الحكم بإعدام الأسد غيابياً هل يمنع تسليمه إلى سوريا؟


دمشق – “القدس العربي”: أثار الحكم الغيابي بالإعدام الذي أصدرته محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، بحق الرئيس السوري السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، وعدد من مسؤولي النظام السابق، جدلاً حول “تعقيد” مهمة تسليم الموجودين خارج البلاد، فيما ردت وزارة العدل على منظمة “العفو الدولية” التي انتقدت الأحكام.

وكانت المنظمة قد دعت السلطات السورية إلى إلغاء المحاكمات الغيابية وإلغاء استخدام عقوبة الإعدام، إلى جانب تجريم الجرائم الأساسية التي يشملها القانون الدولي ضمن التشريعات الوطنية، وإجراء إصلاح قضائي شامل يضمن احترام جميع الإجراءات القضائية لضمانات المحاكمة العادلة والقانون الدولي والمعايير الدولية.

العدل ترد

وفي ردها، قالت وزارة العدل السورية إن ما ورد في تصريح المنظمة “لا يعكس بدقة” طبيعة الإجراءات القضائية التي اتُّبعت في هذه القضايا، ولا الضمانات التي كفلها القانون السوري للمتقاضين، مؤكدة احترامها لاهتمام المنظمات الحقوقية الدولية بملفات العدالة وحقوق الإنسان.

وبينت أن المحاكمات “جرت أمام محكمة جنائية مدنية مختصة وعلى أيدي قضاة مؤهلين، وبمشاركة الضحايا وممثليهم وفق الأصول القانونية”، منوهة إلى أن “الإجراءات راعت الضمانات الدستورية والقانونية والقواعد والمبادئ ذات الصلة بالقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان”.

وقالت الوزارة أيضاً إن “الأحكام القضائية استندت إلى وقائع وأدلة وملفات قضائية، مع كفالة حقوق الدفاع وسبل الطعن والاعتراض وفق الأصول النافذة”.

وبخصوص عقوبة الإعدام، أوضحت الوزارة أنها “عقوبة مقررة في القانون السوري، ولا تفرض إلا بحكم قضائي يستند إلى القانون والأدلة والوقائع، وتخضع إجراءات تنفيذها للضمانات والضوابط القانونية المقررة، ولا تُنفذ إلا بعد استكمال المراحل والإجراءات التي يحددها القانون والجهات المختصة”.

وفتحت الأحكام جدلاً حول ما إذا كان الإعدام هو العقوبة الأشد فعلا مقارنة بالسجن المؤبد، وفي هذا الإطار كتب المحامي البارز ميشال شماس، في تعليق على الحكم، أنه لو خيّر بين السجن المؤبد والإعدام لاختار الإعدام، ليس حبا بالموت، وإنما لأن المؤبد يعني قضاء بقية الحياة خلف القضبان، بينما ينهي الإعدام كل شيء خلال لحظات، وقد يؤدي مع مرور الوقت إلى نسيان الجرائم المرتكبة.

ويرى شماس أن “العدالة ليست دائما في الحكم بأشد العقوبات قسوة، بل في الحكم بالعقوبة التي تحقق الردع، وتحفظ حق الضحايا، ولا تسمح للمجرم بأن يهرب بالموت من مواجهة عواقب أفعاله”.

وانطلاقا من هذا الطرح، اعتبر أن بشار الأسد وشقيقه وكبار المسؤولين الفارين قد لا ينظرون إلى أحكام الإعدام الغيابية بوصفها العقوبة الأشد التي يخشونها، بل قد تكون، في ظل وجودهم خارج سوريا، أقل تأثيرا من حكم بالسجن المؤبد قابل للتنفيذ.

رفض الناشط الحقوقي أحمد علم الدين إعدام بشار الأسد وماهر الأسد وعاطف نجيب، مؤكدا أن موقفه “لا يعني رفض محاسبتهم أو التقليل من فداحة الجرائم المنسوبة إليهم، وإنما رفض إنهاء حياتهم بالإعدام”

وأضاف: القانون الدولي يقول “لا تقلقوا، طالما أن الحكم بالإعدام، فلن يسلّمكم أحد إلى بلدكم”.

ومن زاوية مختلفة، رفض الناشط الحقوقي أحمد علم الدين إعدام بشار الأسد وماهر الأسد وعاطف نجيب، مؤكدا أن موقفه “لا يعني رفض محاسبتهم أو التقليل من فداحة الجرائم المنسوبة إليهم، وإنما رفض إنهاء حياتهم بالإعدام”.

وقال في تعليق له عبر منصة “فيسبوك” إنه لا يريد لهؤلاء “موتا مريحا”، معتبرا أن الإعدام ينهي حياة المحكوم عليه خلال ثوان، بينما أمضى الضحايا سنوات في التعذيب والمعتقلات والخوف والفقد والألم.

ويرى علم الدين أن السجن المؤبد قد يكون أكثر قسوة من الإعدام من منظور تحقيق العدالة “لأنه يبقي المحكوم عليهم على قيد الحياة لمواجهة نتائج أفعالهم، ويتيح للضحايا وذويهم استمرار رؤية مسار المحاسبة، بدلا من أن تنتهي حياة المدانين وتغلق معها إحدى صفحات المسؤولية”.

درع حماية

أما أكثر جوانب القضية إثارة للجدل فتتعلق بالإشكالية العملية التي قد تترتب على صدور حكم الإعدام بحق أشخاص موجودين خارج سوريا.

وحسب حقوقيين رصدت “القدس العربي” مواقفهم، فإن الحكم قد يتحول من أداة للقصاص، إلى ما وصفوه بـ”درع حماية” يحول دون جلب المحكوم عليهم من الخارج، ولا سيما أن “قواعد قانونية ومعايير حقوقية معمولا بها في عدد من الدول تضع قيودا على تسليم أو إبعاد الأشخاص إلى دول يواجهون فيها خطر الإعدام، ما لم تقدم ضمانات كافية بعدم تنفيذ العقوبة”.

وفي هذه الحالة، يرى أصحاب هذا الطرح أن الحكم “قد يمنح بشار الأسد، الموجود في روسيا، فرصة إضافية لمواجهة أي طلب سوري محتمل لتسليمه، إذ يمكن للجانب الروسي التذرع بالمخاطر المرتبطة بعقوبة الإعدام وبالالتزامات القانونية والحقوقية التي تمنع، في بعض الحالات، تسليم شخص إلى دولة قد يواجه فيها هذه العقوبة”.

وتكمن المفارقة، وفق هذا الرأي، في أن “الحكم الذي يحمل قيمة رمزية كبيرة للضحايا ولجزء من الشارع السوري، قد يطرح في الوقت نفسه مشكلة أمام الهدف الأوسع للعدالة الانتقالية، والمتمثل في جلب المسؤولين عن الجرائم إلى سوريا” ومثولهم أمام القضاء حضوريا.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *