كل من يحاول فهم إدارة الولايات المتحدة لعمليتها في إيران من منظور عسكري تقليدي، يجد نفسه مندهشًا مرارًا وتكرارًا. غالبًا ما يُنظر إلى التأخيرات، والخوف المعلن من تصعيد واسع النطاق، والكبح الذي فرضته الولايات المتحدة في مواجهة الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية الوطنية الإيرانية، على أنها تردد، أو حرج استراتيجي، أو عدم رغبة في الانجرار إلى “حرب لا نهاية لها”.
لكن نظرة أعمق تكشف منطقًا مختلفًا تمامًا: الولايات المتحدة لا تتردد في تدمير النظام في إيران، بل حرصت حتى الآن على عدم تدمير هذا الأصل القيّم.
هل تُعدّ فنزويلا نموذجًا لطهران؟
خلال العام الماضي، قدّم وزير الخارجية ماركو روبيو نموذجًا مثيرًا للاهتمام للدبلوماسية الحديثة في فنزويلا: إدارة دولة متداعية عن بُعد، من وراء الكواليس، مع السيطرة على تدفقات الأموال وتراخيص الطاقة والائتمان الدولي. لم ينبع هذا النموذج من رغبة في بناء دولة على غرار العراق عام 2003، بل من منطق “الاستيلاء العدائي”: الإطاحة بالقيادة المعادية، مع الإبقاء على الجهاز البيروقراطي والبنية التحتية في حالة تشغيل، وإملاء الاستراتيجية تحت ستار الشراكة السيادية.
بالنسبة لترامب وفريقه، إيران ما بعد الإسلامية ليست تمريناً في التحول للديمقراطية، بل هي سوق تستغلها شركات الطاقة والطيران الأمريكية، وشركات المياه والتقنيات الخضراء (الإسرائيلية؟)، والاستثمارات الخليجية، لإعادة ملء الفراغ الذي ستخلفه الصين وروسيا.
وهنا تحديدًا تكمن المعضلة الأمريكية الرئيسية: كيف يمكن شلّ السائق دون تدمير السيارة؟
يمكن الافتراض أن سبب تردد واشنطن الرئيس في شن هجمات على حقول الغاز ومصافي النفط ومحطات توليد الطاقة والموانئ الإيرانية لا ينبع فقط من الحذر العسكري؛ فالضرر الجسيم الذي يلحق بالبنية التحتية الوطنية سيحول إيران، في “اليوم التالي”، من مورد مربح إلى عبء ثقيل. إعادة بناء المنشآت المدمرة ستتطلب مئات المليارات من الدولارات وسنوات طويلة، وسيغرق الشعب الإيراني في الفقر بدلًا من تبني الليبرالية الغربية.
مع مرور الوقت، تكتشف الولايات المتحدة حدود هذا النموذج: من المستحيل تطبيق نموذج فنزويلا ما دام النظام في طهران قائمًا.
في فنزويلا، بعد “إقالة الزعيم”، وافقت النخب المحلية على الخضوع من أجل البقاء. أما في إيران، فقد اندمج جهاز الحرس الثوري في كل شبر من الاقتصاد والبنية التحتية – فالنظام جزء لا يتجزأ منهما، يستمد قوته من خطوط أنابيب النفط والاتصالات لتمويل القمع الداخلي والعدوان الإقليمي.
تغيير المعادلة
لحلّ معادلة انهيار النظام دون تدمير الدولة نفسها، تحتاج الولايات المتحدة إلى:
نقل بعض أجهزة النظام لتكون إلى جانبها – شنّ هجمات مُوجّهة على القيادة الأيديولوجية العليا، وتوجيه رسالة ضمنية إلى الرتب المتوسطة والدنيا: غدًا، لديكم مكان في جيش وطني جديد – إن لم تُقاتلوا حتى النهاية. وكما حدث عام 1979، حين نجا الجهاز العسكري وأُعيد دمجه، يُمكن تفكيك آلية القمع دون انهيار الدولة نفسها.
حصارٌ للتسويق، لا تدمير مصادر النفط – حصارٌ بحري لمنع النظام من بيع النفط الآن، مع الحفاظ على سلامة خطوط الأنابيب والمنشآت ليوم يُعيد فيه نظام جديد فتحها.-
فهم سيكولوجية الشباب – جيل الـ Z في إيران، المتعطشين للحرية الشخصية والحياة الطبيعية. بالنسبة لهم، “الليبرالية” هي القدرة على السير في الشارع دون خوف، والاتصال بالإنترنت بحرية، وكسب الرزق. سيرحب الشعب الإيراني بأي قيادة انتقالية، سواء كانت عودة رضا بهلوي كركيزة دستورية أم حكومة تكنوقراطية، تضمن روحًا ليبرالية وإعادة بناء اقتصادي بدعم أمريكي، وهذا تحديدًا ما يجب إعداده كبديل للنظام الحالي.
خلاصة القول، إن الحذر في استهداف البنية التحتية ليس بسبب قيود تكتيكية أو عسكرية، بل جزء من خطة استراتيجية طويلة الأمد. لا تسعى الولايات المتحدة إلى تحويل إيران إلى عراق أو ليبيا، بل تسعى إلى بناء دولة تُطهر من قيادتها المتطرفة، وتحافظ على بنية تحتية فعّالة، وتصبح محرك النمو الجديد للمنطقة تحت مظلة أمريكية، وتعاون تكنولوجي إسرائيلي، ودعم سخي من دول الخليج.
هذه هي المعضلة الأمريكية الرئيسية الآن: هل تخنق النظام الإيراني حتى ينهار، أم تُلحق به ضررًا مباشرًا، وهو ما قد يضر بمستقبله؟ وهناك حلول لهذه المعضلة، سنتناولها بالتفصيل في المقالات القادمة.
عميت ياغور
معاريف 29/7/2026