رام الله- “القدس العربي”: يتواصل الجدل الفلسطيني على قرار وزارة التربية والتعليم الفلسطينية الذي أعلن عنه قبل أسبوعين حول اعتماد “نظام مصادر التعليم المفتوحة”، والذي من المفترض أن يطبق مع بدء العام الدراسي خلال الأسبوعين القادمين على نحو 1600 مدرسة فلسطينية من الصف الأول وحتى الصف الرابع.
وخلال الأسبوع الماضي تواصلت النقاشات الفلسطينية مع كافة الأطراف، وكان آخرها اللقاء الذي رتبت له الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان “ديوان المظالم”، وتم بحضور الوزير ومؤسسات التعليم والتربية الأهلية ومجموعة من الناشطين، حيث أكد الوزير الدكتور أمجد برهم خلال اللقاء أن الكتاب المدرسي سيبقى مصدرا رئيسيا إلى جانب عدة مصادر أخرى متاحة، إضافة إلى المنصات التي تتضمن مواد تعليمية إثرائية داعمة للكتاب.
تحاور “القدس العربي” الخبير التربوي الدكتور وحيد جبران حول النظام الذي رأى فيه مقاربة تطويرية تستدعي الدراسة والتريث وعدم التسرع في الحكم عليها أو الاندفاع في تطبيقها.
وجبران هو خبير ومستشار تربوي فلسطيني بارز، ورئيس مجلس إدارة جمعية المدربين الفلسطينيين، ومنسق الشبكة المشتركة لوكالات التعليم في حالات الطوارئ في فلسطين، وهو يمتلك خبرة واسعة لأكثر من 30 عاما في تطوير التعليم، وإدارة البرامج التربوية، وتدريب المعلمين. وفيما يلي نص الحوار:
في ضوء ما رشح عن النظام الجديد.. ما هو موقفك منه بشكل عام.. وما هو الموقف في ظل واقع التعليم في فلسطين: الضفة وغزة، أزمة رواتب.. وحالة من انعدام الثقة؟
جبران: أسميه “التعليم المستند إلى المصادر المفتوحة” لكي يأتي الأمر كمقاربة تربوية تطويرية تضاف إلى المقاربات التي تقوم بها وزارة التربية والتعليم لتحسين جودة التعليم
في البداية، أفضل أن يطلق على هذا الأمر “التعليم المستند إلى المصادر المفتوحة” لكي يأتي الأمر كمقاربة تربوية تطويرية تضاف إلى المقاربات التي تقوم بها وزارة التربية والتعليم لتحسين جودة التعليم. وكنت أفضل أن يتم دراسة هذه المقاربة بعناية والتحضير لها جيدا، والتأكد من الجاهزية العالية لها، وتوفير عوامل الاستقرار في البيئة التعلمية وضمان مقومات الاستمرار والانتظام في العملية التعليمية، وفي مقدمتها استقرار رواتب المعلمين، واستعادة النظام التعليمي لعافيته التي تأثرت سلبا.
من الواضح أن هناك ظروفا مثالية لأزمة مجتمعية تمس قطاع التعليم وتحديدا فئة الصفوف الأساسية.. الوزارة ماضية والجدل قائم.. كيف لنا أن نصل إلى موقف مجتمعي نضمن من خلاله نجاح النظام أو على الأقل الاتفاق على الأمور الأساسية فيه؟
يشكل توظيف مصادر التعليم المفتوحة في التعليم المدرسي مقاربة تطويرية تستدعي الدراسة والتريث وعدم التسرع في الحكم عليها وعدم الاندفاع في تطبيقها. وتتطلب إطلاع المؤسسات التربوية والأكاديمية والمجتمعية وغيرها مسبقا عليها وإشراكها في نقاشها وتطويرها، وكذلك تتطلب التأكد من وجود تفهم مجتمعي لها، ومن ثم العمل على تعزيز جاهزية النظام التعليمي لإدماج هذه المصادر، وتوفير الظروف الداعمة لها مثل انتظام العملية التعليمية والعودة إلى الدوام خمسة أيام أسبوعيا، وتحفيز المعلم لكي يتمكن من الانطلاق بقوة والاندماج بعزيمة في توظيف هذه المصادر، فضلا عن التدريب الشامل للكادر التعليمي والإداري والإشرافي، والتجهيزات التقنية، والمنصة الوطنية لمصادر التعلم المفتوحة، وأطر الحوكمة وضبط الجودة، والتأكد من الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه المصادر في الإسهام في الفاقد التعلمي واستعادة الدافعية للتعليم والتعلم. من جانب آخر، يتطلب الأمر توعية الأهالي وتوضيح الدور الذي يتوقع منهم القيام به.
علمنا أن هناك جهودا تبذلها الوزارة مثل تدريب المعلمين، والتواصل مع جهات ذات العلاقة ومحاولات لشرح النظام.. يبدو ذلك متأخرا لكنه مهم.. هل يمكن الرهان عليه في ظل اتهامات بالتسييس؟
رغم أهمية تدريب المعلمين وأهمية التوعية والتواصل مع الأطراف ذات العلاقة، إلا أنهما لا يكفيان. إن الانتقال إلى منظومة مصادر تعلم مفتوحة يحتاج إلى إطار وطني وسياسات واضحة تنظم استخدام هذه المصادر، ومعايير وطنية للجودة، ودراسات علمية وتربوية محلية وعالمية تسنده، وتصنيف الموارد وفق الكفايات للصفوف والمباحث المختلفة، فضلا عن تحفيز المعلمين وتوفير رواتبهم بانتظام، وتدريبهم على تصميم خبرات التعلم واختيار الموارد الملائمة للقيم والثوابت الوطنية، وتوفير بنية تعليمية مناسبة.
نشر الدراسة التقييمية (ستنشر قريبا بحسب ما أعلنت الوزارة) هل يمكن أن يوفر ما يقنع المواطنين بالمشروع الجديد.. أم أنه سيكون مساحة لمزيد من الجدل؟
اعتماد وزارة التربية والتعليم على دراسة تقييمية قامت بها في ضوء تجربة توظيف مصادر التعليم المفتوحة في 64 مدرسة حكومية في الضفة الغربية أمر جيد وضروري، لكن هناك أسئلة مهمة تتعلق بهذه الدراسة ويتداولها التربويون وأولياء الأمور
إن اعتماد وزارة التربية والتعليم على دراسة تقييمية قامت بها في ضوء تجربة توظيف مصادر التعليم المفتوحة في 64 مدرسة حكومية في الضفة الغربية أمر جيد وضروري، لكن هناك أسئلة مهمة تتعلق بهذه الدراسة ويتداولها التربويون وأولياء الأمور، منها: أين هذه الدراسة؟ ولماذا تم اتخاذ قرار التوسع في توظيف هذه المصادر قبل نشر الدراسة وإخضاعها للنقاش والحوار؟ من الذي أجرى هذه الدراسة؟ وما النتائج التي توصلت إليها وجعلت الوزارة تتخذ القرار بالتوسع مرة واحدة بدلا من التوسع التدريجي؟
ما هي رؤيتك للخروج من هذه الأزمة التي تمس أهم فئة من أطفالنا؟
الاستمرار في اعتماد الكتاب المدرسي الوطني كأساس مشترك يضمن وحدة المنهاج والهوية والثوابت والجودة والقيم الوطنية والعدالة التعليمية، ويضمن وجود حد أدنى مشترك من المعرفة والمفاهيم والقيم والكفايات التي ينبغي أن يحصل عليها جميع الطلاب، واعتبار مصادر التعلم المفتوحة امتدادا للكتاب، ومثريا لمحتواه، بما يضمن استمرارية التعلم في مختلف الظروف، والتوسع في استخدام هذه المصادر وفق خطة تدريجية تسترشد بالدراسات المحلية والعالمية، وبما تضعه وزارة التربية والتعليم من معايير الجودة، والموثوقية، والحوكمة، والعدالة في الوصول إلى مصادر التعلم، وتتضمن بناء قدرات المعلم كمصمم لخبرات التعلم وإنتاجها، وتعزيز مهاراته في التفكير النقدي لكي يحسن اختيار الموارد وتكييفها لتلبية احتياجات الأطفال، وتدريب الأطفال على التعلم الذاتي والبحث والاستقصاء والاستفادة من مصادر متعددة، وتحمل مسؤولية تعلمهم مع مراعاة المستويات المختلفة للصفوف التي يتعلم فيها هؤلاء الأطفال.