كيف قرأ المغاربة موجة «الهروب الجماعي» نحو مدينة سبتة؟


الرباط – «القدس العربي»: بعد يوم كامل من تداول مقاطع فيديو وصور توثق للحظات تسلل عدد من المهاجرين غير النظاميين إلى سبتة (شمال المغرب)، انتهت الساعات الأخيرة من يوم الخميس بظهور مقاطع أخرى تظهر إعادة عدد من الشباب والمراهقين الذين عبروا إلى المدينة المحتلة بحرًا أو برًا، سواء عبر السباحة أو اجتياز الحواجز الحدودية.
وأفادت مصادر بأن السلطات الإسبانية، بتنسيق مع المغرب، باشرت إجراءات إعادة المهاجرين غير النظاميين الذين تمكّنوا من الوصول إلى مدينة سبتة خلال الأيام الأخيرة، وذلك عقب اتفاق بين الرباط ومدريد يقضي بتفعيل آليات الإرجاع وتعزيز التعاون الأمني للحد من موجة العبور غير النظامي المتزايدة. وفي مقابل الانتشار الواسع لحرس الحدود الإسباني، كثفت السلطات المغربية إجراءات المراقبة على الطرق المؤدية إلى المنطقة الحدودية، وعملت على الحد من تدفق المزيد من المهاجرين نحو سبتة المحتلة في إطار التنسيق الأمني القائم بين البلدين.
ولإزاحة أي ضبابية حول طبيعة العلاقات بين الرباط ومدريد، أكدت وزارة الداخلية الإسبانية في بيان لها متانة التعاون مع المغرب، خاصة في مجال الهجرة، مشيرة إلى أن شبكات الاتجار بالبشر تستغل حكمًا قضائيًا لتحفيز محاولات الهجرة غير النظامية، خصوصًا في صفوف الشباب. كما ثمّن وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي ـ مارلاسكا جهود السلطات المغربية التي ساهمت في إحباط آلاف محاولات العبور غير القانوني خلال الأيام الماضية. واتفق الجانبان على تعزيز التنسيق الأمني وتكثيف الجهود لمواجهة هذه التدفقات، مع الالتزام بتسريع إجراءات إعادة الأشخاص الذين دخلوا مدينة سبتة بطريقة غير قانونية.

شبكات الاتجار بالبشر

وأشار عدد من المراقبين إلى أن القرار القضائي الإسباني الذي يهدف إلى حماية حقوق الإنسان تحوّل إلى ثغرة استغلتها شبكات الاتجار بالبشر، إذ يقضي حكم المحكمة العليا الإسبانية بمنع «الإرجاع السريع» للمهاجرين الذين يصلون إلى مدينتي سبتة ومليلية سباحة، معتبرة أن البحر لا يمثل حاجزا حدوديا ماديا كالسياج.
وإذا كان الإسبان قد عبّروا عن تخوفهم من أفواج المهاجرين غير النظاميين، فإن المغاربة من إعلاميين وسياسيين وباحثين، ركزوا في قراءتهم للأحداث على أبعادها الاجتماعية والاقتصادية، معتبرين أن ما وقع لا يمكن اختزاله في الجانب الأمني وحده، بل يعكس اختلالات أعمق مرتبطة بالأمل في المستقبل وفرص الاندماج الاجتماعي والاقتصادي. كما لم تغب فرضية «المؤامرة».

لم تغب فرضية المؤامرة… أحداث الشمال كشفت حدود «خطاب المنجزات» في مواجهة التحديات الاجتماعية المتراكمة

وفي هذا السياق، قدم الباحث في سوسيولوجيا الهجرات الدولية، المصطفى المريزق، قراءة سوسيولوجية مركّبة للظاهرة، معتبرًا أن الهجرة لم تعد مجرد نتيجة مباشرة للفقر والبطالة، بل أصبحت جزءًا من نظام عالمي متداخل تؤثر فيه السياسات الدولية والتكنولوجيا والشبكات الرقمية والتغيرات البيئية والديموغرافية. وأوضح أن السؤال لم يعد يقتصر على «لماذا يهاجر الناس؟» بل أصبح يتعلق أيضا بـ «من يستطيع الهجرة؟ ولماذا؟»، في ظل تحول القدرة على الهجرة إلى مشروع يحتاج إلى موارد معرفية ومادية وشبكات اجتماعية ومهارات رقمية.
ويرى المريزق أن مشاركة فئات متنوعة، من قاصرين وطلبة وعاطلين ونساء وأسر بأكملها، تؤكد استحالة تفسير ما حدث بعامل واحد، كما تعكس تداخل عوامل اجتماعية ونفسية وثقافية ورقمية، من بينها صورة أوروبا في المخيال الجماعي، والتعبئة عبر المنصات الرقمية، وأثر الأخبار الزائفة، والتفاوتات المجالية داخل المغرب. ويخلص إلى أن التحدي الحقيقي لا يقتصر على ضبط الحدود، بل يرتبط ببناء أفق اجتماعي واقتصادي يعيد الثقة للشباب والأسر في مستقبلهم داخل الوطن.

انتقاد أداء الحكومة

وبالموازاة مع هذه القراءات، انصبت تدوينات إعلاميين ومثقفين على انتقاد أداء الحكومة وتدبيرها للملفات الاجتماعية. كما سجل بعضهم ملاحظات تتعلق بغياب التغطية المكثفة من طرف التلفزيون العمومي للأحداث التي عرفتها المناطق الشمالية وما رافقها من محاولات عبور وحوادث غرق، معتبرين أن الإعلام العمومي مطالب بمواكبة أكثر فعالية للقضايا الوطنية الكبرى، كما ورد في تدوينة للإعلامي المصطفى العسري.
سياسيًا، اعتبرت الباحثة الأكاديمية لطيفة البوحسيني أن أحداث الشمال كشفت حدود «خطاب المنجزات» في مواجهة التحديات الاجتماعية المتراكمة، ورأت أن فقدان فئات واسعة من الشباب للثقة في المستقبل هو ما يدفعها إلى المخاطرة بحياتها بحثًا عن آفاق أخرى. كما وجهت انتقادات حادة للسياسات العمومية ولما وصفته باستمرار مظاهر الريع والفساد وتراجع العدالة الاجتماعية، محملة المسؤولية للنخب السياسية والاقتصادية.
وفي الاتجاه نفسه، اعتبر الصحافي يونس مسكين أن تفسير ما جرى بنظرية المؤامرة أو التحريض الخارجي لا يكفي لفهم الظاهرة، مؤكدًا أن أي تحريض لا يمكن أن ينجح ما لم يجد أرضية اجتماعية قابلة للتأثر به. ودعا إلى التفكير في الأسباب العميقة التي تدفع آلاف الأشخاص إلى اعتبار الهجرة خيارًا أكثر أملاً من البقاء داخل الوطن.
أما الإعلامي محمد حفيظ فاعتبر أن اتفاق تسريع إعادة المهاجرين قد يشكل حلاً أمنيًا وإداريًا بالنسبة لإسبانيا، لكنه لا يجيب عن السؤال الجوهري المتعلق بالأسباب التي دفعت هؤلاء إلى المغادرة. ورأى أن ما حدث تجاوز مفهوم الهجرة السرية التقليدية ليأخذ شكل «هروب جماعي» شاركت فيه فئات عمرية واجتماعية مختلفة، مؤكدًا أن الاستقرار الحقيقي لا يقتصر على الأمن، بل يتطلب توفير أفق اقتصادي واجتماعي يحفظ الكرامة ويمنح المواطنين أسبابًا للتمسك بالبقاء داخل وطنهم.
ومن جهته، وصف الفنان رشيد الوالي الأحداث بأنها جرس إنذار حقيقي، معتبرًا أن الأرقام والمؤشرات التنموية تفقد جزءًا من قيمتها عندما لا ينعكس أثرها مباشرة على حياة المواطنين من خلال فرص العمل والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية. ودعا إلى التركيز على حماية الأمل لدى الشباب ومواجهة الاختلالات التي تدفع بعضهم إلى البحث عن مستقبلهم خارج البلاد.
وفي قراءة أخرى، رأى الباحث عبد الهادي مزراري أن موجة الهجرة ترتبط بعوامل متعددة، من بينها البطالة وارتفاع الأسعار والشعور بالتهميش والإقصاء، معتبرًا أن الظاهرة قد تتحول إلى معطى مزمن إذا لم تتم معالجة جذورها عبر سياسات شاملة تستهدف تقليص الفوارق الاجتماعية، ومحاربة اقتصاد الريع والفساد، وتحسين جودة التعليم والخدمات العمومية، وتعزيز الثقة في المؤسسات.

التنمية والعدالة الاجتماعية

وبين المقاربة الأمنية التي تركز على ضبط الحدود وتسريع عمليات الإعادة، والمقاربات الاجتماعية التي تبحث في الأسباب العميقة للظاهرة، يبقى المشترك بين معظم القراءات أن أحداث سبتة الأخيرة لم تكن مجرد محاولة جماعية للهجرة غير النظامية، بل تحولت إلى مناسبة لإعادة طرح أسئلة قديمة ومتجددة حول التنمية والعدالة الاجتماعية وآفاق الشباب ومستقبل العلاقة بين المواطن ووطنه.
وكانت منطقة الشمال المغربي طيلة الأسبوع مسرحًا لتدفقات متواصلة نحو سبتة، حيث عبر أكثر من 1500 شخص إلى المدينة سباحة عبر البحر، فيما تحدثت وسائل إعلام إسبانية عن عبور آلاف آخرين عبر الشريط الحدودي في واحدة من أكبر موجات الهجرة التي تشهدها المنطقة منذ سنة 2021.
وشهد يوم الخميس ذروة الأحداث، حيث وصفه البعض بـ «خميس القيامة» في إشارة إلى الأعداد الكبيرة للراغبين في العبور إلى «الفردوس الأوروبي» كما يتخيله الكثيرون. وتصاعدت الأحداث بعدما تجمعت أعداد كبيرة من الشباب مدفوعة بشائعات حول سهولة العبور إلى سبتة، ما أدى إلى محاولات جماعية للوصول إلى المدينة سواء سباحة أو عبر اجتياز الحدود البرية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *