كان يجب على النبأ الذي نشرته “نيويورك تايمز”، هذا الأسبوع، أن يثير شكاً كبيراً. فبعد عنوان “بنوك إسرائيلية تهدد بقطع علاقتها مع الاقتصاد الفلسطيني، الأمر الذي يفاقم أزمته”، نشرت “نيويورك تايمز” أن بنك هبوعليم وبنك ديسكونت، أعلنا بشكل غير متوقع عن نية قطع علاقتهما البنكية مع 13 بنكاً في السلطة الفلسطينية. يأتي هذا بعد سنوات كثيرة شكلت فيها هذه البنوك الصلة الوحيدة بين البنوك الفلسطينية والعالم، حيث كان من شأن قطع هذه الخدمات أن يفرض حصاراً خانقاً على الاقتصاد الفلسطيني.
وتفسر “نيويورك تايمز” كيف ستتوقف كل الواردات والصادرات الفلسطينية – الغذاء، الوقود، الكهرباء والأدوية – نتيجة لذلك. ونقلت الصحيفة بعد ذلك رد وزارة المالية على هذا النبأ، وأوضحت بأن الوزارة تجري محادثات مع البنكين لإيجاد حل مسؤول لهذا الوضع. في الواقع، جاء رد وزارة المالية كما يلي: “ترى وزارة المالية أهمية كبيرة لاستمرار العلاقة بين النظام المصرفي في إسرائيل والسلطة الفلسطينية”، وإن توقف هذه الخدمات قد يؤدي إلى “عواقب وخيمة على الاستقرار الاقتصادي في المنطقة، بل قد يؤدي أيضاً إلى زيادة خطر غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، نتيجة التحول إلى قنوات مالية غير خاضعة للرقابة وتعتمد على النقد”.
مع ذلك، حرصت وزارة المالية في ردها بعد ذلك على إلقاء كل المسؤولية على البنكين وعلى من يشرف عليهما، الموجود في بنك إسرائيل. وجاء في الفقرة الأخيرة في رد الوزارة: “يجب التأكيد أن هذا قرار يتعلق بهذين البنكين، ولا يخضع لسلطة أو مصادقة وزارة المالية”.
يعتبر رد وزارة المالية مضللاً، لأن المسؤولية الرئيسية عن حل الأزمة مع البنوك الفلسطيني ملقاة عليها هي نفسها، وليس من مسؤولية بنك هبوعليم وبنك ديسكونت. والأسوأ أن هذا رد غير مسؤول، لأن الوزارة بتحويل المسؤولية عن نفسها وإلقائها على البنكين، إنما تخاطر بمقاطعة دولية. عملياً، هذا الرد يهدد استقرار بنكين من البنوك الخمسة الأكبر في إسرائيل. في الواقع، تتهم صحيفة “نيويورك تايمز” نفسها البنكين بفرض حصار اقتصادي على الفلسطينيين، وهذا وصف يدعو إلى مقاطعة دولية لهما.
إسرائيل تحتل الأراضي الفلسطينية، لذا تسيطر على اقتصادها، والشيكل هو العملة الرسمية في السلطة الفلسطينية. وعليه، فإن كل علاقات البنوك الفلسطينية مع العالم – من استيراد وتصدير وكل العلاقات المالية – تمر عبر إسرائيل، بالتحديد عبر بنك ديسكونت وبنك هبوعليم. وبصفتهما الوسيط مع البنوك الفلسطينية، فإنهما مسؤولان أيضاً عن التحقق من سلامة عملياتها والتأكد من ذلك. وهنا تكمن المشكلة، حيث ترفض البنوك الفلسطينية الامتثال لقواعد مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، ما يعرض بنك هبوعليم وبنك ديسكونت لدعاوى قضائية بسبب النشاطات الفلسطينية التي تمر عبرهما.
الحل المؤقت تحول إلى دائم
يحظى نظام العلاقات مع البنوك الفلسطينية باهتمام دولي كبير. وتتدخل الحكومة الأمريكية والاتحاد الأوروبي في الأزمة الحالية بشكل كبير، خشية أن يؤدي قطع الخدمات البنكية الفلسطينية إلى انهيار الاقتصاد والسلطة الفلسطينية. هذه قضية حساسة جداً، ولا ترغب البنوك التجارية في إسرائيل في تعريض سمعتها للخطر بسبب هذه التعقيدات.
بسبب ذلك، منذ العام 2015 يطالب بنك هبوعليم وبنك ديسكونت الدولة برفع هذه المسؤولية عنهما. وقد أعلنا دائماً عدم الرغبة في استمرار التعاون مع البنوك الفلسطينية، في حين تتوسل إليهما الدولة دائماً للاستمرار، لعدم وجود حل آخر.
هكذا ظهرت حلول للمشكلة: الأول، حل مؤقت يتمثل في إعطاء المحاسب العام في وزارة المالية البنكين ضمانة ضد الدعاوى القضائية. ويهدف هذا الضمان إلى إقناعهما بمواصلة التعاون مع البنوك الفلسطينية إلى حين إيجاد حل دائم. الثاني، الحل الدائم، يتمثل بإنشاء شركة حكومية تتولى إدارة العلاقات مع البنوك الفلسطينية بنفسها.
وقد اتخذ قرار إنشاء الشركة الحكومية في العام 2018 في فترة ولاية نتنياهو. وتتخلص الفكرة العامة في إبعاد البنوك التجارية عن الأخطار المترتبة على التعامل مع البنوك الفلسطينية – التي تعرضها من جهة للدعاوى القضائية، ومن جهة أخرى، للمقاطعة الدولية وتقويض استقرارها – وذلك من خلال تحميل وزارة المالية هذه المخاطر.
هكذا ولدت شركة المراسلات التي استثمر فيها المحاسب العام أكثر من 70 مليون شيكل، وهي جاهزة الآن للعمل. ولكن التشريع المطلوب لبدء عمل الشركة لم يطرح حتى الآن. ويرفض وزير المالية سموتريتش طرحه لأسباب سياسية بالطبع. لا يرغب سموتريتش في التوقيع على نقل مسؤولية العلاقات المالية الفلسطينية مع العالم إلى الحكومة الإسرائيلية.
يجب التأكيد بأن المؤسسة الأمنية بكل فروعها تدعم إنشاء شركة المراسلات، بسبب الأهمية الكبيرة للحفاظ على النظام البنكي الفلسطيني. لا أحد ساذج ليعتقد أنه لا يوجد تمويل إرهابي يمر عبر البنوك الفلسطينية، لكن واضح للجميع أن البدائل أسوأ بكثير؛ فقطع الخدمات البنكية الفلسطينية سيؤدي إلى انهيار السلطة الفلسطينية وانهيار الاقتصاد والتحول إلى اقتصاد النقد أو الرقمي، ما يمكن أن يزيد خطر تمويل الإرهاب، كما قالت وزارة المالية في ردها.
إضافة إلى ذلك، قطع الخدمات البنكية الفلسطينية يعتبر انتهاكاً لاتفاق أوسلو، وسيعطي السلطة الفلسطينية الدافع لإصدار عملتها المستقلة، وهي ليست الشيكل، وستكون هذه هي الخطوة الأولى نحو الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية المستقلة. باختصار، وزارة المالية محقة في رؤيتها لـ “الأهمية الكبيرة لاستمرار العلاقات بين النظام البنكي في إسرائيل والسلطة الفلسطينية”، وفي خشيتها من أن يؤدي توقف هذه الخدمات إلى “عواقب وخيمة على استقرار الاقتصاد في المنطقة، بل وربما زيادة خطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب”. ولتحقيق ذلك، يجب استقرار النظام البنكي، وهو ما تطلبه البنوك منذ عشر سنوات.
ميراف ارلوزوروف
هآرتس/ ذي ماركر 27/7/2026