محاربة “الوسطيين” في الحزب الديمقراطي للسيد تمهد الطريق لانتصار الترامبية وخسارة انتخابات 2028


لندن- “القدس العربي”: تساءلت المعلقة في صحيفة “الغارديان”  نسرين مالك عن دلالات فوز الدكتور عبد الرحمن السيد في انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية بولاية ميتشغان، والذي يجب النظر إليه عبر منظور السياسة الداخلية الأمريكية والدولية.

وقالت إن فوزه بانتخابات الترشيح لمجلس الشيوخ يشكل اختراقا تاريخيا، وهذا ليس لأنه مسلم وابنا لمهاجرين خالف كل مبدأ من مبادئ سياسات المؤسسة الحزبية الديمقراطية، بل لأنه محا تلك النظرة المتعالية الساخرة التي كانت تعلو وجوه “حراس البوابة” من الوسطيين تجاه الانتصارات التقدمية.

فقد قللوا من فوز زهران ممداني وقالوا: “لا تقلقوا، إنه مجرد عمدة، وهي مدينة نيويورك، وخارج المناطق الحضرية والليبرالية، لا يوجد ما يدعو للقلق”.

أما الآن، فقد فاز السيد بترشيح الحزب الديمقراطي في ولاية تتأرجح بين الحزبين، ومدرجة أيضا ضمن قائمة الولايات المؤثرة في سباق الترشيح الرئاسي.

وقالت مالك إن هناك الكثير مما يدعو للحماس، ليس داخل الولايات المتحدة فحسب، بل أيضا بالنسبة للمراقبين في الخارج الذين يأملون في بزوغ فجر تيار يساري ثوري حقيقي قادر على الصمود في وجه خصوم أقوياء يتمتعون بتمويل ضخم، وتحقيق الانتصار عليهم.

وأشارت مالك إلى حجم الأموال الهائلة التي جُمعت لهزيمة السيد، إذ تفوقت عليه حملة الخصم في الإنفاق بنسبة تزيد عن تسعة إلى واحد.

وحول الإنفاق المالي، قالت مالك: “لقد كانت أغلى انتخابات تمهيدية ديمقراطية للكونغرس على الإطلاق، فقد قامت قائمة من الأشرار، الذين يبدون وكأنهم شخصيات كرتونية شريرة، مثل شركتي شيفرون للنفط وفيليب موريس للدخان، بتمويل منافسته هيلي ستيفنز بمبالغ تجاوزت 60 مليون دولار”، وأضافت: “جاء ما يقرب من نصف هذا التمويل من لجنة عمل سياسي فائقة  أو مدعومة من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك)”.

ومن هنا، قالت مالك إن هذا الفوز يحمل دلالات رمزية قوية، فهو يمثل سياسة تتحرر من قيود سلطة الشركات وجماعات المصالح الخاصة التي تتعارض أجنداتها مع مصالح الناخبين.

كما ويشير فوزه إلى أمرَين، أولا، ناخبون يستيقظون على حقيقة أن ديمقراطيتهم قد أصبحت رهينة لمصالح ضيقة. وثانيا، سمات كانت تعتبر في الماضي سببا لاستبعاد المرشح، مثل نقص الخبرة أو غياب تأييد المؤسسة الحزبية، أصبحت الآن تمنح المرشح صفة “الوجه الجديد النقي” أي شخص لم تلوثه تلك اللعبة الدنيئة التي تبقي تكاليف الرعاية الصحية مرتفعة وتكرس القسوة تجاه المهاجرين وتستنزف أموال دافعي الضرائب خارج البلاد.

وقالت مالك إن قضية إسرائيل لعبت دورا بارزا في الحملة الانتخابية، سواء في خطاب السيد أو منافسته، غير أن اللافت للنظر هو تباين القضايا التي ركز عليها كل منهما. فقد تمسك خصوم  السيد بنقاط نقاش مكررة تدور حول “حق إسرائيل في الوجود”، وهي مسألة لا تشكل أولوية بالنسبة للناخب العادي.

في المقابل، صوّر السيد إسرائيل ببساطة على أنها جهة استنزفت قدرا مفرطا من أموال الأمريكيين، معتبرا أن “المسألة الجوهرية ليست حقهم في الوجود، بل أحقيتهم في الحصول على أموال ضرائبنا”، وهو نهج اتسم بالوضوح والتميز.

تقول مالك إن فوز السيد حتى الآن، لا يُعتبر ضمان لإمكانية تكرار هذا النجاح في سياقات أخرى، سواء في الانتخابات العامة بمواجهة الجمهوريين أو على مستوى المرشحين التقدميين بشكل عام.

والسبب هو أن المؤسسة الحزبية الديمقراطية عجزت عن التصدي بفعالية لدونالد ترامب، في حين قد يبدو أن المرشحين الجدد الذين يتمتعون بحماس لافت يملكون إجابات تفتقر إليها قيادة الحزب حتى الآن.

لكنهم يواجهون تحديات هائلة، وسيُلقي الحزب الجمهوري في وجوههم مجموعة من الاتهامات، على حد تعبير ترامب، بأن مرشحين مثل السيد “حثالة” وشيوعيون متطرفون لن يجلبوا سوى “الموت والبؤس والفقر” و”حياة الجحيم”.

ثم هناك ما يمكن لتيار الوسط في الحزب الديمقراطي حشده ضدهم، فقد جمعت مجموعة وسطية بارزة تدعى “الطريق الثالث” ملايين الدولارات بالفعل لتشويه سمعة الاشتراكيين الديمقراطيين، وذلك عبر الاستثمار في وسائل التواصل الاجتماعي وحشد النشطاء ضد مرشحين مثل السيد.

وصرح زعيم المجموعة قائلا: “نحن نستعد للحرب القادمة”. ويكمن خوفهم، على حد تعبيرهم، في أن الزخم الداعم للاشتراكيين الديمقراطيين قد يستمر وصولا إلى مرحلة الترشح للرئاسة، ليفرز مرشحا سيسحقه الجمهوريون، وكأن هذا الأمر لم يحدث من قبل لأي مرشح رئاسي ديمقراطي وسطي خاض منافسة ضد ترامب.

ومع ذلك، فإن تصوير المرشحين التقدميين على أنهم متطرفون قد يكون له أثر كبير في بلد يعتقد فيه الناس أن ترامب أكثر اعتدالا من كامالا هاريس أو هيلاري كلينتون. فعند خوض المعارك على المستوى الوطني، يجد اليسار هامش مناورة أضيق بكثير في المخيلة السياسية مقارنة باليمين، ويعود ذلك إلى “وعد التغيير” الذي يمنح المرشحين التقدميين الأفضلية في بعض السباقات الانتخابية، وسرعان ما يصور بسهولة على أنه اندفاع نحو المجهول.

وبعد ذلك، يصبح هذا التهديد أكثر تأثيرا وخطورة نظرا لأن المرشحين التقدميين يفتقرون إلى العمق والاتساع اللذين يوفرهما سجل حزبي طويل، أو إلى الألفة التي تنشأ عن الحضور الدائم والمكثف في المشهد السياسي.

ومع ذلك، يجب ألا تسير الأمور على هذا النحو بالضرورة، فسياسيون مثل ممداني والسيد يقدمون نموذجا فريدا حقا.

وتُضيف مالك أنهم يمثلون أمريكا جديدة تمتزج فيها سياسات “القادمين من الخارج”، بما تحمله من سمات ثقافية وأيديولوجية، بقوة مع سمات البلدان التي اتخذوها وطنا، وفي الوقت نفسه تتحدى تلك السمات. وذلك يعود إلى أنهم اختاروا ألا يذوبوا تماما وبخنوع في المجتمع لمجرد الصعود الاجتماعي، كما لم ينأوا بأنفسهم عن المنافسة في بلد أصبح لهم فيه حق أصيل ومصلحة مباشرة.

غير أنهم، وبقية المجتمع الأمريكي، يتحملون أعباء هائلة في ظل اضطرابات محلية وعالمية عاصفة. إذ تخوض حركتهم صراعا ضد التمترس العنيد للمؤسسة الحزبية الديمقراطية المفلسة سياسيا، وضد الحروب الثقافية الشرسة التي يشنها اليمين، وضد آلة هائلة من جماعات الضغط (اللوبي) ومصالح الشركات الكبرى، رغم أن بعضهم قد نجح في الانتصار عليها حتى الآن.

وتقول مالك إن الناخبين من ذوي التوجهات التقدمية يصعب العثور عليهم ببساطة، بل يُصنَعون، ويُعاد تشكيلهم باستمرار في هيئة تحالفات. فإذا كان الديمقراطيون يفضلون الخسارة وفق شروطهم الخاصة على الفوز بشروط اليسار التقدمي، فإن محاربة هؤلاء المرشحين الجدد سترسخ الانطباع بأنهم مجرد متطرفين شواذ ومصيرهم الزوال السريع.

وترى مالك أن هؤلاء المرشحين قد اهتدوا إلى النهج السياسي الأكثر قابلية للنجاح في الوقت الراهن، فرفض تبنيهم ودعمهم بالكامل يعني ضمان انتصار “الترامبية” مرارا وتكرارا، لهذا ينبغي دعمهم ومساندتهم بقوة حتى عام 2028.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *