الشاعر الصيني شاو شوي… يستعيد حلم البشرية الأول


يعد الشاعر والروائي والسيناريست الصيني شاو شوي من أبرز الأصوات الأدبية المعاصرة في الصين، وصاحب مشروع فكري يسعى إلى وصل الحضارات واستعادة الذاكرة الإنسانية المشتركة. يقود ما يعرف بـ«حركة الشعر العظيم»، التي تدعو إلى تجاوز الحدود بين الأجناس الأدبية والثقافات، وتتمثل رؤيته في أعمال مثل «ملحمة أوراسيا» و«التاريخ السري لكونلون»، اللذين يمزجان الأسطورة بالتاريخ والفلسفة. في هذا الحوار يتحدث شاو شوي عن مشروعه الإبداعي، ورمزية برج بابل، ومستقبل الشعر في زمن الصورة، وحلمه بأن يصبح الأدب جسراً يقرّب بين الشعوب.

*تعود في معظم أعمالك إلى حضارات العالم القديم. ماذا فقد الإنسان الحديث حتى تبحث عنه في الماضي؟
ـ مشروعي الإبداعي محاولة لاستعادة الرؤية الكلية للعالم التي فقدناها وسط زحام الحداثة. منذ سنوات وأنا أتتبع الذاكرة البشرية عبر الحضارات الكبرى، من ميزوبوتاميا إلى اليونان، بحثا عن ذلك الخيط الذي كان يوحد الإنسان قبل أن تتشظى رؤيته للعالم. في أعمالي، ومنها «ملحمة أوراسيا» و»التاريخ السري لكونلون» و»برج بابل»، أحاول الجمع بين الشرق والغرب، وبين القديم والحديث.
ما فقدناه، في رأيي، ليس مجرد إرث ثقافي، بل وعينا بالذاكرة الإنسانية المشتركة، وإيماننا بالمثل العليا التي تجمع البشر. لذلك أكتب شعرا ورواية ومسرحا، لأذكر الإنسان بأصله المشترك، وبقدرته على استعادة حلمه الأول.

من جبال كونلون إلى أمريكا
في ثلاثية «التاريخ السري لكونلون» يتحول لونغ هاو إلى بطل يعبر الحضارات والأزمنة. ماذا أردت أن تقول من خلال هذه الرحلة؟
ـ في هذه الثلاثية تصبح جبال كونلون، وهي جبال مقدسة في آسيا الوسطى، معادلا لجبال الأوليمب في الحضارة اليونانية. ومن خلال شخصية لونغ هاو، السيد السري للديانة المانوية، سعيت إلى البحث عن الجذور المشتركة بين الحضارتين الشرقية والغربية.
في الجزء الأول يكتشف بطل الرواية محورا يتحكم في الزمن بعد سلسلة من الأحداث المرتبطة برموز التنجيم الصينية القديمة. وفي الجزء الثاني يواصل رحلته عبر الحضارات السبع الكبرى، من بابل وبلاد فارس إلى مصر واليونان، بحثا عن رموز السلطة في الشرق والغرب. أما الجزء الثالث، فينطلق من العالم العربي ليقود رحلته إلى اكتشاف برج بابل في القارة الأمريكية. الرحلة كلها محاولة لإعادة وصل التاريخ الإنساني في سردية واحدة.

هل ترى هذه الثلاثية صالحة للسينما؟
ـ بالتأكيد. نحن نعيش عصر الصورة، وأعتقد أن تحويل هذه الأعمال إلى أفلام سيمنحها انتشارا وتأثيرا أكبر، ويقرب أفكارها من جمهور أوسع.

