إسرائيل تبتعد وتركيا “الرابح الأكبر”.. اتفاق مكة: المثلث المقلق


زلمان شوفال

بمبادرة السعودية أساساً، وقع الأسبوع الماضي اتفاق دفاع متبادل بين السعودية وتركيا وباكستان في مواجهة التهديد الإيراني ووكلائه. من ناحية أنقرة على الأقل، هذا وزن مضاد لتعاظم قوة إسرائيل ونفوذها. الاتفاق ليس بمثابة أنباء طيبة لإسرائيل، فهو يخلق واقعاً شرق أوسطياً جديداً يبعد انخراط إسرائيل في المجال أكثر فأكثر. يمكن أيضاً أن نرى في الاتفاق منظومة تفاهمات بين دول سُنية في مواجهة الإسلام الشيعي، وحقيقة أنه وقع في مكة، المدينة الأكثر قدسية للإسلام، وليس في الرياض، عاصمة السعودية، تعكس ذلك.

للدول الثلاث مصالح مشتركة، كحرية الملاحة في باب المندب مثلاً. والأمر هام أساساً للسعودية، لمواصلة ضخ النفط من آبارها إلى أرجاء العالم. لباكستان، التي تصارع مشاكل اقتصادية عسيرة، مكانة خاصة في الاتفاق بفضل كونها الدولة النووية الوحيدة بين الثلاث. الرابحة الأكبر، من ناحية سياسية هي تركيا، التي ترى في الاتفاق تعزيزاً لمكانتها في العالم السُني كأحد قادة “الإخوان المسلمين”. وتواصلاً لمكانة منحها مجلس السلام برئاسة الرئيس ترامب، فإن الاتفاق سيساعدها في اكتساب مواقع نفوذ في الشرق الأوسط كله، تجاه إسرائيل أيضاً، بل إن تركيا توشك على أن توقع على اتفاقات واسعة مع السعودية، في مجال صناعة السلاح.

وسائل الإعلام الإسرائيلية وصف الاتفاق بـ “ناتو الشرق الأوسط”، غير أن هذا تقدير مبالغ فيه. صحيح أن فيه بنداً يذكر بالبند رقم 5 في ميثاق الناتو، الذي يلزم الأعضاء للهرع تلقائياً لنجدة كل عضو يتعرض للاعتداء، لكن الاتفاق، بخلاف الوضع في الناتو، ليس فيه قيادة عسكرية موحدة أو آلية متفق عليها لتفعيل الالتزام المتبادل. ولكون تركيا عضواً في الناتو، فذلك يخلق تضارب مصالح بين التزاماتها للجسمين. إضافة إلى ذلك، لا يوجد في الاتفاق الثلاثي تعريف لعدو مشترك. العدو المحتمل لباكستان هي الهند. أما تركياً، فالحديث يدور عن اليونان، وللسعودية أيضاً حساب خاص مع الحوثيين في اليمن – بينما كان للناتو عدو مشترك واحد: الاتحاد السوفياتي. موضوع الحوثيين، بالمناسبة، يقف أمام اختبار فوري بعد الاعتداءات على الأراضي السعودية.

ثمة مسألة حرجة حول الاتفاق ترتبط بالولايات المتحدة، حليفة الشركاء الثلاثة: هل شجعت واشنطن الاتفاق وترى فيه استكمالاً لتسويات قائمة أو محتملة في المستقبل لاستقرار الشرق الأوسط – أو العكس؛ فقدْ فقدَ الموقعون، وأساساً السعودية، الثقة بالولايات المتحدة من ناحية مصالحهم الأمنية؟ هنا يدخل أيضاً الاتفاق النووي بين السعودية والولايات المتحدة، الذي اشترط بأثر رجعي بتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل. يبدو أن الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للسعودية، يتردد فيما إذا كان سيعتمد على العلاقات طويلة المدى مع الولايات المتحدة رغم الشرط في موضوع إسرائيل، أم يكتفي الآن بالعلاقات مع حليفته النووية، باكستان؟

من لم يندرج في الاتفاق الجديد هم الإماراتيون المصريون والبحرينيون، الذين هم حلفاء قريبون من الولايات المتحدة. فالإمارات، حسب مصادر مختلفة، تبني محوراً دفاعياً مع إسرائيل ومع الهند.

لا يمكن تناول الاتفاق الثلاثي دون الوقوف عند تأثيره المحتمل على الخطط لاستعداد جغرافي سياسي عام في الشرق الأوسط، وعند العلاقات مع أطراف أخرى في العالم، مع التشديد على قنوات النقليات من الهند عبر السعودية، وإسرائيل، وقبرص واليونان إلى أوروبا. هذا مقابل خطة الصين “الحزام والطريق”. رأت إدارة بايدن في حينه هذا الموضوع ودمج إسرائيل فيه كإحدى مهامها الرئيسة.

لإدارة ترامب من هذه الناحية رؤية أضيق، وهي التشدد، حتى في المفاوضات مع إيران على عبور حر للنفط في مضيق هرمز. في الماضي، طرحت الخطة لنقل الوقود بمشاركة إسرائيل من خلال أنبوب عسقلان – إيلات، لكن حكومة التغيير أوقفتها ولم تستأنف منذئذ. خطة كهذه ربما تكون جزءاً من خطة أكبر وأكثر شمولاً، تواصل الميول الإيجابية لاتفاقات إبراهيم. وعليه، وحيال إمكانية كهذه، ثمة خطط تتراكم وتتجاوز إسرائيل وتعطي تفوقاً لتركيا والعراق وسوريا. سيكون للولايات المتحدة ولأوروبا ما يقولونه في هذا الموضوع. ومن ناحية الدبلوماسية الإسرائيلية، ستكون هذه إحدى المهام الأكثر أهمية في المستقبل القريب القادم.

معاريف 11/8/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *