لندن- “القدس العربي”: تساءلت الزميلة في معهد هوفر التابع لجامعة ستانفورد، جاكلين شنايدر، عن دروس الفشل الأمريكي في إيران، وإن كان سيعمل على تشكيل الطريقة التي ستقاتل فيها الولايات المتحدة حروبها.
وجاء في المقال المنشور في صحيفة “فايننشال تايمز” أن الرأي السائد عندما شنت الولايات المتحدة بمشاركة إسرائيل حربا ضد إيران، في نهاية شباط/فبراير، هو أن الجيش الإيراني المتواضع والنظام الهش كانا أضعف من تحمل حرب طويلة وبالتقنية التي تفضلها أمريكا.
وبفضل الذكاء الاصطناعي والذخائر الذكية والمنصات مثل حاملات الطائرات والطائرات الشبحية، افترض العديد من المراقبين أن الولايات المتحدة قادرة على إجبار إيران على الرضوخ لمطالبها، مع تداعيات داخلية محدودة نسبيا.
وفي ذلك الوقت، حددت الكاتبة بعض النتائج التي قد تشير إلى أن هذا النمط الأمريكي من الحرب لم يعد مجديا لتحقيق نصر حاسم، بل هو عبارة عن صراع ينحرف إلى حرب عصابات مع تكاليف اقتصادية باهظة.
ما هو الحكم اليوم؟
تقول إن الولايات المتحدة، سيطرت ومن الناحية العملية على الأشهر الستة الأولى، فقد نفذت أكثر من 13 ألف غارة، ودمرت القوات الجوية الإيرانية وجزءا كبيرا من البحرية الإيرانية، واغتالت المرشد الأعلى إلى جانب العديد من قيادة الحرس الثوري وفرضت حصارا على الموانئ. إضافة إلى هذا، دمرت الحرب الاقتصاد الإيراني، مع آثار فورية على التضخم وندرة الموارد وتكاليف إعادة الإعمار التي تقدر بنحو 200 مليار دولار إلى 300 مليار دولار.
ورغم هذا النجاح العملياتي، لم تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق نصر حاسم، وسيطر المتشددون في إيران على السلطة، فيما لا يعرف مصير مستقبل برنامجها النووي، الذي ربما تضرر جراء الضربات الأمريكية الإسرائيلية. وقد تعثرت المفاوضات لإنهاء الأعمال العدائية. وواصلت إيران شن هجمات صاروخية على القوات الأمريكية وحلفائها في المنطقة، ولا تزال الملاحة عبر مضيق هرمز، والآن البحر الأحمر، معرضة للخطر.
وعليه ترى شنايدر أن النجاح الاستراتيجي الأمريكي ليس واضحا، مع أن التكلفة العملياتية أسهل في الحساب: 18 قتيلا و624 جريحا على الأقل. هذا العدد أقل بكثير مما كان عليه في الصراعات البرية في العراق وأفغانستان وفيتنام، ولكنه أكبر بكثير من آخر معركة جوية رئيسية خاضتها الولايات المتحدة في البلقان في التسعينيات.
في هذه الحرب، فقدت أو تضررت 42 طائرة، من بينها أربع طائرات من طراز إف-15، وطائرة إف-35، وطائرة إي-3، وأكثر من 20 طائرة من طراز ريبر (بالمقارنة، لم تفقد الولايات المتحدة سوى طائرة إف-16 واحدة وطائرتين من طراز بريداتور، خلال عامين من الصراع الجوي في البلقان).
وكلفت العمليات في إيران البنتاغون 37.5 مليار دولار، بالإضافة إلى 67 مليار دولار أخرى لإعادة بناء المخزون الذي وصل إلى مستويات منخفضة بشكل خطير (فضلا عن احتمال إنفاق 5 مليارات دولار أخرى لإصلاح المنشآت المتضررة في المنطقة).
وقدّر كبير الاقتصاديين في مؤسسة “موديز أناليتكس” أن “الأسرة الأمريكية العادية ستدفع 1000 دولار بسبب الحرب”، إما كضرائب لدعم الإنفاق العسكري أو في ارتفاع أسعار الوقود.
تعد إيران مثالا فاشلا للنهج الأمريكي في الحرب. ومع ذلك، لا يتحدد النجاح في المقام الأول بنتائج ساحة المعركة، بل بقدرة الحروب طويلة المدى وعالية التقنية على حماية صانعي القرار من غضب الشعب الأمريكي.
وربما جعلت النتائج في ساحة المعركة، الحروب أكثر شعبية لدى الأمريكيين، ولكن ليس دائما. فقد أظهر هجوم “تيت” خلال حرب فيتنام كيف يمكن للولايات المتحدة دحر الفيتكونغ ومع ذلك خسارة الدعم الأمريكي. من ناحية أخرى، لم تثر الحرب الكورية سوى القليل من الغضب الشعبي حتى مع وفاة آلاف من العاملين والجنود في الجيش الأمريكي، وهو مثال على كيف يمكن للأمريكيين أن يصبحوا غير مبالين بالخسارة، بل وحتى غير مبالين في مواجهة الفشل.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن معظم الأمريكيين لا يوافقون على الحرب مع إيران، حتى نسبة متزايدة من مؤيدي دونالد ترامب.
ومع ذلك، لم تحدث الحرب حتى الآن سوى اضطرابات شعبية طفيفة. لم تشهد البلاد احتجاجات جماهيرية، ولا استقالات جماعية من داخل الجيش، حتى وفاة طيار مروحية تابعة للبحرية في بحر العرب لم تحظ باهتمام يذكر من الرأي العام.
ومن الناحية الاقتصادية، فعلى الرغم من بعض الانخفاضات، يشهد سوق الأسهم ازدهارا، كما انخفضت أسعار النفط.
ولا تزال ميزانية الجيش الأمريكي تعتمد بشكل أساسي على الذخائر الدقيقة باهظة الثمن التي تُلقى بواسطة المدمرات والطائرات الشبحية، والتي يصعب توسيع نطاقها أو تكييفها بسرعة وتركز أنظمتها غير المأهولة على تقليل الخسائر في الأفراد بدلا من خفض التكاليف أو ابتكار مهام جديدة؛ ولا تزال قاعدتها الصناعية تُشجع على برامج الأسلحة الضخمة والجامدة.
وربما يكون الاختبار الحقيقي في تشرين الثاني/ نوفمبر، عندما تكشف انتخابات التجديد النصفي ما إذا كان الرأي العام سيعاقب الجمهوريين على بدء الصراع. في ظل غياب هذه العقوبة، من المستبعد أن يغير الكونغرس أو البيت الأبيض طريقة استخدامهما للجيش الأمريكي.
وسيترك ذلك الأمر لقدامى المحاربين في هذه الحرب لبناء عقائد ونظريات جديدة للنصر وتطوير القوى العاملة وأنظمة الأسلحة. لقد استطاع قدامى محاربي فيتنام إحداث تغيير جذري في الجيش الأمريكي، من خلال إنشاء قوة المتطوعين بالكامل وتغيير النظرية الأمريكية للنصر، ويعود ذلك جزئيا إلى اعتقادهم بأن الرأي العام مستعد لمحاسبة صناع القرار، لكن من غير الواضح اليوم ما إذا كان المواطن الأمريكي العادي يهتم بهذا الأمر أصلا.