العرض المسرحي «لحظة واحدة» … مواجهة النهاية والاحتفاء بها



محمد عبد الرحيم

القاهرة ــ «القدس العربي» : لحظة أخيرة احتفالية يمكن أن تليق بحياة ممثلة، حياة حافلة قامت خلالها بأداء العديد من الأدوار في أعمال مسرحية شهيرة، لكن في آخر عروضها لم يحضر سوى جمهور لم يتجاوز أصابع اليد الواحدة، وبعدها اختبأت في بيتها، إلا أن المعاناة لم تنته، فهناك الديون الكثيرة، وفوق ذلك.. الوحدة التي تتنفسها بعد رحيل زوجها، فتقرر أنه لا أمل ولا بطولة حقيقية في هذا العالم، وربما لحظة واحدة فارقة سوف تنهي كل ذلك، وتسدل الستار على عرض حياتها الحي الذي تجاوز النصف قرن.
عن حكاية ممثلة تختار لحظة موتها يدور العرض المسرحي «لحظة واحدة»، والذي أقيم على مسرح البالون ـ قاعة صلاح جاهين ـ في القاهرة، ضمن عروض المهرجان القومي للمسرح المصري في دورته الـ19.
العرض أداء.. ماجدة منير وإسلام شوقي. ديكور محمد طلعت. إضاءة أحمد طارق. دراما حركية محمد بيلا. موسيقى مصطفى كرم، وديع أديب، وروميساء خالد. أزياء محمد شاكر. ماكياج أدهم عفيفي. مخرج منفذ محمود جدو. العرض تأليف وإخراج يوسف مراد منير.

مجرد لحظة

في شقة متواضعة غير مُرتبة تعيش فنانة تجاوزتها الأضواء والأدوار وتعاني من ديون كثيرة. تقوم بذكر بعض العبارات بالفصحى من أدوار لشخصيات شهيرة قامت بتأديتها في الماضي، وقد اتخذت قرارها بأن تنهي كل هذا العذاب بأن تنصب مشنقة وتختتم رحلتها في هدوء. إلا أن ملك الموت يظهر لها، ويُثنيها عن قرارها في آخر لحظة، فلم تزل هناك عدة دقائق حتى يقوم بمهمته، وهنا يبدأ العرض أو الحكاية التي تتورط فيها المُمثلة، وتعيد شريط حياتها في لقطات، كما بالضبط لحظات التذكّر التي تعيدها الذاكرة وتنتقيها حسب أهميتها وتأثيرها، هذه اللحظات التي لا تُنسى، حتى لحظة النهاية.. بداية من قبولها ممثلة في معهد الفنون المسرحية، وصدمة عملها بعد التخرّج عن طريق مقابلة مُنتج مسرحي متحرّش، وعلاقة حبها وزواجها ممن أحبّت. وهكذا يستمع إليها ملك الموت ويُشاركها هذه التفاصيل، بالتمثيل أمامها عدة أدوار، فهو يعرف جميع الراحلين في حياتها، فهو القابض رواحهم. هؤلاء الذين تعاملت معهم بالفعل، أو من خلال نصوصهم المسرحية، بداية من شكسبير وماكبث، مروراً بنجيب سرور، وصلاح جاهين، سواء من خلال القصائد أو جزء من استعراض الليلة الكبيرة. إضافة إلى إعادة تمثيل مشاهد شهيرة وأغنيات من مسرحيات مؤثرة في وعي الشعب المصري، كأغنية (رايح أجيب الديب من ديله) لفؤاد المهندس، وأغنية من مسرحية (ريا وسكينة)، وأخرى من مدرسة المشاغبين، وأخيرة من مسرحية (الملك هو الملك). تراثاً مُمتداً تستعيد من خلاله الفنانة حياتها الحقيقية ممثلة مسرحية، ولحظات أخيرة تجعلها تعيش ما أحبّته بالفعل، وما تحقق وجودها من خلاله.

الاحتفاء بالمسرح

حاول العرض خلق حالة تماهٍ تام بين الممثلة وحالة المسرح نفسه، هذا الذي لم يعد له وجود، فمن وجهة نظرها فالمسرح قد مات، وعليها أيضاً أن تستسلم لهذه النهاية. لكن ملك الموت الذي يعرف كل الأدوار ويُشارك فيها، يُعيد أسطورة المسرح إلى مكانها الحقيقي، فهو موجود وجود الإنسان ذاته، فرغم العالم الافتراضي ووسائل التواصل، وحتى الذكاء الاصطناعي، رغم ذلك لم يزل هناك مكاناً للمسرح وموضوعاته وممثليه ورواده، مهما اختفى الممثل وتغيّر الجمهور، لكن النصوص والحالة المسرحية باقية إلى الأبد. فالحالة المسرحية في جوهرها والفن بشكل عام هو تحايل على الموت.

النهاية

تعامل العرض مع الزمن النفسي للمثلة ــ مدة العرض الفعلي ــ بينما كزمن حقيقي فهو عدة دقائق كما اتفق معها ملك الموت، الذي حان وقت عمله، وعليها أن تقوم بفعلتها الآن. ولكن .. الحياة هي الحياة، وفي كل مرّة تستجدي الممثلة لحظة أخيرة تحاول خلالها تأدية عدة أسطر من هذه المسرحية أو تلك، أو أغنية استعراضية، وبالطبع بمشاركة عزرائيل المسرحي الذي يُجيد ويحفظ كل الأدوار، وعندما تُثني عليه يتعلل بأنه لا وقت لديه للعمل من خلال موهبته، فهو فقط.. قابض أرواح.
وفي لحظة الحلم بالعمل مرّة أخرى وفي دور يحقق لها البطولة المطلقة التي طالما حلمت بها، والتي تتناسب وقدراتها التمثيلية، تصبح هذه البطولة هي بالضبط لحظة موتها، واللحظة التي يتم فيها تنفيذ مهمة الهابط من السماء، وقد أتمها على وجهها الأكمل، ليظلم المسرح في النهاية.

الأداء

اللافت في العرض هو قدرة الممثلين على الأداء، فقد اقتصر العرض عليهما فقط، ذلك من خلال حوار متنوع ومتباين من التراجيديا والكوميديا، إضافة إلى الغناء وتأدية الاستعراضات البسيطة، التي تُعبّر عن الحالة التي تعيشها امرأة عجوز كحلم في آخر لحظات حياتها. وإن كانت المرأة أسلمت الروح في النهاية ــ سواء كما انتوت أو رغماً عنها ــ إلا أنها أصبحت كقربان يتم تقديمه لاستمرار فن المسرح نفسه، وكأنها تراجيديا يونانية يتم تقديمها في اللحظة الراهنة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *