تكشف الصور المتدفقة من بوابات سبتة ومليلية الخاضعتين للإدارة الاسبانية كيف تحوّلت قضية الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط من ملف حقوقي أو أمني إلى واحدة من أعقد وسائل الصراع والضغط الجيوسياسي بين ضفتي المتوسط.
لم تظهر صور آلاف العابرين، وأعداد الغرقى منهم، مشاهد أشخاص يحاولون اجتياز الحدود بين عالمين، بل كانت أشبه بتصويت جماعي بالأقدام على أزمة إنسانية كبرى، ورسالة قاسية إلى حكومات تتباهى بمعدلات النمو فيما يعتقد آلاف الشباب أن المستقبل المجهول وراء الأسلاك أفضل من حاضر يعرفونه داخل بلادهم.
يظهر تدفّق أكثر من 60 ألف إنسان عبر الحدود البرية والبحرية في غضون ساعات، ووقوع عشرات الوفيات، هذه الأزمة بكل جوانبها، ولكنها تكشف في العمق عن قاع سياسي بائس يدار بالرسائل الخشنة والابتزاز.
ليست هذه الأزمة نتاج عامل واحد، فإضافة إلى البطالة والفقر والتفاوتات الاجتماعية الكبيرة وفقدان قطاعات من الشباب الثقة في إمكان تحسين حياتهم في المغرب، فقد لعبت المنصات الرقمية دورا في تحويل قرار قضائي اسباني معقّد إلى شائعة بسيطة مفادها أن «من يصل سباحة لن يُعاد» فتحوّل القرار الفرديّ المحفوف بالمخاطر لبعض الراغبين بـ»الحراقة» (الهجرة السرية غير الشرعية) عبر قوارب الموت إلى موجة طامّة أثارت أزمة بين البلدين، وكثّفت ضغوط اليمين العنصري الأوروبي والأمريكي على الحكومة اليسارية الاسبانية.
إسرائيل، الغاضبة من مواقف مدريد تجاه جرائم تل أبيب ضد الفلسطينيين، والمراهنة على استمرار التطبيع المغربي، دخلت أيضا على خط الأزمة الحاصلة، فهاجم سفيرها لدى الأمم المتحدة داني دانون حكومة مدريد، وانتقد احتفاظها بـ»جيوب استعمارية» في افريقيا، وإذا كان هذا شعور المغاربة فعلا، فإن مجيئه من ممثل حكومة الإبادة والتطهير العرقيّ يصلح مثالا مثيرا للسخرية على اجتماع الغطرسة بالصفاقة.
لا يمكن اختزال الاندفاع الكبير الذي جرى بالفقر وحده، ولا اختزاله في نشاط شبكات التهريب، فبين الواصلين شباب وقاصرون ونساء وأسر لا يجمعهم مستوى اجتماعي واحد بل شعور عام بانسداد الطرق إلى العمل والاستقلال والكرامة، وفقدان الثقة بالفرص العادلة والتنمية والخدمات الجيدة.
تبيّن التفاصيل المتواترة في كافة أنحاء العالم عن التعقيد الكبير في قضايا الهجرة بشكل لا يمكن اختزاله فقط بالعلاقة بين الشمال الأوروبي الغني والجنوب الافريقي الفقير، وهي ليست قرارا محليا خالصا بل جزءا من نظام عالمي تتداخل فيه الفجوات في الرواتب والأجور، والشيخوخة الأوروبية، والبطالة في الجنوب، والتغيّر المناخي، وشبكات الأقارب في الخارج، والصور البراقة التي تنتجها وسائل التواصل الاجتماعي عن الحياة في الغرب.
أظهرت قضية سبتة أن مقطعا مصورا أو تفسيرا مضللا لحكم قضائي يستطيعان حشد آلاف الأشخاص خلال ساعات وإقناعهم بأن «نافذة قانونية» قد فُتحت أمامهم.
بيّنت الواقعة أيضا سوء إدارة الحكومة المغربية للملف الحارق، والذي لا تستطيع الإدارة الأمنية التي جرت بعد الأحداث تعويضه، ولا تبرر أحاديث المؤامرة تأخر الرباط في مواجهة الشائعات أو الاستماع إلى أسباب الغضب الشعبي، فمنع الراغبين في الهجرة من الوصول إلى الحدود يعالج الأعراض ولا يعالج الدوافع، كما أن ضعف التغطية العامة والشفافية الرسمية يترك المجال لشبكات التهريب والخطابات المتطرفة كي تصوغ روايتها الخاصة.
على الضفة الأخرى، عرضت قوى اليمين الأوروبي ما جرى باعتباره «غزوا إسلاميا من الجنوب»، متجاهلة أن علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع المغرب وافريقيا تساهم في تشكيل هذه الحركة البشرية الدائبة للهجرة.
ليس كافيا أن تتعاون الرباط ومدريد في إعادة المهاجرين ومراقبة الحدود بل المطلوب عقد أوروبي مغاربي جديد يربط الهجرة القانونية بالتنمية والتدريب وحماية حقوق الإنسان.
الدرس الأعمق الذي تلقيه أحداث سبتة ومليلية علينا هو أن البحر لم يعد فاصلا بين عالمين، بل مرآة لعلاقتهما غير المتكافئة، وإذا كانت حماية الحدود حقا للدول، فإن حماية الحياة أولوية أكبر، وإذا كانت الحدود توقف الأجساد مؤقتا، فإنها لا تستطيع حبس المشاعر التي دفعت عشرات الآلاف لاعتبار أمواج البحر العاصف أقل خطرا من البقاء. المشكلة، بالتالي، ليست في السياج الشائك بل في السياسات الشائكة التي أوصلت البشر إلى اليأس.