«كبرج مراقبةٍ نشط – كتاب أحمد»: الشعر في مواجهة الفقد


في ديوانها الثامن، «كبرج مراقبةٍ نشط – كتاب أحمد»، الصادر حديثا عن دار غايا للنشر في القاهرة، تُقدّم الشاعرة اليمنيّة هُدى أبلان، الأمينة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، عملا يُمثّل ذروة نضجها التجريبي والجمالي. ما يُميّز هذا الديوان هو أنه ينبع من تجربة إنسانية عميقة وشديدة الخصوصية، تُجسّد مرارة الثكل، وهي تُرثي ابنها الوحيد (أحمد)، الذي فارق الدنيا في القاهرة بعد صراعٍ مريرٍ مع المرض في ريعان شبابه. كانت هدى، كأم، رفيقة رحلة الألم هذه، لتجد نفسها، لاحقا، معنية بقراءتها، ومُواجهة لحظة استعادة الوقائع وكتابتها بلغةٍ متمكنة من أدواتها الخيالية، وصاعقة في فيض إدهاشاتها.
يكشف هذا الديوان، بحمولته الثقيلة من التذكر، الكثير عن خصوصية التجربة الشعرية، في اشتغالها على أسمى تجليات الرؤية الإنسانية في علاقتها بمشاعر الفقد والمواساة. كان الحزن شاسعا، فجاءت القصيدة مُمسكة بصولجان الشعر، متحدثة بلسان لوعة ألم الفقد. هنا، يمتزج سحر الشعر بحزن الشاعرة العميق، فكانت القصيدة عينا ترصد حركة الغياب وأثره.
يستند الديوان -المتوشح بصورة الفقيد على غلافه الأمامي- إلى منهج جمالي يمزج بين المفارقة ولغةٍ مأهولة بالبهاء والنقاء؛ فجاءت القصيدة محمولة على شاعرية الفقد، مشتغلة على مشهدية الموت في تجاوز لافت. يعكس العنوان الرئيسي والفرعي غاية القصيدة ودور الشاعرة؛ فهي أشبه بـ«برج مراقبة»، ترصد أدق التفاصيل وتواكب رحلة الألم قبل الموت وبعده، مستحضرة ذكريات الطفولة، متوقفة أمام كل منعطفات الحياة التي تخلّقت معه، مرورا بالقاهرة، والعودة إلى صنعاء.
اختارت هدى «القصيدة النثرية» لتواسي أمومتها، محوّلة النصوص إلى بلسم يتجاوز البكاء الفردي، ليلامس أوجاع كل أم ثكلى. منذ البداية، يصافحنا الحزن بأبهى صوره، وبدلا من تقديم التعازي للشاعرة، نجدها تواسي كل أم ذاقت مرارة الفقد، لا سيما في اليمن، الذي أثقلته ويلات الحرب وتداعياتها. وانطلاقا من هذا، أهدت الديوان «إلى كل أم فقدت فلذت كبدها، تحت أي ظرف وعنوان، وتذوقت مرارة الفقد وحُرقة الغياب، وإلى القاهرة التي ضمّت أوجاعه ورفاته، أهدي أشلاء الكلمات».
يرتكز هذا النص على أرضية خصبة من التفاعل مع المفارقات والتوحد مع الجمال الرؤيوي واللغوي، لا سيما وهو يجسد المعاناة الإنسانية العميقة التي عاشتها «الأم الشاعرة». من خلال النشيج النازف، تنجح قصائدها في إحياء المشاهد والتفاصيل، بل منحها حياة متجددة، لتغدو منبرا لمواساة الذات والحياة معا في حضرة الموت:
كم أحب الشمس/ التي تجلد ظهري/ إنها تُنضج حروفي في مهب الصفاء/ألم أقل لكم/إن هناك دهشة/ في موت ابن الشاعرة.
على كل مَن يقرأ هذا الديوان أن يتحلى بالقدرة على الثبات الوجداني، أمام هذا الحزن العميق؛ حزنٌ يتسم بصدقه وتدفقه. لذا، قد يجد البعض صعوبة في إتمام القراءة في جلسة واحدة.
