تجربة الكتابة.. ووجوه أخرى لغبطة الحياة – أخبار السعودية

«كلّ جملة قُبلة بحدّ ذاتِها، وكل مقطع مشروع احتِضان» *

١-

حين تكون الكتابة في تماهٍ جوهري مع نسيج الحياة وكيمياء الجسد ورغائبه أو في توازٍ معها في غبطة القول والفعل، أو تكون صورة أخرى من صور الصيرورة الإبداعية والانكشاف، حينها تصير الكتابة تمثيلاً رمزياً للحياة في كليّتها وتفاصيلها، وتشييد لغوي سابق لغبطة القول، سابق لمرح الفعل.

والحياة التي أقصد هي حياة الكينونة الفردية للكاتب بالأساس حين يتعرّف من خلالها على معنى الوجود، وجوده هو أولاً قبل أن ينكشف وجوده في وجود الآخر.. أشياء وكائنات.. وحيوات.

وحين قال هيدجر إن «اللغة مسكن الوجود» أكّد على أن الكتابة-اللغة كيفما تعدّدت صورها ومستوياتها ومراميها ليست غير تشكيل للمعنى الآتي أو المضمر، وهو بصدد تحليل قصائد الشاعر العظيم هولدرين.

أنا هنا استخدم المقولة ذاتها لأؤكّد أن الكتابة لمن يمارسها هي بمثابة حياة أخرى له، سكن آخر يتم تشييده في المثال والرمز.. والخيال والوعي الطليق والحلم والآتي.

٢-

حين تكون الكتابة حلماً متحقّقاً في المخيلة تكون هي المتعة الميتافيزيقية الخاصة طور التخلّق.. طور التحقّق..

وحين تكون الكتابة متحقّقة، مشبعةً للذات الكاتبة تأملية إبداعية، «غايتها في ذاتها» تصبح في نظري بمثابة رقصة جسدية أخرى في المكان والزمان المطلقين.

في حين تكون «الكتابة لغيرها» كتابة غالباً ما تنبثق من الهم المعرفي ومن أجل المعرفة البحثية محتشدة بالمعلومة وبالتاريخ لا بالتخييل والتحليق اللغوي والاستعاري إلا حين تكون كتابة لغيرها وهي الكتابة النقدية الإبداعية تلك التي تتوسل الاستعارة الشعرية ذاتها واللغة الموازية في الكشف عن المعرفة الشعرية للتجربة الشعرية.

٣-

إذن ما الذي يدفع الكاتب المبدع للكتابة؟

أكثر من حاجة، ذاتية في بدئها، وربما تنتقل ما بعدها إلى حاجة معرفية وتخييلية يحثّ من خلالها المتلقي أن يشاركه قلقها وأسئلتها الوجودية.

بل أقول إن الكتابة عندي في كل الأوقات كمثل حالة مطرية مستعصية تستجديها الروح المستيقظة على قفار الظمأ بشغف، غير أن هذا الظمأ المعرفي هو في ديمومة توليديّة غير منتهية، كلما ارتوى ازدادت تدفقاته وينابيعه الفاوستية.

والكتابة هي حالة استجداء ملحة ودائمة حين يشتد طوق العزلة والوحدة على عنق الكاتب فيسعى في دروبها الوعرة كي يخرج من هذا الحصار اللا مرئي إلى الأفق المطلق طائراً طليقاً فوق بحيرة الواقع الساكنة يقذفها ضاحكاً بأحجار الصحو.

والكاتب القلق إبداعياً كما أنا في كل أحوالي يعشق العيش في العزلة وهي تعني له الملاذ الآمن والحقيقي لتوليد الأفكار والأخيلة والتصورات مثل الناقد الفرنسي جوليان جراك الذي «لا يرغب في الظهور مطلقاً» ويرغب أن يترك هادئاً ساكناً في مملكته/مملكة الأدب.

إنني عندما أكتب بالفعل يأتيني إحساس بأنني في حالة مخاض موجعة بلذة، بطيئة وجديدة لا تنتهي سريعاً لنص لا يريد أن يخرج من عزلته ناقص النمو.

أكتبه ببطء وأتركه أياماً يتخلّق بهدوء كي أرجع إليه بعد زمن، فإما آتي إليه بوقود لغوي جديد وبأفكار مجنونة تزيد ما كتبته تألقاً وتميّزاً واغتناء، وإما لا آتي إليه بشيء وأتركه في كهف النسيان، ليبقى ساكناً في عزلته الكبرى حتى يحين أوانه وربما لا يحين.

ولعلي أميل إلى الكتابة الصامتة أكثر من ميلي إلى الكلام والثرثرة المعلنة والظهور الإعلامي لذا فإن الكتابة بالنسبة لي ليست غير عزلة متجدّدة متناسلة من عزلتها العميقة الداخلية إلى عزلتها الخارجية ولعل ما قاله أيضاً جوليان جراك: «إن الكاتب الحقيقي هو الذي ينصرف إلى الكتابة بدلاً من الانصراف إلى الكلام» يمثلني تماماً في كل لحظات تفكيري ونظرتي إلى تجربتي الكتابية.

٤-

مسارات الكتابة وأشكالها المتغيّرة لدي تتحدد في تجربتين رئيستين:

تجربة (الكتابة للذات) وأعني بها الكتابة الإبداعية-قصة قصيرة، أو سيرة ذاتية أو أدب الاعتراف ومشروعي القادم (كتابة الرواية)، وتجربة (الكتابة للغير)، وأعني بها الكتابة الفكرية والنقدية حيث تتشابك في هذه الكتابة وشائج وعناصر مشاركة أخرى أبعد من حدود الذات وهمومها التخييلية والجمالية ولا تقصيها في الآن ذاته لأن الكتابة للغير عندي لا تتوسل فقط المعرفة والمعلومة والتاريخ الفردي والجمعي والموروثي بل تجهد في الاقتراب التحليلي الجمالي من روح النص المنقود أكان هذا النص -منجزاً ابداعياً لآخر أم نصاً حياتياً مجتمعياً مفتوحاً أمام البصر- ومشاغبته بالحفر الفكري الفلسفي بحثاً عن خفاياه ومتوارياته وأسراره، فيعيد بناءها في منجز مغاير، لذا فإن الكتابة هنا تصبح عملاً إبداعياً موازياً، مخلّفاً شعوراً كاملاً بالامتلاء المعرفي والروحي.

وفي سياقات التجربة الكتابية وقفت طويلاً أمام ظاهرة الكتابة الشذرية التي هي فن من فنون القول الفلسفي والتأملي المعاصر كتب به النفري إشراقاته، كما مارسه نيتشه ومن بعده الفيلسوف الروماني إميل سيوران الذي كان أحد أهم كتّابها وأقدرهم على تفجير جملة من الأفكار العميقة والمتضادة في سطرٍ واحد أو فقرات قصيرة لا تتجاوز عدة سطور، وكتب بها أيضاً الفيلسوف والناقد الأدبي فرناندو بيسو وكان كتابه الأشهر (اللا طمأنينة) واحداً من الكتب المعاصرة المدهشة التي خلطت بين التأملات الفكرية الفلسفية والقصص والحكايات السير-ذاتية في فقرات قصيرة مكثفة وبلغة مقتضبة توحي أكثر مما تستطرد وتصرّح بقدر ما تغمض أيضاً، وكان الكتاب في ذاته تحفة أدبية غنية بالأفكارالجمالية والفلسفية.

عندما نتأمل الآن مآلات الكتابة الشذرية واستخداماتها نجدها صارت واحدة من اتجاهات الكتابة الميديا-تواصلية كما في منصات «فيسبوك» أو «X» (تويتر سابقاً) لكننا نرى في بعضها احتفاظاً بالقيمة التأملية الحرة والفلسفية والمعرفية والأدبية واقتحامات متجددة في فن القول الحر المتجدد، إلا أن كثيراً منها انزلق من مستوياتها وتطبيقاتها الفلسفية ومفاهيمها الفردية المبدعة وأجوائها التأملية إلى الكتابة الشخصية القدحية الضدّية التي تمتلئ سباباً وشتماً وتجريحاً بشكل مصرّح ومبتذل.

شخصياً حاولت أن أستخدم هذا الفن القولي الذي لم يتجاوز حدود منصة «فيسبوك» أو «تويتر» فقد وجدت في هذا المحتوى الكتابي تجربة أخرى لتكثيف القول والإيجاز والاختزال، بل ومهرباً حراً للتنفيس عن آرائي اليومية وتأملاتي ونظرتي الخاصة أكانت على المستوى الاجتماعي أو السياسي أو الثقافي الأدبي أو المستوى الذاتي البوحي، وسنجد بعضاً من هذه الشذرات في الكتاب الجديد القادم جنباً إلى جنب الكتابات النقدية القصيرة المعمقة والنصوص الإبداعية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *