد بعد 7 سنوات من الإقامة بفرنسا، بشكل حاد على أعمدة جريدة “الوطن” الناطقة بالفرنسية، في مساهمة حملت اتهامات وتشكيكات بشأن علاقاته بشخصيات ودوائر فرنسية ومغربية، وهو ما خلّف ردود فعل واسعة خاصة من قبل أنصاره.

وما أثار الجدل في هذا المقال المعنون بـ “العودة إلى الجزائر، الشبكات الفرنسية والمغربية: الارتباطات الخطيرة لسعيد سعدي” والموقع باسم سمير برحال، ليس فقط طبيعة الاتهامات التي تضمنها، وإنما أيضا الجهة التي نشرته، إذ إن “الوطن” ظلت تاريخيا، في نظر قطاع واسع من متابعي المشهد السياسي والإعلامي، قريبة من التيار الديمقراطي والعلماني الذي كان سعيد سعدي أحد أبرز وجوهه، وهو ما جعل نشر مقال بهذه الحدة ضد أحد رموز هذا التيار موضع استغراب لدى أنصاره والمدافعين عنه.

ويطرح النص في مجمله علامات استفهام حول عودة سعدي إلى الجزائر وتوقيتها، وعلى سلسلة اللقاءات التي أجراها أو شارك فيها خلال السنوات الأخيرة مع شخصيات فرنسية ومغربية. واعتبر الكاتب أن هذه العلاقات، في ظل التوتر القائم بين الجزائر وكل من فرنسا والمغرب، تستدعي، بحسبه، التدقيق في طبيعة الدور الذي يمكن أن يكون سعدي بصدد التحضير له بعد عودته.

ويركز المقال بصورة خاصة على صورة ظهر فيها سعدي إلى جانب حسن أوريد، الكاتب والباحث المغربي والمتحدث السابق باسم القصر الملكي، خلال وجودهما في مدينة مكناس. ويضع المقال هذه الصورة في سياق ما يعتبره الكاتب “اتصالات مغربية” لسعدي، مستحضرا في الوقت نفسه لقاءات سابقة جمعته بالكاتب الفرنسي برنار هنري ليفي، المعروف بمواقفه المشبوهة.

ويطرح المقال تساؤلا حول ما إذا كان تكرار ظهور سعدي إلى جانب شخصيات فرنسية أو مغربية ذات مواقف يعتبرها الكاتب معادية للجزائر أمرا عابرا، أم أنه يعكس ارتباطا بشبكات سياسية وإعلامية خارجية. ويضيف إلى ذلك لقاءات واتصالات مع شخصيات فرنسية، من بينها فرانسوا بايرو وأوليفييه جيزبير (صحفي يميني معروف)، كما يذكر اسم الكاتب بوعلام صنصال، ليخلص إلى أن “دفتر عناوين” سعدي يثير، بحسب تعبيره، علامات استفهام في الظرف السياسي الراهن.

كما يعود المقال إلى مواقف قديمة لسعيد سعدي، خصوصا خلال أحداث “الربيع العربي” عام 2011 (نشط حينها عدة مظاهرات محدودة العدد بالعاصمة)، معتبرا أن قراءته لتلك التحولات كانت قريبة من المقاربات الغربية. وينتقل بعد ذلك إلى نشاطه الحالي، حيث يرى الكاتب أن إعلان سعدي تفرغه للذاكرة والكتابة لا يمنع احتمال وجود رغبة في إعادة التموضع داخل المشهد السياسي الجزائري، خصوصا من خلال التركيز على قضايا الذاكرة والتاريخ الوطني.

ومن هذا المنطلق، يتحدث المقال عن “الذاكرة كسلعة سياسية”، معتبرا أن إعادة قراءة التاريخ الجزائري يمكن أن تكون مشروعة في حد ذاتها، لكن تحويلها إلى وسيلة لإعادة الحضور السياسي قد يجعل الحدود بين العمل الفكري والمشروع السياسي غير واضحة. ويذهب الكاتب إلى التساؤل إن كان انخراط سعدي في النقاش حول الذاكرة نابعا من اهتمامه بالتاريخ الجزائري، أم يخدم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مصالح جهات أو جماعات ضغط خارجية.

ويخلص النص إلى أن عودة سعدي، في ظل ما يصفه بـ”الهجوم” الفرنسي والمغربي على الجزائر، لا يمكن فصلها عن هذه الاتصالات، معتبرا أن لقاء مكناس لا ينبغي النظر إليه باعتباره لقاء عاديا، وأن عودة سعدي نفسها قد تكون وراءها أهداف تتجاوز مجرد استئناف حياته الشخصية والفكرية في بلاده.

كما يعود المقال إلى محطة سياسية قديمة مرتبطة بسعدي، هي “إضراب المحافظ” الذي أطلقه التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية سنة 1994 في سياق المطالبات بالاعتراف بالأمازيغية، مذكرا بأن أبناء سعدي حينها كانوا يدرسون في فرنسا. ويقدم الكاتب هذه الواقعة ضمن سلسلة من “التناقضات” التي يرى أنها طبعت مسيرة الرجل السياسية.

ولم يتعامل المدافعون عن سعدي مع المقال باعتباره مجرد نقد سياسي، بل رأى بعضهم أن نشره بهذه الصيغة وفي هذا التوقيت، خاصة من قبل جريدة “الوطن”، يطرح سؤالا حول خلفياته والجهة التي تقف وراءه. كما ركزوا على ما اعتبروه أخطاء في عرض الوقائع، خصوصا ما تعلق بصورة مكناس وبعض الاقتباسات المنسوبة إلى سعدي.

ومن بين أبرز الردود، نشر ياسين عيسوان، أحد أنصار سعدي، تعليقا وصف فيه النص بأنه “هجوم” على الرئيس السابق للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية. وقال إن المقال، الذي وصفه بأنه “مساهمة” موقعة باسم لا أثر له، حسب قوله، يعيد إنتاج اتهامات سبق أن وجهتها أطراف إسلامية إلى سعدي.

وركز عيسوان بصورة خاصة على صورة مكناس، مؤكدا أن الصورة التي استند إليها المقال تعود إلى مارس 2022، وليس إلى الفترة التي سبقت عودة سعدي إلى الجزائر. واعتبر أن ملابس الأشخاص الظاهرين فيها تكفي، بحسب رأيه، للدلالة على أنها التقطت خلال فصل الشتاء، منتقدا بناء استنتاجات سياسية على صورة قديمة.

أما عمار انقراشن، الكاتب وصاحب دار نشر، فاختار الرد على المقال بتفصيل أكبر، مؤكدا أن سعيد سعدي ليس فوق النقد، وأنه لا ينبغي لأي سياسي أن يكون كذلك، لكنه اعتبر أن المقال لا يرقى إلى النقد الصحفي بسبب ما وصفه بالأخطاء في التواريخ والاقتباسات وخلط الوقائع.

ومن أبرز النقاط التي أثارها انقراشن مسألة العبارة المنسوبة إلى سعدي بشأن “الخطأ في اختيار الشعب”. وقال إن سعدي لم يقل إنه “أخطأ في اختيار شعبه”، وإنما تحدث عن “المجتمع”، كما أن العبارة، بحسب روايته، تعود إلى اليوم التالي للانتخابات التشريعية الأولى سنة 1991، أي إلى سياق سياسي مختلف تماما عن سياق انسحابه من الحياة السياسية.

كما تحدث عن علاقات سعدي ببرنار هنري ليفي، مشيرا إلى أن اللقاءين اللذين جمعاهما، وفق ما أورده، لا يكفيان لإثبات وجود “شبكة” أو “ارتباط” سياسي. وأوضح أن اللقاء الأول يعود إلى سنة 1998، عندما زار ليفي الجزائر بدعوة رسمية، وأن اللقاء الثاني كان سنة 2008 خلال مهرجان كان، بمناسبة عرض فيلم عن الاعتداءات على “شارلي إيبدو”. وبذلك اعتبر أن الاستناد إلى صورتين لإثبات وجود علاقة سياسية منظمة لا يستند إلى أدلة كافية.

وفي قضية حسن أوريد، أكد انقراشن بدوره أن صورة مكناس تعود إلى مارس 2022، خلال ملتقى دولي نظمته جمعية “أسيد” تكريما للمناضل الأمازيغي محمد أعجاع، وأن أوريد كان يحضر بصفته باحثا وكاتبا وناشطا في القضية الأمازيغية، بعد سنوات من مغادرته المناصب الرسمية. كما أشار إلى مشاركة شخصيات جزائرية في اللقاء، معتبرا أن إخراج الصورة من سياقها يحول لقاء فكريا وثقافيا إلى واقعة سياسية مشبوهة.

ويتزامن هذا السجال مع عودة سعيد سعدي إلى الجزائر في 31 يوليو الماضي، بعد سبع سنوات قضاها في فرنسا. فقد حظي لدى وصوله إلى مطار هواري بومدين باستقبال من عدد من أنصاره الذين رفعوا شعارات مؤيدة له ولـ”الجزائر الحرة الديمقراطية”، قبل أن يتوجه إلى مسقط رأسه في أغريب بولاية تيزي وزو.

وكان سعدي قد غادر الجزائر في مايو 2019، في أعقاب الحراك الشعبي، واستقر في فرنسا، حيث تفرغ بدرجة كبيرة لكتابة مذكراته التي صدرت في خمسة أجزاء، مع استمرار حضوره في النقاش العام من خلال الندوات واللقاءات والكتابات. وكان قد أعلن في 2018 انسحابه من النشاط الحزبي، بعد سنوات طويلة قضاها في قيادة التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية.

وتكتسب عودته أهمية إضافية بسبب توقيتها السياسي، خصوصا أنها جاءت بعد تصريحات للرئيس عبد المجيد تبون خلال زيارته إلى ألمانيا، أكد فيها أن المعارضين مرحب بهم، وأن بإمكان أي جزائري معارضة السلطة وانتقادها بصورة “حضارية”، عبر الأفكار وتقديم البدائل.

وفي أول خطاب له بعد عودته، خلال مناسبة في مسقط رأسه بأغريب، ركز سعدي على الذاكرة والتاريخ والهوية والتعدد الثقافي، داعيا إلى ما سماه “إعادة ضبط شاملة للبرنامج السياسي” الجزائري، وإلى فتح نقاش حول “الجزائر الحقيقية والمتعددة”. كما دافع عن ضرورة إعادة الاعتبار إلى التجارب المحلية والذاكرة الشعبية، وانتقد ما اعتبره ابتعاد الدولة عن واقع المجتمع وتناقضاتها في قضايا الهوية واللغة والاقتصاد والسياسة.

ويعد سعيد سعدي أحد أبرز وجوه التيار الديمقراطي في الجزائر منذ ثمانينيات القرن الماضي. وهو طبيب مختص في الأمراض العصبية، ارتبط اسمه في البداية بالنضال من أجل الاعتراف بالهوية والثقافة الأمازيغية، قبل أن يشارك سنة 1989 في تأسيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، الذي تولى رئاسته لسنوات، ليصبح أحد أبرز أحزاب المعارضة ذات التوجه الديمقراطي والعلماني.

وترشح سعدي للانتخابات الرئاسية سنة 1995، وظل من أبرز الأصوات خلال سنوات الأزمة الأمنية في التسعينيات، إذ عُرف بمواقفه الرافضة للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وتأييده لقرار توقيف المسار الانتخابي مطلع سنة 1992. كما ارتبط اسمه بما عرف لاحقا بـ”التيار الاستئصالي”، وهو توصيف أطلق على شخصيات وقوى سياسية رفضت أي تسوية مع قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، مقابل أطراف أخرى كانت تدعو إلى الحوار السياسي للخروج من الأزمة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *