لندن- “القدس العربي”: ناقشت مجلة إيكونوميست البريطانية في تحليلٍ نشرته، سياسات بكين الصناعية ورفضها الاتهامات الغربية بخلق فائض إنتاجي يغرق الأسواق العالمية. وترى المجلة أن الصين لا تنافس عبر الشركات وحدها، بل عبر دولة كاملة سخرت السياسات والتمويل والموارد لبناء قوة صناعية يصعب على الآخرين مجاراتها.
تعد عبارة “ما يسمى” من التعابير المفضلة في الخطاب الرسمي الصيني عند مواجهة انتقادات خارجية غير مرغوب فيها. فالمسؤولون الصينيون يرفضون الحديث عن “ما يسمى مشكلات حقوق الإنسان” في الصين، ويسخرون من “ما يسمى حرية التعبير” في الولايات المتحدة، ويتجاهلون آراء “ما يسمى الخبراء”.
وخلال الأسبوع الماضي، استخدموا الأسلوب نفسه في الرد على الاتهامات المتعلقة بـ”ما يسمى فائض الطاقة الإنتاجية” في الاقتصاد الصيني.
وفي ورقة مطولة جديدة، حاولت وزارة التجارة الصينية تفنيد اتهامات حكومات وخبراء اقتصاديين في دول عدة بأن الصين تنتج كميات تفوق حاجاتها الداخلية، ثم تصدر هذا الفائض إلى الأسواق العالمية بأسعار يصعب على المنافسين مجاراتها.
وتبدو الورقة مثيرة للاهتمام لأنها تجمع بين التحليل الجاد والمراوغة، فبعض أجزائها يقدم مراجعة مفيدة لمفهوم فائض الطاقة الإنتاجية، بينما تكشف أجزاء أخرى قدرا عميقا من الإنكار وعدم الاكتراث بالدول التي تواجه تدفقا هائلا من الصادرات الصينية. ومع ذلك، تستحق هذه الحجج الاهتمام، حتى عندما تكون مضللة، لأنها مرشحة لأن تتكرر في خطابات المسؤولين ووسائل الإعلام الحكومية والاجتماعات الدبلوماسية الصينية.
مفهوم غير واضح المعالم
تبدأ الورقة بمناقشة خريطة الإنتاج العالمي، وكيف تتغير باستمرار.
فقد هيمنت الولايات المتحدة على الصناعة العالمية بعد الحرب العالمية الثانية، قبل أن تنتقل الريادة تدريجيا إلى دول أخرى، والصين هي مصنع العالم حاليا، لكن من غير المرجح أن تبقى كذلك إلى الأبد. كما أن وزارة التجارة محقة في القول إن تعريف فائض الطاقة الإنتاجية ليس سهلا، فأكثر من خمس القدرة الإنتاجية في المصانع الأوروبية والأميركية غير مستخدمة، ومع ذلك لا يتحدث المحللون هناك عن وجود فائض صناعي.
كما أن النجاح في التصدير، لا يعني بحد ذاته، وجود طاقة إنتاجية زائدة، فلو كان حجم الصادرات معيارا كافيا، فلماذا لا توجه الاتهامات نفسها إلى شركة بوينغ، التي تبيع ثلثي طائراتها في الخارج؟
وتسلط الوزارة الضوء، لأسباب وجيهة، على الحيوية الصناعية الصينية. فقد ساعد الابتكار السريع، وتجمع المصانع والموردين في مراكز إنتاج متكاملة، والمنافسة المحلية الشديدة، الشركات الصينية على خفض التكاليف وتحسين الجودة، والشركات التي تنجح في بيئة السوق الصينية القاسية، تصبح أكثر قدرة على المنافسة عالميا.
كما أن لهذا النجاح فوائد حقيقية للعالم، فقد انخفضت كلفة إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بأكثر من النصف خلال الأعوام الأخيرة، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى التصنيع والتكنولوجيا الصينيين، لكن هذه ليست سوى نصف القصة.
دولة تصنع التفوق
صحيح أن الشركات الصينية تنتج بتكاليف منخفضة، لكن هذا ليس نتيجة عفوية لقوى السوق وحدها، فقد أسهمت الحكومة بصورة مباشرة وعميقة في صنع هذه النتيجة.
ولا يعلن المسؤولون الصينيون عادة وبصورة صريحة، أنهم يريدون تقليص الواردات الأجنبية، لكن هذا هو في جوهره، ما ينتج عن السعي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في العلوم والتكنولوجيا، وهو هدف ثابت للدولة ويحظى باهتمام خاص من الرئيس شي جينبينغ.
وعندما تبني دولة بحجم الصين قدرات إنتاجية تكفي لاستبدال الواردات الأجنبية، فإنها تبني في الوقت نفسه قدرة هائلة على الهيمنة على الأسواق العالمية.
ومن الأمثلة على ذلك قطاع بناء السفن. فعندما سعت الصين إلى إنتاج 80 في المئة من مكونات السفن المتقدمة محليا، أصبحت أكبر دولة لبناء السفن في العالم.
أما مناقشة وزارة التجارة للدعم الحكومي، فتتسم بدرجة عالية من المراوغة. فهي تحصر التحليل في الإعانات المباشرة، مع أن هذه ليست سوى أكثر أدوات الدعم الصيني وضوحا.
وتشمل أشكال الدعم الأخرى استثمارات حكومية في شركات الرقائق الإلكترونية، وأراضي رخيصة تقدمها الحكومات المحلية، وقواعد تلزم الشركات المملوكة للدولة بالشراء من الموردين المحليين.
وفي خلفية ذلك كله، توجد سياسات اقتصادية تؤدي إلى معدلات ادخار مرتفعة بصورة مزمنة، وفي مقدمها ضعف شبكة الأمان الاجتماعي، الذي يدفع الأسر إلى الادخار بدلا من الإنفاق. وقد تتباهى الحكومة الصينية بتنظيم معارض سنوية للاستيراد، لكن ما دامت المدخرات الصينية تفوق الاستثمار المحلي بفارق كبير، فإن صادرات البلاد ستظل، بحكم التعريف الاقتصادي، أكبر من وارداتها. والنتيجة هي بناء آلة صناعية تعتمد على الأسواق العالمية باعتبارها المنفذ الرئيسي لإنتاجها.
انتصار لا يراعي الآخرين
تمتلئ الورقة الصينية بنبرة انتصارية تفتقر إلى الحساسية تجاه ما يحدث خارج الصين. فالصدمة الصينية التي تساعد على تفسير خسارة ألمانيا نحو عشرة آلاف وظيفة صناعية كل شهر، لا تريد وزارة التجارة أن ينظر إليها العالم بوصفها مشكلة، بل باعتبارها “فرصة صينية”.
أما الدول التي تريد تقليل اعتمادها على الصين، فتتهمها بكين بأنها تضر الاقتصاد العالمي، متجاهلة أن الصين نفسها عملت منذ سنوات على تقليل اعتمادها على الآخرين.
وحين تفرض أوروبا أو الولايات المتحدة قيودا تجارية على السلع الصينية، تقول بكين إن هذه الإجراءات تقوض الثقة المتبادلة، لكنها تتجاهل استخدام الصين القيود التجارية نفسها ضد الدول التي تثير غضبها، بوصفها أداة أساسية من أدوات الضغط الجيوسياسي.
سياسة صناعية تشمل كل شيء
لا يتعلق الجدل الأكاديمي حول فائض الإنتاج الصيني بالأرقام وحدها، بل يعكس صراعا أوسع على شكل الصناعة العالمية في المستقبل.
في أحد جانبي هذا الصراع تقف الصين، التي أثبتت كفاءة استثنائية في مختلف مجالات الإنتاج. ومن هذه الناحية، فإن وزارة التجارة محقة حين تقول إن الصين قادرة على المنافسة.
لكن الشركات الأجنبية لا تنافس شركات صينية مرنة وطموحة فقط، بل تنافس نهجا صناعيا تتبناه الدولة بأكملها.
فمهما بلغ حجم الشركات الأجنبية، فإن فرصها تظل محدودة أمام دولة تنموية، بلغت حجم الصين وثروتها ومستواها التكنولوجي.
وتشير مجموعة روديوم البحثية الأميركية إلى أن تدخل الدولة الصينية كان يقتصر في السابق على عدد قليل من القطاعات التي تعدها بكين استراتيجية، أما اليوم، فإن الصين تتبنى ما يمكن وصفه بـ”سياسة صناعية لكل شيء”، وفي الجانب الآخر يقف بقية العالم.
ويبقى السؤال مفتوحا بشأن ما إذا كانت الدول الأخرى مستعدة أو قادرة على الدفاع عما تبقى من قواعدها الصناعية، فالولايات المتحدة تبحث منذ ما لا يقل عن عقد عن استجابة مناسبة، وقد فرضت رسوما جمركية على المنتجات الصينية، وعملت على إعادة الصناعات إلى أراضيها.
ورغم ازدراء الرئيس دونالد ترامب لحلفاء الولايات المتحدة وإعجابه بالصين والرئيس شي، تريد إدارته التعاون مع دول أخرى في مجالات مثل تأمين سلاسل توريد المواد الحيوية، أما أوروبا، فتتحرك ببطء نحو خطط أولية لتعزيز التصنيع داخل القارة.
لكن الولايات المتحدة وأوروبا اصطدمتا بالفعل بالهيمنة الصينية، ولا سيما بسيطرة بكين على المعادن النادرة ومراحل معالجتها، وهذه هي الحقيقة التي لا تذكرها الورقة الصينية في ردها على اتهامات فائض الإنتاج: مهما حاولت الدول الأخرى مقاومة هذا الواقع، فإنها تجد صعوبة كبيرة في الرد.
فالقدرة الصناعية تمنح صاحبها النفوذ، وفي عالم الصين الصناعي الجديد، تصبح القوة هي مصدر الحق.