يخيّل إليك في الوهلة الأولى أن هذا الكتاب لمن يملك فائضا من الوقت، أن تهدأ وتنزوي في ركن ما، لتستسلم كليا لرفاهية طرحه.
وهل نسيتْ فرانسواز إريتيه أن تضع «الكتابة الأدبية» في أول لائحتها؟ أم أنها حسبت الإبداع من ضمن المتع الفكرية التي أقصَتْها، كما أوضحتْ. وهي ليست لائحة واحدة، بل لوائح، جمعت فيها إريتيه العشرات من التفاصيل الحياتية اليومية والعامة، لكلِّ ما من شأنه، كما تراه، أن يمنحَ حياتنا معنى وقيمة وذوقا.
الحديث يخصّ الكتاب الذي حمل العنوان: «ملح الحياة – رسائل إلى صديق». اختار الشاعر والمترجم الجزائري الخضر شودار تقديمه إلى القارئ العربي بترجمته من الفرنسية إلى العربية. من دون شك هي إضافة خاصة، كونها طرقةَ تنبيهٍ قوية، ومهمة معرفية،لا تخلو من الرقي والحساسية اللازمة لالتقاط المتميز.
ولا أظننا سنتوقف طويلا عند العنوان السلس، لأنه ببساطة مجاز ينتمي لغويا وثقافيا إلى العربية، تماما كما الأصل بالفرنسية، بينما اختيرت ترجمته إلى الإنكليزية: The sweetnes of life بمعنى عذوبة الحياة، أو حلاوة الحياة؛ تأويلٌ يفترض به أن يقابل دلالة الملح لدينا. السؤال هل يمكن أن نتجرع الحياة إن افتقدت الملح، وهل يمكن احتمالها إن نقصت حلاوتها؟!
بدءا من الرسائل الأولى ستضعنا فرانسواز إريتيه، الأنثروبولوجية الفرنسية المرموقة في صلب ما اختارت طرحه علينا، عبر رسائل مرسلة إلى صديقها الذي كانت مهنته طبيبا (متفانيا بعمله)، حين كتب لها، أنه قد سرق من حياته أسبوعا لقضاء عطلة خارج البلد، بينما رأت فرانسواز إنها الحياة ذاتها هي التي سرقته وتسرقه من نفسه. تفاصيل صغيرة يغيّبها العمل (ومنطلقها كان سياق حياة صديقها الطبيب)، وقد يسرقها المرض (عانت إرييته منه لسنوات طويلة)، وربما بسبب عدم وعينا في خضم حياتنا لما تخلقه من بهجة.
وبينما نقرأ، لا يمكن ألّا تعترضنا فكرة الحياة الآمنة المستقرة والمرفهة، مقابل الحياة التي يعيشها على سبيل المثال إنسان العالم العربي في العديد من بلدانه، بسبب الحروب، بافتقاد الإنسان إلى أبسط أساسيات الحياة كشرط الأمان والضمان، وأي بطر حين تدعوه إريتيه لكي يلتفت إلى ما حوله!
هل هو محض نغز بالكلمة والقلم للتذكير أنك تحيا وأنك موجود؟
بنظرة سريعة إلى سيرتها المهنية نجد في هذا الكتاب انتقالة من البحوث والمؤلفات في القضايا المجتمعية الكبرى، ومن دراسات أجرتها وتخص بيئات مختلفة، من خلال إقامتها في دول افريقية لسنوات، ومن مهام المناصب الاستشارية التي تبوأتها كأكاديمية استثنائية، إلى كتابة هذه الرسائل من دون فاصل زمني كبير بينها، وعلى مدى شهرين. رسائل محشوةٌ حشوا بعشرات التفاصيل التي عاشتها عبر حواسها، فالعالم، كما تذكر، يعيش في حواسنا قبل أن يعيش بانتظامٍ في فكرنا؛ خزينٌ هائل من الذكريات التي تأتيها كطعم، كرائحة، أو وخزة أو ضيق واضطراب نفسي. ليأتي السؤال التالي: هل فعلا الكتاب بقلم كاتبة تعيش رفاهية واضحة، كما تبادر لأول وهلة، وهي توجهه حصرا لفئة اجتماعية بعينها؟ في حين نرى تباعا بين صفحاته، وفي أكثر من موضع إشارات تنم عن نظرة نقدية لدى الكاتبة تجاه بعض الفئات الطبقية ذاتها، كأن تكتب مثلًا: «أن يصيبك الذهول أمام بحبوحة الكبار السخيفة».
بالنسبة لإريتيه فالأمر برمّته يتعلق بأسلوبِ حياةٍ نجعل به من كلّ مرحلةٍ من مراحل حياتنا كنزا. تلتفت، بحميميةٍ وبساطة، إلى ما يختبره الفرد عبر حواسّه جميعها – من شمٍّ وتذوقٍ ولمسٍ إلى سمعٍ وبصر – وإلى قيمة ما تحمله تجاربه الإنسانية اليومية من غنى، من دون مبالغة أو تكلّف.
«أن تظل ساكنا كأنّ على رأسك الطير، أن تقبض مثل أوباما، على ذبابة بخطفة يد واحدة».
«أن تنام تحت أغطية نظيفة استبدلت للتو».
«أن تشرّع الأبواب والنوافذ لتهبّ تيارات الهواء».
«أن تلعق قعر الصحون».
ملأت السطور بقصديةٍ وإلحاحٍ عجيبين، بصبرٍ وجدّ، بفرح وحنق وحزن، بارتخاء وعناية بطريقة لافتة. وللحق طوال القراءة لم يغادر تفكيري جهد وصبر المترجم شودار أيضا، لِكمّ المعلومات، وكثرة الأسماء، للممثلين، للأغاني والمقطوعات الموسيقية والأفلام والمسرحيات، للوحات الفنية، للمطاعم والأكلات وللأمكنة والرحلات والحيوانات والنباتات، للزهور والثمار وغيرها، التي حرصَ على نقل جُلّها بأصلها، مع هوامش للتوضيح. وكان هناك ذلك الفضول في سؤاله عن سبب اختياره ترجمة الكتاب، الذي أحاله في جوابه، إلى ما سماه «الحاضر الغائب في الحياة، الأشياء التي نفعلها ونعيشها، والتي تبني سمك الحياة ذاته، من دون أن نشعر بها»، وهذا كما أجاب شودار، هو تحديدا ما مرّت به إريتيه؛ «فقد عادت، من مسيرة علمية هائلة بنظرة جديدة إلى حياتها، وحرصت على تذكير صديقها الطبيب بها».
يشبه الكتاب دليل استخدام للحياة، ترمي إريتيه عبره بالتعليمات بغتة، هنا وهناك، تفرقها على مدى صفحات الرسائل، من مختبرها الحياتي، من سرير مرضها، والرحلة تتجه صوب العجز، باقترابها من الثمانين، باغتناء التجربة حد الامتنان، رغم الألم:
«أن تنظر إلى يدي طبيبك الماهرتين وهو يضع طرف أصابعه على مكان الألم».
«أن تكون قادرا على القيام بنفسك من سريرك في المستشفى».
«أن تواسي روحا تتألم».
«أن تحسّ أحيانا حين يسكن الألم بشعور من السعادة المطلقة يضرب القلب ويكاد أن يؤلم».
«أن تقاوم بلا جدوى ضد عجلات العربات وحامل الحقن».
تقلِبُ إريتيه صفحة الحواس لتكرّس في النهاية ما استخلصته من تجربتها حول ضرورة الانخراط والتفاعل والمغامرة في الحياة، فالذات لن تكون فاعلة إن اكتفت بالتفكير والتكلّم والتدبير. عليها أن تتطلّع وتنفتح على العالم، أن تتعاطف وتحنو وتتضامن، لينمو ويتعزّز الحافز الحيّ الخفي الذي يقف خلف مواصلتنا الحياة، واحتمالنا للألم والإنكسار. بهذا يحمل «ملح الحياة» دعوته الخاصة والخالصة للتمسّك بالحياة ومقاومة الضغوط التي يواجهها الإنسان في حياته.
وعودة إلى البدء، فهذا النص السردي الذي حرّض اللغة، وجهاز الاستشعار، يبدو صنفا جديدا من الكتابة، ابتدعته الكاتبة، يشبه قصيدةً مطولة، أو سيرةَ حياةٍ مختَصَرة، قلقة مؤلمة ضاغطة، لكنها تنطوي على روح خفيفة تنتصر للجمال وحسن التذوق.
«ملح الحياة ـ رسائل إلى صديق» فرانسواز إريتيه. دار دلمون. ترجمة الخضر شودار 2026
كاتبة عراقية