الجزائر- “القدس العربي”: يتجه المجلس الشعبي الوطني في الجزائر لانتخاب سيدة على رأسه في سابقة لم تشهدها البلاد منذ الاستقلال. ويبدو أن الأمر قد حسم لصالح النائبة عن جبهة التحرير الوطني خليدة بوفدش، التي تحظى بدعم واسع من أحزاب الأغلبية الرئاسية، في مقابل منافسة رمزية من أحزاب المعارضة.
ويترقب النواب غداة تنصيبهم الثلاثاء، جلسة انتخاب رئيس العهدة التشريعية العاشرة، لتأكيد القرار الذي استقرت عليه كبرى الأحزاب بدعم مرشحة حزب جبهة التحرير الوطني خليدة بوفدش لتولي رئاسة المجلس. وفي مسارها السياسي، شغلت هذه السيدة التي تعد طبيبة مختصة، عضوية المجلس الشعبي الولائي لمدينة الجزائر، قبل انتقالها إلى المجلس الشعبي الوطني إثر الانتخابات التشريعية الأخيرة.
وفي حال انتخابها، ستصبح بوفدش أول امرأة تتولى رئاسة الغرفة التشريعية الأولى، وهي مرتبة بروتوكولية متقدمة في هرم مؤسسات الدولة، بعد رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الأمة. ويحمل هذا الترشيح أيضا بعدا سياسيا خاصا، إذ يأتي في سياق توجه لتعزيز حضور المرأة في مواقع المسؤولية، على الرغم من أن الانتخابات التشريعية الأخيرة أسفرت عن تراجع عدد النساء داخل المجلس، حيث لم يتجاوز عدد النائبات 25 من أصل 407 أعضاء.
وتشير مصادر برلمانية إلى أن الاتفاق داخل أحزاب الأغلبية جاء بعد مشاورات بين القوى المشكلة للحزام البرلماني الداعم للسلطة التنفيذية، بما في ذلك جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وجبهة المستقبل فيما ذكر نواب عن حركة البناء الوطني أنهم لم يتلقوا توجيهات خاصة بدعم أي مرشح.
وكانت الأيام الماضية قد شهدت تداول أسماء أخرى لتولي المنصب، من بينها الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي منذر بودن، إضافة إلى المحافظ السابق عطاء الله مولاتي، وأستاذ العلوم السياسية إسماعيل دبش، غير أن المشاورات انتهت إلى ترجيح اسم خليدة بوفدش، في إطار توازنات سياسية وتنظيمية داخل معسكر الأغلبية.
ورغم إدراكها لصعوبة المنافسة، قررت أحزاب المعارضة خوض الانتخابات، تأكيدا، بحسب بياناتها، على حقها الدستوري في التنافس على رئاسة المؤسسة التشريعية.
وأعلنت المجموعة البرلمانية لحركة مجتمع السلم ذات التوجه الإسلامي، ترشيح نائبها عن دائرة وهران أمين علوش لرئاسة المجلس الشعبي الوطني، مؤكدة أن الخطوة تأتي تجسيدا لأحكام الدستور والقوانين المنظمة لعمل البرلمان، وترسيخا لمبدأ التعددية السياسية والتنافس الديمقراطي داخل المؤسسة التشريعية.
وقالت الحركة إن ترشيحها يعكس قناعتها بضرورة تعزيز مكانة السلطة التشريعية وتكريس استقلاليتها والارتقاء بأدائها في إطار احترام الدستور والفصل بين السلطات، كما دعت النواب إلى التصويت لمرشحها، معتبرة أنه يمتلك الخبرة والكفاءة في العمل البرلماني والانتخابي.
من جهته، أعلن التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية من المعسكر الديمقراطي، تقديم النائب رشيد حساني مرشحا لرئاسة المجلس الشعبي الوطني، معتبرا أن هذه الخطوة تندرج ضمن تقليد دأب الحزب على اعتماده خلال العهدات السابقة.
وأوضح الحزب في بيان له، أن ترشيحه ليس مجرد إجراء رمزي، بل يعكس تمسكه بمبدأ التعددية السياسية وحق المعارضة في تقديم بدائل داخل المؤسسات، منتقدا ما وصفه بتحويل انتخاب رئيس البرلمان إلى نتيجة محسومة مسبقا بفعل موازين القوى خارج قاعة المجلس.
كما دعا الحزب إلى برلمان يتمتع باستقلالية أكبر، ويؤدي أدواره في التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية، مع ضمان حقوق المعارضة وإتاحة المجال للنقاش البرلماني.
وكانت جلسة تنصيب النواب الجدد، قد افتتحت برئاسة أكبر النواب سنا، بمساعدة أصغر نائبين، ضمن مكتب مؤقت يتولى الإشراف على إثبات العضوية وافتتاح العهدة البرلمانية الجديدة، قبل المرور إلى انتخاب رئيس المجلس.
ولا تتوقف أهمية جلسة التنصيب عند بعدها البروتوكولي، إذ تشكل الانطلاقة الفعلية للمجلس الجديد، حيث يعقب انتخاب الرئيس مباشرة تشكيل بقية هياكل المجلس، من خلال انتخاب نواب الرئيس ورؤساء اللجان الدائمة ونوابهم والمقررين، بما يسمح للشروع في ممارسة المهام التشريعية والرقابية.
وينص الدستور في مادته 131، على أن رئيس المجلس الشعبي الوطني يُنتخب لعهدة تشريعية كاملة، بينما تحدد المادة 134 الإطار العام لتشكيل أجهزة المجلس. وإذا تعدد المرشحون، يجري الانتخاب بالاقتراع السري، ويشترط الحصول على الأغلبية المطلقة للفوز من الدور الأول، وفي حال تعذر ذلك ينظم دور ثان يفوز فيه صاحب الأغلبية النسبية.
ويستمد رئيس المجلس الشعبي الوطني أهمية منصبه من الصلاحيات المخولة له، إذ يشرف على تسيير أشغال المجلس، وضبط جدول أعماله، وتمثيله داخل الجزائر وخارجها، فضلا عن مشاركته في عدد من الهيئات والاستشارات الدستورية.
وتمنح نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة أفضلية واضحة للأغلبية الرئاسية في حسم هذا الاستحقاق، بعدما تصدرت جبهة التحرير الوطني النتائج النهائية بـ91 مقعدا، متبوعة بالتجمع الوطني الديمقراطي بـ74 مقعدا، ثم جبهة المستقبل بـ56 مقعدا، وحركة البناء الوطني بـ40 مقعدا، وقوائم الأحرار بـ33 مقعدا، وحزب صوت الشعب بـ16 مقعدا.
وفي المقابل، جاءت حركة مجتمع السلم في مقدمة أحزاب المعارضة بـ43 مقعدا، تلتها جبهة القوى الاشتراكية بـ12 مقعدا، ثم التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة العدالة والتنمية بأربعة مقاعد لكل منهما، إلى جانب حزب العمال بثلاثة مقاعد وأحزاب أخرى بتمثيل محدود.
وكانت المحكمة الدستورية قد أعلنت النتائج النهائية للانتخابات يوم 18 يوليو الماضي، بعد الفصل في 320 طعنا، قبلت منها 43 طعنا، فيما رفضت بقية الطعون، كما أجرت تصحيحات تلقائية مست عددا من الولايات بعد مراجعة محاضر الاقتراع، دون أن تغير موازين القوى العامة داخل المجلس. وأبقت النتائج النهائية نسبة المشاركة عند 21.24 بالمئة، فيما أظهرت التركيبة الجديدة للمجلس وجود 126 نائبا تقل أعمارهم عن أربعين سنة، و312 نائبا من حاملي الشهادات الجامعية.