الناصرة- “القدس العربي”: يرى باحث إسرائيلي بارز أن الانتخابات العامة المقررة في إسرائيل في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل لن تدور حول الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار، بل ستتمحور حول سؤال جوهري هو “من نحن؟”.
وفي مقال نشرته صحيفة “معاريف”، الإثنين، قال الباحث الجامعي والمعلق السياسي نسيم كايتس إن 27 تشرين الأول/ أكتوبر سيكون بالنسبة للإسرائيليين هو يوم “الحسم الوطني الدراماتيكي” في الأجندة السياسية. ومع ذلك، فإن المواطن الذي يبحث في مركز الاقتراع عن النقاش المعتاد بشأن حجم الضرائب وأسعار المساكن أو سُبل حل الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، قد يجد أن هذه القضايا تراجعت إلى هامش الحملة الانتخابية.
وأوضح كايتس أن الانتخابات الحالية لم تعد تتمحور حول سؤال “كيف”، أي كيفية إدارة الدولة ومواردها، وإنما حول سؤال “من نحن”، المرتبط بجوهر الدولة وطبيعتها. وأوضح أن الانتخابات، أكثر من أيّ وقت مضى، ستكون ساحة مواجهة مباشرة حول التوتر القائم بين تعريف إسرائيل كدولة يهودية وبين اعتبارها دولة ديمقراطية.
انقسام هوياتي عميق ومقلق
ووفقا لكايتس، كانت أسباب المواجهات الشديدة بين اليمين واليسار الصهيونيين سابقا تتمحور حول حدود الدولة، ومستقبل المستوطنات، وطريقة مكافحة “الإرهاب”.
وعلى الصعيد الاقتصادي، كان الخلاف برأيه يدور حول التصورات الاشتراكية- الديموقراطية والرؤية الرأسمالية، وكانت هذه خلافات أيديولوجية حادة وعميقة، لكنها جَرت في ظل افتراض مشترك بشأن قواعد اللعبة الديمقراطية واتفاق واسع على الطابع الأساسي للدولة.
أمّا اليوم، فباتت قواعد اللعبة نفسها، بحسب كايتس، موضوع الخلاف المركزي بين الإسرائيليين. وتبدو الانتخابات القادمة كأنها مرآة تعكس انقساماً هوياتياً عميقاً ومُقلقاً.
ويمضي كايتس في تشخيص الاختلاف بينهم، قائلاً إن المعسكر الذي يرفع راية “الدولة والمصلحة العامة”، يقف في أحد طرفي المواجهة، ويعتبر أن الديمقراطية لا تقتصر على إجراء تقني يتمثل في تنفيذ إرادة الأغلبية عبر صندوق الاقتراع، بل تعتمد على منظومة متكاملة تشمل المساواة الكاملة في الحقوق المدنية، وحماية الأقليات، والاستقلال التام للسلطة القضائية، والحفاظ على القيم الليبرالية.
ويرى أنصار هذا المعسكر أن إسرائيل يجب أن تكون ديمقراطية غربية مستنيرة، تمنح الهوية اليهودية عمقاً ثقافياً وقومياً، لكنها لا تفرض أنماط الحياة،أو شكل الحكم والقانون.
وفي المقابل، يشير كايتس إلى وجود معسكر آخر يسعى إلى التركيز على العنصر اليهودي ووضعه فوق العنصر الديمقراطي. ويقول إنه بالنسبة إلى قطاعات واسعة منه فإن القيمة العليا والموجّهة هي الهوية الدينية أو الشريعة اليهودية أو الخصوصية القومية.
ويضيف أن الديمقراطية، من وجهة نظر أنصار هذا المعسكر، تُعد أداة مناسبة للتعبير عن إرادة الأغلبية، لكنها تخضع لما يرونه “أصل إسرائيل وتراث الآباء والحق التاريخي”.
صراع وجودي
وبحسب رؤية الباحث الإسرائيلي، يحوّل هذا التصادم بين المعسكرين المذكورين السياسة من ساحة نقاش موضوعي إلى صراع شخصي ووجودي. ويقول إنه عندما يصبح الجدال بشأن الهوية والقيم، لا يعود هناك مجال للتسوية، بل تتحول السياسة إلى لعبة قاسية محصلتها صفر؛ فإذا أصبحت الدولة “أكثر يهودية”، رأى المعسكر الآخر أنها أصبحت أقل ديمقراطية، والعكس صحيح.
ويرى كايتس أن الحملة الانتخابية تحولت إلى حرب هويات بمعناها الأعمق والأكثر إثارة للانقسام، ويمضي في رسم طبيعة الصراع القائم في صفوف الإسرائيليين اليوم، قائلاً إن المرشحين، في معظمهم، لم يعودوا يكلفون أنفسهم عناء تقديم خطط عمل مفصلة، بل يركزون على إثبات انتمائهم إلى “القبيلة” السياسية.
ويضيف أن السؤال الوحيد المتبقي هو: هل تنتمي إلى المعسكر الليبرالي- العلماني، أم إلى المعسكر المحافظ الديني التقليدي؟ ويخلص إلى أن الانتخابات لم تعد تدور حول كيفية إدارة الدولة، وإنما حول تحديد ملامحها وصورتها في نظر الأجيال المقبلة. وسيصوّت الناخب لمن يعكس هويته، وهو ما سيحدد اتجاه السياسات، ليطغى سؤال “من نحن؟” على سؤال “ماذا سنفعل؟”.
شخصيات يهودية تدعو إلى ضم حركة “لِكُلنا مكان” ضمن القائمة المشتركة
في سياق متصل، وجهت شخصيات يهودية بارزة مذكرة مشتركة إلى رئيس لجنة الوفاق الوطني داخل أراضي 48، الأديب محمد علي طه، طالبت فيها بضم حركة “لكلنا مكان”، وهي حراك شبابي عربي يهودي، إلى القائمة المشتركة الثلاثية.
وضمت القائمة رئيس الكنيست الأسبق أفرهام بورغ، والبروفيسور أورن يفتاحئيل، والبروفيسور أفنير بن عاموس، والبروفيسور دافيد هارئيل، والبروفيسور يائير ليشفيتس، ويغئال عزراتي، ويانيف شاني، وماعوز يانون، والدكتورة نيراف بن نون، وسيناي بيتر.
وجاء في المذكرة: “سعدنا بإجراء اجتماع بينكم وبين “لكلنا مكان”، ولفت انتباهنا استطلاع رأي نشرته وسائل إعلام عربية اليوم، يكشف أن 80% من جمهور الجبهة والتجمع والتغيير يؤيدون ضم الحركة إلى القائمة المشتركة، وأن لها وزناً انتخابياً داخل المجتمع العربي، يضاف إليه مؤيدون لها في الجانب اليهودي”.
وخلصت المذكرة إلى القول: “انطلاقاً من التزامنا بفكرة الشراكة العربية اليهودية وبالمساواة التامة، نتوجه إليكم بطلب الاجتماع مع لجنة الوفاق، بصفتنا ناشطين يساريين وأنصاراً قُدامى لمعسكر السلام. نريد التباحث معكم وطرح رؤيتنا أمامكم بتواضع وتقدير، والحديث عن كيفية دفع فكرة التعاون اليهودي العربي في انتخابات الكنيست المقبلة، التي تعتبر حاسمة، وتأتي في ظل تهديدات ثقيلة وأجواء طوارئ”.
وكان عدد من رؤساء السلطات المحلية العربية، المنتمين إلى الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، قد توجهوا إلى حزبهم مطالبين ببحث إمكانية ضم حراك «لكلنا مكان» إلى قائمة تحالفية واسعة.
وجاء ذلك قبل تعثر مساعي لجنة الوفاق الوطني لبناء قائمة عربية مشتركة في مواجهة القائمة العربية الموحدة، بيد أن المساعي المستمرة لإعادة ترتيب أوراق الأحزاب العربية سرعان ما تعثرت، في ظل إدراك واسع بأن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة هي الأخطر والأهم منذ نكبة 1948، نظراً لاحتمال بقاء ائتلاف نتنياهو القومي في الحكم، وهو ما يمكن للفلسطينيين في إسرائيل التأثير فيه وحسم مساره إذا شاركوا في الانتخابات بنسب مرتفعة.
ويشكل فلسطينيو الداخل نحو 19% من السكان، ونحو 15% من أصحاب حق الاقتراع، غير أن أجواء الفُرقة تتسبب في تراجع نسبة من يعتزمون المشاركة في الانتخابات، وفق استطلاعات رأي متتالية.