ما الذي يمكن أن يقوله البيت عن صاحبه إن خلا من الكتب؟ لمَ لا يقول الأمر ذاته إن خلا من الأفلام؟ لمَ إذن يحاول أحدنا التخلص مما لديه من أفلام، أو على الأقل لا يحاول اقتناء أفلام بقدر ما يفعل، إن فعل، مع الكتب؟
أو، يمكن لسؤال تكرّر طرحه في السنوات العشر الأخيرة أن يقتحم النقاش: هل ستختفي الأفلام في البيوت بالحضور المتزايد لمنصات البث التدفقي؟ المنطقي أن يسمع أحدنا قول أحدهم «لا حاجة لي بفيلم في علبته إن كان متوفراً في المنصة»، أما غير المنطقي فهو قول آخر «أريد فيلماً في علبته، ولا شأن للمنصّة وما توفّر فيها بذلك». نلتقط هنا الكلام غير المنطقي، هو ما يعنينا.
فعلاً، المشاهدة عبر المنصة أضمن من ناحية الجودة، وأريح. فلا حاجة لأجهزة تشغيل على الأقل. الكثير من الناس نسيَ أين وضع آخر مرة جهاز تشغيل أقراص الـ «دي في دي»، أو الـ»بلو راي»، تماماً كما نسيَ الكثيرُ أين اختفت أصابع الفلاش(USB) هناك من يقول، إن مصير الأقراص سيلحق، إن لم يكن قد فعل مسبقاً، مصير أقراص الـ»فلوبي» لا أعرف كيف أشرحها لجيل Z، يمكن فقط غض النظر عن العبارة الأخيرة.
هذه كلها اعتبارات صائبة، لكن مع قراءة خبر عن سحب فيم فيندرز فيلماً له من التداول، أخرجه عام 1975، بسبب مشهد عاري الصدر للممثلة القاصر في حينه، كما نشرت «الغارديان» في حزيران/ يونيو الماضي، التي نقلت عن المخرج الألماني قوله إن تعليمات وصلت إلى منصات البث والتلفزيونات والموزعين بأن لا يتيحوا الفيلم للجمهور. مع قراءة خبر كهذا تبقى الاعتبارات أعلاه صائبة لكن مع «لكن»، وهي فعلاً منطقية لكن بتحفّظ، بل أضيف إليها أن الأفلام التي كانت وصلتني بالبريد من شركات توزيع، لاعتبارات التصويت لجوائز دولية، حاولتُ تشغيل بعضها واندهشت لرداءة شكل الترجمة، كان «مبَكسلاً» تقريباً ويتخذ ربع الشاشة مساحة له. الحقيقة أني لم أشاهد أياً من تلك التي وصلت في علبِها، وشاهدت تلك الأفلام من خلال المنصة التي وفّرتها الشركات ذاتها. لمَ إذن قد ترسل شركة علبةً لفيلم هي توفّره من خلال منصتها الخاصة؟
حتى ندرك المعادلة، أو التوازن بين المنصات والأقراص، لا بد من الخروج من منطق أن الفيلم مادة تُشاهد وتُستهلك مرّة وكفى، وأن فيلماً ما، إن لم يكن متوفراً في منصة ما، فلا بأس لأن المئات غيره متوفر. خروجنا من هذا المنطق يحدد لنا مجالاً أكثر احتراماً للفيلم بوصفه منتجاً فنياً، للنقاش، وذلك بالعودة إلى القول «غير المنطقي» في الرغبة بعلبة فيلم متوفّر في المنصة. ولتوضيح الموضوع من منتصفه، لستُ ضد أي من نوعَي المشاهدة، المنصة والقرص، وإن كنتُ أفضّل الصالة على كليهما. سأذكر أولاً محاسن المنصة، علاوة على ما ذُكر أعلاه، فهي أنسب لمن يعيش في مدن كبرى حيث تتقلص مساحات البيوت وبالتالي ما يمكن فرزه من أرفف أو أرضيات لهذه الكتب، أو تلك العلب من الأفلام. ولأنها منصات رقمية لا تحتاج إلى أرفف، هي كذلك تنتقل مع صاحبها، وأساسية لكثيري السفر كالنقّاد السينمائيين. أحدنا في سفره، إجازة أم عملاً، يحتاج أمسية هادئة، خلوة، يشاهد فيها فيلماً قبل النوم. هذا يهوّن على أحدنا أيام سفره إن كانت له عادة المشاهدة المكثفة أو المنتظمة، ولن يضطرّ تمرير أسبوع أو أكثر من دون مشاهدة فيلم.
المنصات إذن، لكونها رقمية لا فيزيائية، ضرورية لاستدامة المشاهدة. البيوت في العواصم الأوروبية مثلاً، شديدة الضآلة، ويحول الحياءُ دون تصريحي أين وكيف أوزّع الكتب والأفلام التي لا أعرف ما سيكون مصيرها، بعد، لنقُل، عشرة أعوام. لكني على الأقل لست في حال الشاب الذي، أياماً بعد انتقاله للسكن في استديو صغير في نيويورك، تلقى إشعاراً بضرورة المغادرة بسبب العشرة آلاف كتاب التي أحضرها معه، كما نشرت «نيويورك تايمز» قبل أيام في مقالة بعنوان «الكثير من الكتب؟».
لستُ ضد المنصة، لكني لست ضد علب الأفلام المتطلبة مساحة على الرف وجهازاً للتشغيل، المراكِمة للغبار، التي لا تعِد بالضرورة بصورة فائقة الجودة أو ترجمة غير «مبَكسلة» ، لا بد من العلبة، رغم كل الأسباب المخالفة لها، رغم كل التبريرات المنطقية التي لا تصبّ في صالحها.
صفة «المنطقية» المتكررة هنا، تتعلق بالمشاهدة بوصفها ممارسة استهلاكية وحسب. هو منطق الفائدة والجدوى التي لدى المشتري، ولا ينظر إلى الفيلم إلا بوصفه وقتاً يمضي بشكل جيد. الفيلم بهذا المنطق هو وقت، تماماً كما أنه رُقْم في المنصة، في الحالتين لا يُلمس، لا يُرى بوصفه عملاً فنياً، وفي الحالتين لا نملكه. وهنا أدخل إلى صلب النقاش في صالح علبة مغبرّة.
لا يمتلك أحدنا الفيلمَ في المنصة، بل يستعيره. والاستعارة هنا كالاستئجار، تعني أنك تدفع أجراً مقابل استهلاك لحظيّ ينتهي بانتهاء المشاهدة، ويعني إمكانية عدم توفره يوماً ما، تماماً كما كان أحدنا يذهب إلى متجر لاستئجار عنوان بعينه ويجده نافداً، فآخرون كانوا أسبق في الوصول إليه، فيكون الاضطرار إلى أي عنوان آخر كي تمرّ الأمسية على خير. المتجر وما يوفره إذن حدّد لأحدنا ما يمكن أو لا يمكن مشاهدته.
كذلك، الفيلم في المنصة متاح لفترة محدودة، يوماً ما إما أن المستخدم يكتشف أنه اختفى، وفي أحسن الأحوال يرى تلك العلامة بأنه «سيختفي قريباً»، فيهلع صاحبنا ويسرع لمشاهدته، لا لرغبة بمشاهدته، بل لانتهاز الفرصة. ذلك كحال المتاجر التي تعلن «تصفية عامة» فيهلع المستهلك للشراء لا لدافع الحاجة، بل الانتهاز، والنفعية الوهمية، وهذا أحد تعريفات الرأسمالية، إن شئنا. وآخر يهلع لمرور خبر صحافي أمامه بعنوان «هذه هي الأفلام التي ستختفي من نتفلكس قريباً». أما الأفلام المطمَئنة في علبها على رف مكتبة في بيتك، تُجمّع لك الغبار ليسهل عليك مسحه بحركة واحدة لاحقاً، فهي أفلام لا تختفي فجأة، وإن فعلتْ فهذه مشكلتك، مشكلة أكبر من موضوع هذه المقالة.
لا ننسى أننا ندفع للمنصات بشكل شهري، وبعضنا يدفع لأكثر من منصة، ولا يعيد أحدنا التفكير في مسألة الاشتراك عادة، أي أننا نتركه كحقيقة مسلَّم بها، كفاتورة التليفون والإنترنت. قليل منا يستعيد مسألة الاشتراك الشهري الأبدي بشكل نقدي، كأن يوقف الاشتراك لعدة أشهر في السنة وبشكل متفرّق، ريثما تتراكم أفلام ومسلسلات بإنتاجات قديمة وجديدة تستحق ولو بالحد الأدنى المشاهدة. والاشتراكات المدفوعة تكون أحياناً، بمقارنتها مع الأفلام المشاهَدة، أقرب إلى تكلفة شراء مجموعة أفلام، ما لا يفعله أحدنا بشكل شهري، أو لا يفعله أبداً. بالمقارنة مع وتيرة المشاهدة، ليست إذن الاشتراكات بالمنصات دائماً أوفر على المشاهد من شراء الأفلام، إلا إن كان أحدنا يشاهد يومياً أفلام المنصّات، وهذه مشكلة أكبر في الحقيقة، هي عادة ليست صحية أبداً، تضرب المعايير الجمالية والثقافية لدى أحدنا إن تراكمت، تماماً كمن يتعشى عند ماكدونالدز كل مساء.
الشراء الأبدي هو عادة رأسمالية. ذلك الشعور بالحاجة، بالضرورة، بمسلّمة أن الدفع الشهري من أجل استهلاك من دون تملّك، هو ملخَّص تعريفي للرأسمالية. ما هي الرأسمالية إن لم تكن أساساً ذلك؟ في اللحظة التي يوقف فيها أحدنا اشتراكه في «نتفلكس» مثلاً، سيسخر كل شيء. لن يكون قد تملّك فيلماً واحداً من كل الاشتراكات المدفوعة لأشهر أو سنوات، ثم إن المنصة تحذّرك بأنك إن لم تعد بعد ثلاثة أشهر فإنك ستخسر أفضلياتك واختياراتك والاقتراحات التي تقدمها لك المنصة من أفلام ومسلسلات بناء على ما شاهدته. يكون ما دفعه أحدنا لمدة تتخطى السنوات لدى معظمنا، مخصصاً للاستهلاك اللحظي وغير المراكِم، ويكون، تحديداً، سبباً في زيادة ثروة رابع أثرى رجل في العالم لهذا العام، مثلاً، جيف بيزوس، مالك منصة «أمازون».

وكما تحدّد المنصة لك ما تشاهده، فإنها يمكن أن تحدد ما لا تشاهده، وذلك بتغييب لأفلام عن قصد أو ببساطة بعدم برمجتها. وقد تختفي الأفلام بسبب مشاكل في الحقوق، وقد يكون ذلك لفترة طويلة، تُسحب حقوقها أو يختلف الورثة أو مهما يكن، أو لأسباب سياقية وثقافية، كما فعل فيم فيندرز. هنا نسأل: هل يمكن، مثلاً، أن يختفي يوماً ما الفيلم العظيم «سائق التاكسي» لمارتن سكورسيزي لأن جودي فوستر وهي في عمر الثانية عشرة فقط، أدّت دور بائعة هوى؟ لا مَشاهد مخلّة أدّتها الممثلة، لكن يمكن، يوماً ما، أن نسمع أحدهم يطالب بإسقاط الفيلم عن التداول، فقط للعلاقة بين طبيعة الدور وعمر الممثلة. فيختفي عن المنصات وربما الصالات ويبقى عند من استطاع إلى حينه اقتناءه/شراءه.
إن خصّصنا الحديث عن محبي السينما، فإن كلاً من الشراء والاشتراك يتجاوران لكن بمعقولية. ولبعض النقاد امتيازٌ في منصات سنوية تملكها المؤسسات المنظمة للجوائز، توفّر لهم أفلاماً لغاية التصويت عليها، «لوميير» في فرنسا حيث توفّر كل الإنتاجات الفرنسية والإنتاجات المشترَكة الفرنسية، و»أكاديمية الفيلم الأوروبي» التي توفّر الأفلام الأوروبية، و»الغولدن غلوبز» الأمريكية التي توفّر الأفلام الأمريكية وبعض الأجنبية، وغيرها إذ يصل لنقّاد سينمائيين روابط ومنصات من حيث لا يدرون. لكن، لدى محب السينما هذا، مهما كانت مهنته، لا بديل لعلب أفلام تملأ الرفوف، تماماً كما هو حال محبي القراءة مع الكتب أو محبي الموسيقى مع اسطوانات الفينيل. النقاش هنا ليس بالمنطق الذي دار أعلاه، المنطق كلّه يتغير هنا، النقاش يكون عاطفياً وجمالياً وثقافياً، ويكون بالدرجة ذاتها لا-رأسمالياً.
بكلمتين، من يحب السينما لا يريد أن ينقطع عن الأفلام إن سافر، أو عن الوفرة في كل منصة، لكنه، وهذا المقصَد، لا يريد أن تنقطع عن عينيه علبَ أفلام بأغلفتها كلما مرّ من غرفة إلى أخرى، مهما ضاقت الغرف ومهما تراكم الغبار. المسألة برمّتها تنحصر في الشعور باللذة، بالفرح، بالراحة، بالاطمئنان. في هذا المنطق العاطفي، لا تكون الأرقام، سعراً وعدداً، مرجعية.
كاتب فلسطيني سوري