ستيلا قايتانو أو «نجمة الصباح» وهذا هو معنى اسمها بالعربية، «البنت الصغيرة المتمردة، التي تحاول تغيير واقع بلدها المرير بسرد القصص وكتابة الروايات»، كما ترى نفسها؛ هي بنت السودان الكبير ولدت ونشأت في الخرطوم وتخرجت في جامعتها- كلية الطب، برزت موهبتها الأدبية باكرا، صدر لها في القصة القصيرة «زهور ذابلة» و»العودة»، وفي الرواية «أرواح إدو» و «إريم»، ترجمت أعمالها إلى الإنكليزية، ومؤخرا صدرت لها مختارات من أعمالها القصصية مترجمة إلى الألمانية، كما صدرت ترجمة ألمانية لرواياتها «أرواح إدو».
تنقلت بين «جوبا»- عاصمة جنوب السودان، والخرطوم، وتقيم حاليا في ألمانيا. شاركت في عدد من الفعاليات الأدبية في فرنسا وبلجيكا وألمانيا، وحصلت على عدة جوائز، في العام الماضي حصلت على جائزة «الكاتبة الشجاعة» من قبل الروائية والكاتبة ليلى أبو العلا، الفائزة بجائزة (PEN Pinter)، تحدثت لـ»القدس العربي» حول مضامين بعض أعمالها وعن الحياة في المنفى ومحاور أخرى.
*للأسماء: أسماء الشخصيات والأماكن، دلالات متعددة، ولها دور بارز في أعمالك القصصية والروائية، لكل اسم حكايا خاصة به وقصة، بما فيها اسمك نفسه، حدثينا عن ذلك.
ـ الاسم هو الفخ الأول للهوية، أول عبء نحمله حين نولد، قد يكون مباركا،ً أو ربما وزراً، قد يكون علامة على صدرك، أو بين عينيك لاستقبال رصاصة القناص، عندما تستيقظ حروب «الهويات القاتلة» كما قال أمين معلوف، بسببه قد تتعرض لتمييز متعمد من سلطة ما، الاسم كلون البشرة، قد يشي بصاحبه في أيّ لحظة. من ناحية أخرى هناك مثل يقول: «لكل شخص من اسمه نصيب»، لذلك ربما يحرص الآباء على اختيار أسماء المواليد في المجتمعات الحديثة، لكن في بعض الثقافات الافريقية لا يجتهد الناس كثيراً في اختيار الاسم، لأنه يرتبط بالطبيعة والأحداث المصاحبة عند الميلاد؛ قصتي (وليمة ما قبل المطر) تبدأ
بـ»أولير، اسمه يعني العراء لأن أمه أنجبته هناك عندما فاجأها المخاض، وهي تحتطب»، هكذا حمل اسم المكان الذي ولد فيه بكل بساطة؛ أما (إدّو الكائن السماوي)، الشخصية المحورية في رواية (أرواح إدّو)، هذه الشخصية كانت تطفو بين السماء والأرض كروح ضالة، إدو يعني في لغتنا (لغة الأتوهو) الشيء الذي في السماء، ثم اطلقت على ابنتها اسم لوسي، وهي الطفلة الوحيدة التي نجت من الموت، وهو اسم أوروبي مشتق من اسم لاتيني، ويعني الضوء؛ أما اسمي الإيطالي الكامل، كثيرا ما حيّر الناس – حتى إن هناك من يعتقدون أن كتبي مترجمة، والمعروف أن الجنوب سودانيين يحمل الكثير منهم أسماء أوروبية، بسبب الحملات التبشيرية للدين المسيحي، أيام الاستعمار البريطاني للسودان الكبير، هو أيضا نوع من الاختباء خلف اسم مهاجر من شمال العالم إلى جنوبه ربما يضيف بصمة جديدة لهويتنا.
*ما هو سر الحضور القوي للأسطورة، بأبعادها المتعددة، في أعمالك الإبداعية؟
ـ نحن شعوب تقليدية لا تزال الأسطورة تتحكم في مجتمعاتنا، حتى لو تجاورنا مع الحداثة بشكل آو آخر، نشأنا في أحضان أمهات يبرعن في سرد الحكايات ويمارسن طقوساً غير مفهومة لحماية أطفالهن، لقد شاهدت كل ذلك وعشته شخصيا منذ الصغر، وحتى بعد أن صرت أمّاً. نحن نرضخ لها، بكل احترام لأنها خلاصة ما استخلصه قومنا من حكم ومفاهيم مكّنتهم من النجاة بشكل أو بآخر.
تأثري بكل ذلك قد يكون سببا لاختياري شخوصاً تجسد بعض هذه الأساطير وتعكسها داخل النص، تشبه مساحة للتأمل بعد اللهاث نحو متابعة مجريات الأحداث، هناك سبب آخر أيضا، هو أن كتابة رواية تاريخية يشابه الأسطورة، بصورة من الصور، وهي تحكي أحداثا حقيقية بلغة أدبية، حيث يتفاعل الشخوص مع أحداث التاريخ ويبثون فيها الحياة.
*الحياة في المنفى، في المهجر ما الذي تضيفه للكاتب وبالتالي ما هي الخسارات!
ـ الحياة في المنفى تجبرك على مواجهة مصيرك ككاتب وإنسان، أقدامه لم تعد واقفة على أرضه، أن أرضخ لحقيقة أنني لم أعد موجودة في وطني، ذاك الوجود الفيزيائي الذي يجعلني متعايشة ومتأثرة تأثراً مباشراً بما يحدث فيه، أعني حياة النجاة تلك، حيث تحتاج لخطة جديدة كل يوم ومقابلها عشرات الخطط البديلة لتنجو، وكانت لها متعتها أيضا بوجود شبكة واسعة من التضامن الاجتماعي، من أهل وأصدقاء ومعارف، من يخففون صعوبة الحياة بلطف ومودة ومحبة.
المنفى يجبرك على أن تعتاد الوحدة وتصبح جزءاً من سلوكك، وبفقد التواصل المباشر مع الناس تعيش أجواء عزلة إجبارية، تعلم أن العزلة جنة الكُتَاب، طالما توفرت إذن لا بد من الكتابة؛ وهذا ما أحاول فعله لأن ذاكرتي مثقلة، وأريد أن أضع هذا الحمل على الورق، كما أن الكتابة تخفف الشعور بالوحدة أيضا؛ معادلة بسيطة تتعادل فيها الخسارة والكسب، من دون أن يوقف ذلك الفراغ الذي يتسع في القلب، كل عام.
*والحرب؟ ماذا تقولين وأنت بنت ثلاث حروب – إن جازت العبارة؟
ـ مؤخرا، كنت أتابع على مواقع التواصل الاجتماعي محاولات إصلاح الضرر الذي ألحقته الحرب بالخرطوم، حيث نشأت، أشاهد طلابا متطوعين يرفعون الأنقاض في المستشفيات والمدارس والجامعات المدمرة، في السوق الخافت، تُكدس كميات من الموز للبيع، قبل خمسين عاماً، كنت مع والدي عندما اشترى الموز من السوق نفسه، وأتذكر البائع وهو يتفاخر بأنه حلو المذاق.
أعادت المكتبات فتح أبوابها، وتبعتُ فتاة صغيرة بضفائرها المشدودة الأنيقة وهي تسرع في يومها الدراسي الأول. لكن الحرب لم تنتهِ، فالمدينة لا تزال شبه مهجورة، والقتال مستمر. لأكثر من ثلاثة أعوام، تسببت الحرب في السودان بموت ونزوح وتشويه أعداد هائلة؛ هناك مجاعة وأمراض. الحرب مُهينة للغاية. كيف نتفاعل عندما يُصوّب علينا سلاح محشو؟! كم نصاب بالرعب عندما تسقط القنابل – نخشى الاستحمام، نخشى مغادرة المنزل، ونشعر بصدمة تمنعنا من اتخاذ قرارات صائبة، ثم الأحلام المحطمة، وسبل العيش المعطلة، والمستقبل المتقلص؛ العدالة هي الجاذبية التي تُبقينا على استقامتنا كبشر.
*ترجمت أعمالك من العربية إلى الإنكليزية والألمانية حدثينا عن فعالية الترجمة وأثرها على تجربتك الإبداعية.
ـ سأتحدث عن هذه الجزئية كحزمة كاملة؛ الترجمة، التحرير، النشر، التوزيع. هي تجربة مدهشة ومختلفة وجادة جداً، وفيها شعور عالٍ بالمسؤولية تجاه الكتاب ومحتواه، وجود كلمة، أو صيغة غير مناسبة مع الإيقاع العام لفقرة ما، قد يكون سببا للسؤال والنقاش لمعرفة ما إذا كانت مقصودة أم لا؛ الحرص الشديد والتدقيق في أصغر التفاصيل، بعدها تأتي مرحلة التحرير، الذي يأخذ وقتاً كافياً، قد يقارب الفترة الزمنية التي كُتبت فيه الرواية نفسها، ثم الشفافية في التوزيع، كنت في غاية الاندهاش عندما تحصلت على أول تقرير سنوي وصلني من الناشر عن معدل توزيع روايتي خلال عام، كل هذا جديد بالنسبة لي، صراحة لم أشعر بالعبء الذي أحسه عندما أنشر النسخ العربية، حيث يجب على الكاتب أن يكون فاعلاً أساسياً في كل تلك المراحل، وبعد هذا كله يخرج الكتاب بأخطاء لا يمكن الاستهانة بها، وهذا محبط للكاتب ومزعج للقراء؛ ربما بسبب اختلاف الإمكانات وتقييم الناشرين عندنا للكتاب الذي بين أيديهم.
بخصوص قراءة كتبي بواسطة جمهور آخر مختلف وغير متأثر بشكل مباشر بالصراع في السودان، أعتقد أنها حظيت بقراءة متأنية وتحليل غير منحاز إلا للعمل الفني وكل الأبعاد المرتبطة بذلك، كنت ممتنة لهذه التجربة وأتمنى من كل قلبي أن يخوض زملائي الكتّاب هذه التجربة لأنها مهمة في رحلة الكاتب وتطوره.