لماذا يتكرر برج بابل وأوراسيا في مشروعك الأدبي؟

عندما كنت صغيرا جدا، أحضر لي أخي الأصغر تساو تشونبو نسخة من الكتاب المقدس مزينة بالرسوم من إحدى الكنائس، وانجذبت إلى قصة برج بابل. وأصبح هذا أيضا موضوعا متكررا في أعمالي. لقد كتبت رواية «قمة برج بابل»، ومجموعة شعرية بعنوان «أغنية برج بابل»، وسيناريو «الإمبراطورية الذهبية». كان البشر يتحدثون لغة واحدة في البداية، وبنوا برج بابل ليصلوا إلى السماء معا، لكن ذلك لم يكتمل، فتشتتوا في العالم واختلفت لغاتهم. تفرق الناس في أماكن مختلفة بسبب عدم قدرتهم على التواصل، وأصبحوا مئتي دولة وألفي عرقية موجودة اليوم. يُقال إن برج بابل هو حدائق بابل المعلقة. في قلبي، برج بابل هو رمز ملموس للقارة الأوراسية. 99.99% من الجينات البشرية متطابقة، نحن نوع واحد، وكنا إخوة بالمعنى الحرفي قبل مئة ألف عام. فهل حروبنا الحالية ذات معنى؟ من خلال أوراسيا وبرج بابل، آمل ألا ينسى الناس أسلافهم المشتركين. طالما نتواصل عبر اللغة، يمكننا بناء برج بابل المشترك، وهو الوطن المثالي المشترك للبشرية.

تتحدث في قصائدك عن «قوة اللغة». كيف يمكن للشعر أن يبدد هذا الظلام؟
ـ عالمنا يبدو مضيئا من الخارج، لكنه يعيش ظلاما عميقا. وبرج بابل يمثل بالنسبة إلي السعي نحو عالم أكثر إنارة وعدلا.
هناك ظلمات متعددة تحاصر الإنسان: ضعف الأخلاق الفردية، والقيود الاجتماعية، وحدود الدول، وحواجز اللغة، ثم الاستبداد الذي يوظف كل هذه العناصر ضد الإنسان. أؤمن بأن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل مفتاح لفهم الآخر، وأن سوء الفهم بين البشر يبدأ غالبا من اللغة نفسها.
قد يستغرق الوصول إلى عالم أكثر وحدة مئات السنين، لكن الأدب يستطيع أن يضع الحجر الأول في هذا البناء.

ـ عالمنا يلمع بالفعل بشكل سطحي، لكنه يقبع في ظلام عميق. تمثل قمة برج بابل سعي البشرية نحو عالم مثالي منير، حيث نحتاج إلى التغلب على الظلام المحيط بنا. تماما مثل الحرب بين النور والظلام في الديانة المانوية، أعتقد أن هناك مستويات من الظلام من حولنا يجب التغلب عليها، الطبيعة البشرية هي السعي وراء ما نريد، ولكن بمجرد أن ندخل هذا العالم، نواجه قيودا مختلفة، والظلام هنا استعارة، الظلام الأول هو الأخلاق الفردية، والتي من الصعب تجاوزها، الظلام الثاني هو الشروط الاجتماعية التي تكبل الإنسان، والثالث هو حدود الدول القومية، فلا نزال غير قادرين على السفر بحرية كاملة، الظلام الرابع هو حاجز اللغة، لدينا آلاف اللغات، وهذا هو مصدر الخلافات البشرية الآن، وأيضا سبب عدم قدرة البشر على التواصل، كما تقول قصة برج بابل، أما الظلام الخامس فهو الظلام الحقيقي: الاستبداد، حين يُساءُ استخدام تلك الظلمات الأربع، فتتحوّل الأخلاق إلى نفاق، والدولة إلى أداة قمع، والحدود إلى حصار، واللغة إلى أداة تشويهٍ وعداء، وهذا ما نحتاج إلى محاربته علنا، ما أتصوره هو أن سوء الفهم البشري يبدأ باللغة، على الرغم من أن جميع المجموعات العرقية تعتبر لغاتها ممتازة، إلا أن قوانين التاريخ تخبرنا بأنها ستندمج في النهاية في لغة أكبر، وسيتحدث البشر في النهاية لغة واحدة. ما أحتاج إلى فعله الآن هو استخلاص العناصر من مختلف الحضارات القديمة، وآمل في النهاية أن تتجه البشرية نحو العالم الموحد، وقد يستغرق ذلك خمسمئة أو ألف عام.

الشعر في زمن التفاهة

كيف يمكننا استعادة جمهور الشعر في زمن السطحية أو عصر التفاهة كما يراه آلان دونو؟
ـ كتاب آلان دونو يُعامل دائما ككتاب سياسي، ولكن تطبيقه في عالم الأدب مذهل أيضا. سواء في الشرق أو الغرب، تحت أي نظام سياسي، يوجد الآن حكم رديء واسع الانتشار. لقد أدليت بتصريح خلال خلافي مع الشاعر الصيني يي شا؛ مفاده أن «99% من الشعر الصيني الجديد هو «قمامة»، ما أدخل الوسط الشعري بأكمله في جدل لم يتوقف، الأمر لا يتعلق بتذوق الشعر بل بكتابته أيضا، فالكثير من الشعر ليس شعرا على الإطلاق، لكنه لا يزال يُنشر في المجلات، في ظل ما يمكن أن نسميه « ديمقراطية النشر» التي تحولت إلى فوضى.

*وما السبيل إلى التعامل مع هذه الفوضى؟
ـ في هذا السياق، يصبح سؤال السلطة الثقافية ملحّاً: من يقرر ما يُنشر؟ ولماذا تُقدَّم أعمال متوسطة، بينما تُقصى نصوص ثورية حقيقية، خاصة تلك التي تنبع من الهامش؟ هذا أحد الأسباب التي أدت إلى عزوف القرّاء عن الشعر. لكن ينبغي أن لا نغفل أن التحولات التقنية، تعدد وسائل الترفيه، وهيمنة الصورة، تلعب دوراً حاسماً في هذا التراجع. لهذا، طرحتُ «حركة الشعر العظيم» بوصفها محاولة لإعادة الشعر إلى أفقه الملحمي، حيث يحتضن كل الفنون. وفي عام 2017، أطلقتُ أيضاً «حركة الشعر-السينما»، و«حركة الرواية الدرامية»، ثم لاحقاً «الشعر-الموسيقى» و«الشعر-الخط»، في محاولة لكسر الحدود بين الأجناس، وفتح قنوات جديدة لوصول الشعر إلى الناس. إن «حكم التفاهة» ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل شرّ بنيوي. وفي الأدب، تحديداً، يصبح هذا الشر خطيئة لا تغتفر، لأنه يطمس الجمال ويشوّه الذائقة.

*هناك شبه بينك وبين شخصياتك، وهو حب الترحال، فأنت تعيش حياة أشبه برحلة البطل الذي يذهب في مهمة ليعود ومعه الإكسير، وربما هذا هو السبب الذي دفعك للاستقالة من عملك الصحافي استجابة لنداء الرحلة، ما هي الخلفية الفلسفية للقرار الذي اتخذته بشأن عملك الصحافي وسفرك في الصين بحثا عن شيء ما- ربما الحياة الحقيقية- في تيبت وشينجيانغ؟
ـ كنت أعمل في صحيفة «شيهاي متروبوليتان ديلي» بوظيفة مستقرة، لكني أشعر بأن رسالتي هي خلق «الشعر العظيم»، الذي يشمل الشعر والرواية والدراما. كان أكبر دافع فلسفي لديّ في ذلك الوقت هو كتابة فصل مخصص في مجموعة مقالاتي «رحلة إلى كونلون»، وهو السعي للحرية الإنسانية. فهمي لذاتي يأتي غالبا من اسمي المستعار «شاو شوي» الذي اخترته عام 2005. «شاو» هو لقب له تاريخ خمسة آلاف عام، ويمثل التقاليد الشرقية؛ «شوي» تعني «مَنْ» والتي تمثل التساؤل «من أنا؟»، وهو جوهر الفلسفة الغربية؛ لذا فإن هذا الاسم المستعار يعني دمج الحضارتين الشرقية والغربية، لذا فإن أكبر دافع لترك وظيفتي والسفر بعيدا كان البحث عن نفسي، والبحث عن القواسم المشتركة بين الحضارات المختلفة، لخلق الشعر العظيم، وتحقيق حلمي بالشعر العظيم. لكل إنسان رسالة، وأنا لم أحِد أبدا عن هذا الهدف، سواء كنت في قمة الحياة أو قاعها، وهو بناء وطن مثالي من خلال الأدب.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *