عاموس هرئيل
يلوح في الأفق بين السطور احتمال أن الرئيس الأمريكي يحاول التلميح لنا بأن الحرب قد انتهت. في تصريحاته الأخيرة، تحدث ترامب عن زيادة الضغط الاقتصادي على إيران ومواصلة الحصار المفروض جنوب مضيق هرمز. يبدو الآن أن التهديدات المتكررة بإقصاء قادة النظام في طهران، وسحق الحضارة الفارسية وإعادتها آلاف السنين إلى الوراء، قد خفت حدتها قليلاً.
لقد تعلمنا من خلال التجربة الصعبة، أن ترامب يغير رأيه باستمرار. ولكن هناك توجه واحد بقي واضحاً لبضعة أشهر: الرئيس غير متحمس لاستئناف الحرب الشاملة ضد إيران، وإذا لزم الأمر سيحاول إيجاد ذريعة لعدم فعل ذلك. وفي تلك المناسبات التي يفكر فيها بالعودة إلى العمل العسكري، فلأن الإيرانيين لا يتركون أمامه خياراً آخر. فحسب رأيه، باستفزازهم وانتهاكهم المتكرر لاتفاق التفاهم الذي وقع في حزيران، هم يدفعونه إلى حافة الهاوية ويجبرونه على إثبات قوة أمريكا مرة أخرى.
في حين تدور معركة غير مستقرة في الخليج، ليست اتفاقاً أو حرباً، يفرض ترامب قدراً من ضبط النفس على استخدام القوة على إسرائيل في ساحات أخرى أيضاً. في لبنان، يحافظ بشكل عام على وقف إطلاق النار المعلن في منتصف تموز، وتستمر المحادثات السياسية المباشرة بين دبلوماسيين ومسؤولين من الدولتين برعاية أمريكية. وتتمحور المفاوضات حول خطة تشمل انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان مقابل خطوات تدريجية لنزع سلاح حزب الله.
أما في قطاع غزة، فالمطالب الأمريكية حالياً أكثر تركيزاً وصرامة، حيث تروج الإدارة الأمريكية لخطة النقاط الـ 15 لمجلس السلام الدولي، التي تحظر على إسرائيل مواصلة هجماتها ضد الإرهابيين الذين شاركوا في مذبحة 7 أكتوبر، وتضغط عليها للاستعداد لانسحاب مستقبلي والبدء في إعادة إعمار البنى التحتية المدنية في المناطق التي سيتم إخلاؤها في قطاع غزة.
بعد أسبوع من التأخير، أعلن نتنياهو رسمياً عدم قبوله الخطة، وأظهر عدة تحفظات. ولكن الأمريكيين، عملياً، يمضون قدماً في الترتيبات، والبيت الأبيض يطلع المراسلين بأنه يعرف الضائقة السياسية الداخلية التي يعاني منها نتنياهو، لكنه على قناعة بأن رئيس الحكومة سيقبل قراره.
في غضون ذلك، بذل رئيس مجلس السلام نيكولا ملادينوف، جهوده لتلطيف الأجواء تجاه شخصيات بارزة في حركة “خبراء الأمن”، وهي منتدى يميني تتداخل مواقفه على الأغلب مع مواقف نتنياهو. ويشير الصمت النسبي السائد بين كثيرين في اليمين، رغم تنازل الحكومة بالفعل عن رؤية النصر المطلق على حماس، إلى أن الأمور معقدة أكثر مما يصوره رئيس الحكومة.
هذا لا يعني أن حزب الليكود يتنازل عن سعيه للتواصل مع الرأي العام. فأمس، بعد رفع التعتيم الإعلامي الطويل، نشرت وسائل الإعلام تقريراً غامضاً يقول إن دولة عربية أوصت دولة أخرى بالتوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، وبعد ذلك تعزيز جيشها والاستعداد لمهاجمتها. والخلاصة التي تتبلور من هذه التصريحات الجزئية هي أنه لا يجب الوثوق بالعرب.
قبل ذلك ببضعة أيام، انتشرت شائعة كاذبة حول تصريحات نسبت لقائد الحرس الثوري الإيراني مؤيداً للاستثمار في البرنامج النووي. وقدم نتنياهو والقناة 14 التابعة للنظام وبعض وسائل الإعلام المتعاطفة معه في الخارج، الأمر على أنه حقيقة، إلى أن فندها الخبراء. في هذه القصة، يمكن للمرء أن يلاحظ أصداء فضيحة صحيفة “بيلد” الألمانية والإحاطات الإعلامية القطرية التي تورط فيها بعض مستشاري نتنياهو قبل سنتين تقريباً. وقد يستمر هذا التلاعب المبتكر بالمعلومات والحقائق طوال الحملة الانتخابية.
فقدان السيطرة في الضفة الغربية
إن الهجوم العنيف الذي تعرض له طاقم صحيفة “هآرتس”، المراسلة متان غولان والمصور ايتاي رون، أول أمس على يد مستوطنين في الضفة الغربية، يعكس صورة أوسع وأكثر إثارة للقلق. فقد شهدت الأشهر القليلة الماضية فقدان سيطرة كاملاً من جانب قوات الأمن في الضفة الغربية. ويأتي ذلك في الوقت الذي يحتل فيه المستوطنون – بتشجيع قوي من وزراء الحكومة وأعضاء الكنيست في الائتلاف – المزيد من الأراضي في المنطقة “ب”، ويقيمون عشرات المزارع والبؤر الاستيطانية، ويطردون التجمعات الفلسطينية بشكل منهجي من أراضيهم.
على الأغلب، يقف الجيش الإسرائيلي والشرطة مكتوفي الأيدي وغير مبالين، موفرين غطاء أمنياً لأعضاء المزارع. ففي أكثر من مناسبة، تعاون الجنود ورجال الشرطة مع هذه التحركات بنية واضحة. ويقر مسؤولون كبار في المؤسسة الأمنية بانعدام الأمن والنظام في المناطق المحتلة، ويقولون إن السياسيين في ظل الحملة الانتخابية، يصدرون تصريحات أكثر تطرفاً على أمل كسب تأييد المستوطنين، لا سيما مع اقتراب موعد الانتخابات التمهيدية لحزب الليكود.
لقد أظهرت حادثة أول أمس في قرية قصرة، كما وثقتها غولان ورون، التعبئة الكاملة لقوة عسكرية، تضم جنود احتياط من قيادة الجبهة الداخلية. وقدم الجنود دعماً للمستوطنين العنيفين الذين أقاموا بؤرة استيطانية على أرض فلسطينية وحاولوا طرد أصحابها من بيوتهم وعرقلوا وصول طاقم “هآرتس” بالقوة. يتغير وجه الضفة الغربية بشكل جذري، وإن عشرات المستوطنات والبؤر الاستيطانية التي أقيمت بمبادرة الوزير سموتريتش تساهم في توسيع مساحة الأراضي التي يسيطر عليها المستوطنون. ويخلقون بؤر توتر بينهم وبين الفلسطينيين، ما يستدعي تخصيص قوات عسكرية كبيرة لحمايتها.
هذا عنف منهجي تمارسه جهات كثيرة تشمل جناحاً سياسياً (وزراء ورؤساء مجالس)، وجناحاً عسكرياً (زعران على الأرض). هدفه النهائي طرد الفلسطينيين والسيطرة على المزيد من الأراضي. قصرة حالة، ولكنها ليست نادرة.
لا يتصرف الجنود ورجال الشرطة على الأرض كممثلين لسيادة القانون الإسرائيلي، وعادة لا يكلفون أنفسهم عناء إنفاذه. فمهمتهم الرئيسية هي حماية المستوطنين، بل ومساعدتهم. أما الضباط القلائل الذين يفكرون خلاف ذلك، فيردعهم النفوذ قيادة المستوطنين السياسي، ويرون كيف أن القيادة العليا تحذر من التورط معهم. ويظهر هذا الواقع السياسي يومياً في عشرات الأحداث الصغيرة. ولأن الضحايا في معظمهم من السكان الفلسطينيين فهذه الأحداث نادراً ما تصل إلى اهتمام معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية.
عندما يجد التلفزيون الإسرائيلي الوقت لتغطية مثل هذه الأحداث، فإنه يركز بشكل أساسي على الضرر الذي تلحقه بمكانة إسرائيل الدولية والتغطية الإعلامية السلبية لهذه الأحداث في وسائل الإعلام الأجنبية. ولكن ليست هذه مشكلة تتعلق فقط بالصورة العامة؛ فالضفة الغربية وشرق القدس ستصبح جبهات معرضة للكوارث مع اقتراب موعد الانتخابات. يبدو أن نتنياهو ما زال يعتقد أن تفاقم التوتر الأمني عشية الانتخابات سيخدم مصالحه، ويحول النقاش العام عن مسألة مسؤوليته عن الإخفاقات التي سمحت بحدوث مذبحة 7 أكتوبر.
نجاة كاتس من الانتخابات التمهيدية
لقد تلقى وزير الدفاع كاتس مساء أول أمس، الإعلان الذي طالما رغب فيه؛ فقد قرر نتنياهو إعطاءه مقعداً مضموناً في قائمة الليكود للكنيست، بعد أن توقعت الاستطلاعات انخفاض شعبيته. كان مبرر رئيس الحكومة، الذي ظهر محيراً بعض الشيء، أن هذا سيمكن كاتس من التركيز على إدارة وزارة الدفاع في زمن الحرب.
هذا القرار سيجنب الجمهور مشاهدة المزيد من أفلام الفيديو الغريبة التي نشرها وزير الدفاع مؤخراً (“كاتس المدفع”، “بوم، بوم”). كانت مشاهدة هذه الأفلام محرجة جداً، لكن حملة كاتس في الليكود لم تقتصر على الشعور بالانزعاج فقط، بل تجاوزت ذلك إلى جوانب أسوأ. أولاً، تجاهلت أفلام الفيديو الساذجة التي صورت ساحات القتال التي يخوضها الجيش الإسرائيلي وكأنها لعبة فيديو، الثمن الباهظ الذي يدفع بالأرواح وألحقت الأذى بمشاعر العائلات الثكلى.
ثانياً، ربما هذا الأخطر، استفز كاتس إيران بشكل منهجي، بطريقة قد تؤثر على الوضع الأمني. صحيح أن طهران توقفت على الأرجح عن أخذه على محمل الجد، ولكن عندما تعمد كاتس الإعلان عن إقلاع طائرات أمريكية من إسرائيل لشن غارات في الخليج (وهي معلومات منعت الرقابة نشرها)، كانت هذه لعبة خطيرة قد تعمق تورط إسرائيل في الخليج.
هآرتس 12/8/2026