يتألف الديوان، الصادر في 288 صفحة، من 54 نصا، معنونة بالأرقام. في النص الأول، تستهل الشاعرة رسم مشاهد الحزن بلغة تجعل القارئ شريكا في مكابدة هذه التجربة القاسية:
بابٌ من مخالب الموت الكبرى/يضيء أحشاءك بالبياض/ويمدد أوجاع الجهات/ولا يبالي/ أحتضن/ عمرا وأضعه على بساط الريح/ ميلادا يتداعى/ بصوت خافت ليعلو ضجيج الفناء/ أنا الأم المنضبطة/ في ماراثون العقاقير/ والأجهزة المتفسخة/ التي توصل صغيري بالعالم.
ومع تتالي النصوص، يتجلى التماهي بين الخيال المثقل بالصور والدلالات وواقعية الفقد واضحا:
ما معنى أن يموت ابن الشاعر/ سيتكور الخيال/ حزنا على ركبتيه/ ويغطي وجهه/ من التقاط صور مجازية مع الألم/ وربما ينكمش على حبة خال/ في جلد الشاعر المطمور/ الذي لا آفاق أمامه للبكاء.
تتنقل الشاعرة بين شوارع القاهرة، والمدافن، وردهات المستشفى، متذكرة التفاصيل، لتستعيد نبضه في صور خلدتها الكلمات:
حين التهم الليل ُعمرَك القصير/ لائذا بالوحشةَ/ صعدت/ أشممتُك َ أصابعي/ التي قلبت رقدتك/ في هوس ِالاحتمالات/ لن تنسى لذَّة هذه الأصابع/ وهي تدير الدنيا/ لأجلك/وخذلها نبضك المفقود/ في صباح «القاهرة»/ الذي يلم ّ برد الغرباء/ ويقذفهم في اتجاه الشمس.
تتحرك النصوص في مدار ثلاثي الأبعاد (المرض، الإنسان، الفقد)، وتنسجم لغة الرثاء مع الصور النازفة. وفي ذروة المأساة، تصوغ الشاعرة مرثية قاسية لذاتها:
انقلبَت المعادلة/ أنت نوح تمضي إلى النجاة/ وأنا عمله غير الصالح/ تتلاطم بي السنون/ لا جبل يعصمني من ضجيج فراقك/ حتى الاشتغال أعلاه/ ليس فيه دفء النجاة/ مع الذين أشرقوا في مراكب الغيب.
حوّلت هدى كل لحظة وفكرة من الألم والحزن إلى مشهد شعري، عاشت من خلاله تلك التفاصيل والوقائع:
أبكي لصيقة الجدران/ أتنصت صوت الحياة/ فلا أجد إلا خلايا الموت/ تحصد الجسد النحيل/لقد تركت سنبلتي/ بين يدي الجراد.
تختتم هدى أبلان رحلتها الشعرية بتوثيق الصمود واستحضار المعنى في مواجهة الرحيل، حيث تقف لتُنهي الرحلة:
جلبتك من برزخك/وأسرجت مأساتي/من الأشياء التي أستند إليها يا حبيبي/مساحة يكبر فيها موتك/فلا يكفيني إلا قمة الجبل/منضدتي العظمى/عليها أقلام فقأت عين التاريخ/ وكتبت المقدس الشامخ من الكلام/ أدوِّن ارتمائي بين أقدامك الخشبية/وأبكيك/ كأي مصلوب في رحلة الارتقاء.
اختزلت الشاعرة هذه التجربة الإنسانية الملهمة بقولها: «مات أحمد عن 21 عاما، لكن ما لديّ من تفاصيل، وما تركه من إلهام كأن عمره مئة عام، ربما في السرديات المقبلة تكتمل الصورة».
إن ديوان «كتاب أحمد» ليس مجرد مرثية عابرة، بل هو وثيقة إنسانية وأدبية تؤكد قدرة القصيدة على صناعة الحضور الفارق، خاصة على صعيد تمكين الروح من التماهي مع الجمال في أحلك لحظات الغياب.

صحافي وكاتب يمني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *