قضية يوتيوبر شهير في إيران تفتح ملف العلاقة بين الدولة والشباب


طهران- “القدس العربي”: تحول تجمع آلاف المراهقين والشباب للقاء يوتيوبر إيراني، نيما رضائي، إلى قضية سياسية وإعلامية بعدما أعقبته إجراءات تمثلت في إغلاق حساباته على منصات التواصل، ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول سياسات السلطات الإيرانية تجاه الفضاء الرقمي، وحدود نفوذ المؤثرين بين الجيل الجديد.

وأصبحت القضية اختباراً لقدرة السياسات الإيرانية الخاصة بالفضاء الإلكتروني على مواكبة التحولات الاجتماعية، في وقت تتزايد فيه شعبية المؤثرين بوصفهم أحد أبرز مصادر التأثير في أوساط الجيل الجديد في إيران ولا سيما جيل Z، رغم استمرار القيود المفروضة على المنصات الرقمية.

وكان “نيما تكيدو”، وهو يوتيوبر يحظى بأكثر من 980 ألف مشترك، يعتزم لقاء جمهوره في “إيران مول” يوم 24 تموز/يوليو 2026. وكان من المقرر توزيع خمسة آلاف تذكرة مجانية، إلا أن أكثر من 40 ألف شخص حضروا إلى الموقع من دون تذاكر، ما أدى إلى ازدحام شديد تسبب في إصابة نيما بكسر في ساقه، وانتهاء الفعالية قبل اكتمالها.

وبعد أيام قليلة، أصبحت قناته على “يوتيوب” ثم صفحته على “إنستغرام” غير متاحتين، ما أثار موجة جديدة من ردود الفعل، رغم أن هذا المدوّن لا يُعرف عنه أي نشاط أو انتماء سياسي.

وفي وقت لاحق، حُذفت جميع مقاطع الفيديو من قناة “نيما تكيدو” على “يوتيوب”، من دون إعلان سبب رسمي لذلك.

ويرى كثير من الخبراء أن هذه الحادثة كشفت عن بروز جيل جديد يختلف بصورة واضحة عن القيم الرسمية السائدة. كما يلفتون إلى أن هذا المدوّن ينشط على “إنستغرام” و”يوتيوب”، وهما منصتان محجوبتان داخل إيران، لكن ملايين الإيرانيين يستخدمونهما عبر برامج تجاوز الحجب.

ويقول بعض الخبراء إن حجب المواقع والمنصات واسعة الانتشار، مثل “إنستغرام” و”إكس” و”يوتيوب” و”تلغرام”، لم يمنع تأثيرها في المجتمع الإيراني، بسبب الإقبال الكبير عليها باستخدام تطبيقات كسر الحجب.

وحسب موقع “زوميت” الإخباري، أفادت وسائل إعلام محلية بأن منظمي الفعالية خصصوا نحو خمسة آلاف تذكرة مجانية، إلا أن آلاف الأشخاص الإضافيين توافدوا إلى “إيران مول” يوم الحدث، متجاوزين الطاقة الاستيعابية المتوقعة.

وأدى الازدحام في الممرات والطوابق ومداخل المجمع إلى صعوبة السيطرة على الحشود، ما دفع المنظمين إلى إيقاف الفعالية قبل انتهائها رسمياً. كما أظهرت مقاطع مصورة نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي حضور أعداد كبيرة من الأشخاص للقاء صانع المحتوى.

وعقب الحادثة، لم تصدر السلطات توضيحاً رسمياً بشأن ملابساتها، لكن بعد ساعات ظهرت رسالة على قناة “نيما تكيدو” في “يوتيوب” تفيد بأنها أُغلقت “بناءً على أمر من السلطة القضائية”. وبعد ذلك، انتشرت تقارير عن إغلاق صفحته على “إنستغرام” أيضاً، فيما لم يُعلن رسمياً، حتى وقت نشر التقرير، الأساس القانوني الدقيق لهذا الإجراء.

وأثارت هذه التطورات ردود فعل واسعة على مواقع التواصل ووسائل الإعلام في إيران. فقد حمّل عدد من المستخدمين منظمي الحدث مسؤولية سوء إدارة الحشود وعدم توقع حجم الإقبال، معتبرين أن مثل هذه الفعاليات تحتاج إلى تنسيق أفضل وبنية تنظيمية مناسبة.

في المقابل، رأى آخرون أن إغلاق صفحات اليوتيوبر كان إجراءً غير متناسب وطالبوا بتوضيح أسباب القرار، كما أُطلقت حملات إلكترونية للمطالبة بإعادة تفعيل حساباته، وحظيت بدعم آلاف الأشخاص.

وفي موازاة ردود فعل المستخدمين، تحولت القضية إلى محور نقاش بين خبراء الإعلام وعلماء الاجتماع. وتركزت كثير من التحليلات على أن الإقبال الكبير من المراهقين على أحد صناع المحتوى يعكس تغيّراً في أنماط المرجعية الاجتماعية والثقافية لدى الأجيال الجديدة.

ويعتقد هؤلاء أن شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو أصبحت تؤدي دوراً أكبر من وسائل الإعلام التقليدية في تشكيل الشعبية والتأثير الاجتماعي.

في المقابل، اعتبرت بعض وسائل الإعلام أن الحادثة تمثل إنذاراً بضرورة تنظيم الفعاليات المرتبطة بالمؤثرين، مؤكدة أن تزايد شعبيتهم يستدعي اهتماماً أكبر بالتخطيط الأمني وإدارة الحشود والالتزام بالمعايير التنظيمية.

وفي الوقت نفسه، عاد الجدل بشأن جدوى القيود المفروضة على الفضاء الإلكتروني. ويرى بعض المحللين أن ما حدث يثبت أن المؤثرين ما زالوا قادرين على حشد جماهير واسعة حتى في ظل القيود المفروضة على بعض منصات التواصل، بينما شدد آخرون على ضرورة وضع أطر قانونية واضحة تنظم عمل صناع المحتوى ذوي الجماهيرية الكبيرة وتنظيم الفعاليات الجماهيرية الخاصة بهم.

وكتب موقع “زوميت” أن قضية “إيران مول” و”نيما تكيدو” تجاوزت كونها مجرد تجمع مثير للجدل، وأصبحت نقاشاً أوسع حول علاقة الجيل الجديد بشبكات التواصل الاجتماعي، ومدى نفوذ المؤثرين، ومسؤولية منظمي الفعاليات، وآلية تعامل المؤسسات الرسمية مع الظواهر الجديدة في الفضاء الرقمي، وهو نقاش مرشح للاستمرار خلال الأيام المقبلة.

كما أُطلقت على الإنترنت حملة للمطالبة بإعادة فتح حسابات “نيما تكيدو” على “إنستغرام” و”يوتيوب”. وجاء في بيان الحملة: “نعتقد أن ما حدث كان في المقام الأول نتيجة سوء التنظيم وعدم تقدير العدد الحقيقي للمشجعين. وكان نيما نفسه الضحية الرئيسية لهذا الازدحام بعد تعرضه لكسر في ساقه، ولذلك فإن إغلاق قناته بالكامل على يوتيوب لا يتناسب مع ما حدث. نيما يمثل صوت جيل جديد استطاع من خلال محتواه الكوميدي والتفاعلي أن يجذب جمهوراً واسعاً، والحلول القائمة على المنع ليست هي الحل. ومطالبنا هي: الإعلان بشفافية عن سبب إغلاق الحساب والوضع القانوني لـ”نيما تكيدو”، وإعادة فتح قناته على “يوتيوب” لأننا نرى أن الإجراء المتخذ لا يتناسب مع أي تقصير محتمل، والاعتراف بهذه الظاهرة الثقافية ووضع إطار ينظم إقامة فعاليات مماثلة، بدلاً من إسكات الأصوات.

وكتب موقع “آوش” الإخباري: “خرج مفهوم التشجيع في إيران منذ سنوات من أطره التقليدية واتخذ أشكالاً غير مألوفة. ففي عام 2014، أثارت جنازة المغني الراحل مرتضى باشائي، التي شهدت حضوراً غير مسبوق، دهشة علماء الاجتماع، كما كشفت دموع معجبي محمد رضا كلزار عن عمق هذا الارتباط العاطفي. لكن يوم الجمعة 24 تموز/يوليو، ومع تجمع ما بين 10 و15 ألف مراهق للقاء اليوتيوبر “نيما تكيدو”، الذي يتابعه 1.5 مليون شخص على “إنستغرام” و950 ألف مشترك على “يوتيوب”، في “إيران مول”، إضافة إلى وجود نحو 35 ألف شخص فوق الطاقة الاستيعابية وسقوطه في إحدى البرك المائية، دخلت هذه الظاهرة مرحلة جديدة.

وأضاف الموقع: “يرى محللون اجتماعيون أن هذه السلوكيات المتطرفة لا ينبغي اختزالها في مشكلة أخلاقية أو اعتبارها مجرد دليل على سطحية الجيل الجديد. فمن منظور علم الاجتماع، عندما تُضعف أو تُقمع الأطر الحديثة والرسمية التي تسمح بتشكيل المجتمعات والروابط المهنية والفنية والبيئية والترفيهية، فإن حاجة الإنسان الفطرية إلى الانتماء وإثبات الذات والعمل الجماعي لا تختفي، بل تتخذ مسارات أخرى. وفي ظل غياب المؤسسات الوسيطة، يعيد المراهق اليوم بناء هويته الجماعية حول نجوم العالم الرقمي، ليجد من خلالهم وسيلة للتعبير عن نفسه وإسماع صوته. وفي هذا السياق، فإن الإجراءات العقابية، مثل إغلاق صفحات هؤلاء المؤثرين أو فرض الحجب، ليست سوى معالجة شكلية للمشكلة.”

وتابع “آوش”: على السلطات أن تدرك أن إغلاق الصفحات المفضلة لدى الشباب لن يكون وسيلة لاحتواء هذه الطاقة المتراكمة. فهذه الظاهرة الجماهيرية الصاخبة لها جذور بنيوية، وتشبه في بعض جوانبها الفوضى التي شهدتها تجمعات معجبي “كاي سينات” في نيويورك، والتي تُدار في دول أخرى باعتبارها جزءاً من ثقافة التشجيع الحديثة. أما التعامل الأمني والإقصائي مع اهتمامات المراهقين، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين الأجيال ودفع هذه الطاقة إلى مسارات أكثر خفاءً وأقل قابلية للتنبؤ.

لذلك، لا ينبغي توجيه اللوم إلى المجتمع أو فرض الرقابة عليه، بل توفير مساحات طبيعية تسمح بتفريغ هذه المشاعر والحماسة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *