باريس- “القدس العربي”: قالت مجلة “جون أفريك” الفرنسية إن المغرب تموضع خلال القمة الاستثنائية للاتحاد الإفريقي التي انعقدت في أكرا يومي 21 و22 يوليو، تحت شعار “تعزيز العدالة والإنصاف والتغطية الصحية الشاملة”؛ كقوة دافعة لسياسة صحية قارية وكمركز ثقل للجغرافيا السياسية الطبية في إفريقيا في أفق عام 2030.
وأضافت المجلة أن المغرب، مدفوعاً برؤية الملك محمد السادس، لا يكتفي بلعب دور الريادة في هذا المجال، بل يقدم أيضاً عقيدة متكاملة. إنها دبلوماسية صحية ترفض أن يغرق القارة في حتمية التبعية، وتبث طموحاً جماعياً: شفاء إفريقيا بإفريقيا.
تفرض أهداف أجندة عام 2030 للاتحاد الإفريقي تحديثاً شاملاً لهياكل الرعاية الصحية. فالوصول إلى العلاجات المتقدمة، وحماية الأم والطفل، ومكافحة الأوبئة الكبرى، لم يعد من الممكن أن يظل رهين تقلبات المساعدات الدولية أو الظروف الخارجية. وقد أثبتت الأزمات الصحية العالمية المتتالية أن أمن قارة بأكملها لا يمكن تفويضه للغير.
ولمواجهة هذا التحدي، تبحث إفريقيا عن نموذج للمرونة. وهنا يبرز صوت المغرب بقوة، مستنداً إلى تجربة ميدانية ناجحة ورؤية للتنمية المشتركة تضع كرامة الإنسان في صلب العمل الدبلوماسي.
وتتميز قيادة الملك محمد السادس في إفريقيا بثباتها. فقد أصبح التزامه في مجال الصحة أحد أعمدة القوة الناعمة المغربية. وهذه الدبلوماسية التضامنية، الخالية من أي نزعة انتهازية، تندرج ضمن استمرارية الانخراط الإفريقي للملك.
وتشهد على ذلك أحداث قريبة: خلال أزمة كوفيد-19، وبينما كان العالم يعيش على وقع “القومية اللقاحية”، أطلق العاهل المغربي محمد السادس دينامية تضامن إفريقي غير مسبوقة. فقد تم إرسال مساعدات طبية ضخمة إلى نحو عشرين دولة شقيقة (كمامات، مواد تعقيم، ملابس طبية وأدوية أساسية منتجة محلياً في المغرب)، مما وضع أسس منظومة لوجستية طارئة بين دول إفريقيا.
وأصبح المغرب ثاني أكبر مصدر إفريقي للأدوية، حيث يوجه نحو 8% من إنتاجه نحو الأسواق الإفريقية جنوب الصحراء. ومن خلال جعل التعاون جنوب- جنوب بمثابة درع علاجي، أكد الملك أن المغرب لا يتصور أمناً صحياً منفصلاً عن أمن القارة بأكملها.
ومن أبرز مظاهر هذا التوجه العملي إنشاء المدينة الصناعية “ماربيو” (التكنولوجيا الحيوية المغربية) في بنسليمان، التي تجعل من المغرب مركزاً قارياً لإنتاج اللقاحات والتكنولوجيا الحيوية. وهي استقلالية صناعية يسعى المغرب إلى تقاسمها مع باقي دول القارة.
ومن خلال الاستثمار في التكنولوجيا الطبية المتقدمة، يرسم المغرب الطريق، مؤكداً أن السيادة الطبية الإفريقية تمر عبر إنشاء أقطاب إقليمية متكاملة تُنتج الأدوية ومستلزمات العلاج محلياً. ومن خلال كسر احتكار المختبرات العالمية الكبرى، يهدف المغرب إلى تمكين إفريقيا من مقومات سيادتها الفعلية.
وإذا كان دوره القيادي قد برز بوضوح خلال قمة أكرا، فلأن المملكة تنفذ على أراضيها سياسة تحول صحي أصبحت بالفعل مصدر إلهام لعدد من الدول الإفريقية.
ويرتكز نجاح “الطريقة المغربية” على ثلاث ركائز: توسيع غير مسبوق للتغطية الصحية الإجبارية التي تشمل اليوم 71% من السكان؛ استثمار يفوق 6.43 مليارات درهم لتأهيل 1400 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية؛ وتحول رقمي يشمل تعميم الملف الطبي المشترك والبطاقة الصحية الإلكترونية.
ومن خلال الجمع بين العدالة الاجتماعية والتقدم التكنولوجي والفعالية الاقتصادية، يثبت المغرب لشركائه في الاتحاد الإفريقي أن تحقيق النهضة الصحية هدف ممكن، تضيف “جون أفريك”، موضّحة أن السيادة لا تُبنى بالمصانع فقط، بل تحتاج أيضاً إلى الكفاءات. وفي هذا السياق، أصبح المغرب أول مركز تكوين متميز للنخب الطبية والإدارية في إفريقيا جنوب الصحراء. فكليات الطب والصيدلة والمستشفيات الجامعية تستقبل سنوياً مئات الطلبة والأطباء المقيمين الأفارقة، بفضل منح الوكالة المغربية للتعاون الدولي.
كما يعمل مختبر المراقبة في “ماربيو” كمركز متعاون مع المركز الإفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها، لتكوين الأطر الإفريقية في مجالات التحليل ومراقبة جودة المنتجات البيولوجية، مما يدعم عملياً إنشاء الوكالة الإفريقية للأدوية التي يدعمها المغرب بقوة.
ومضت “جون أفريك” موضحة أن التضامن الإفريقي يتغير شكله، قائلة إن الاندماج الإفريقي لا يمكن أن يقتصر على الاتفاقيات التجارية أو مشاريع البنية التحتية، بل يجب أن يكون إنسانياً في جوهره. وكما تثبت الدبلوماسية الصحية الملكية، فإن الصحة هي أساس كل تنمية اقتصادية. فمن دون شعوب تتمتع بصحة جيدة، ستظل أجندة عام 2030 مجرد طموح نظري.
ورأت المجلة أن على الاتحاد الإفريقي أن يستوعب هذا التحول، مشيرة إلى أن التضامن الإفريقي لم يعد يقتصر على إدارة الأزمات، بل أصبح يقوم على بناء مشترك للمستقبل. والطموح الجماعي بات واضحاً: توحيد الأنظمة الصحية، وتنسيق القوانين الدوائية، وبناء اتحاد صحي قاري.
وتابعت المجلة أن مستقبل الصحة في إفريقيا يُصنع اليوم، معتبرة أن الدبلوماسية الصحية التي ألهمها محمد السادس تبرز كعامل محفز للسيادة الطبية الجديدة في القارة، بفضل ثباتها وسخائها والتزامها بالصرامة العلمية.
ورأت “جون أفريك” أنه بحلول عام 2030، لن تبقى إفريقيا الحلقة الأضعف في الطب العالمي، بل ستصبح قادرة على التحكم في مصيرها الصحي وبناء أسس سيادتها الطبية الخاصة.