هجوم من عدة محاور و”حزام دفاعي”.. الجيش السوداني يتقدم شمال كردفان ويكبد قوات “حميدتي” خسائر


الخرطوم – “القدس العربي”: في وقت تتقدم فيه قواته على محاور ولايات كردفان، بث الجيش السوداني والقوة المشتركة للحركات المسلحة مقاطع مصورة توثق انتشار وحداتهما في ثلاث مدن رئيسية قرب مدينة الأبيض عاصمة الولاية، مؤكداً استمرار عمليات ملاحقة قوات “الدعم السريع”.

وأعلنت القوات المسلحة السودانية، مساء السبت، استعادة السيطرة على مدن بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة، إلى جانب مناطق أخرى في ولاية شمال كردفان، عقب عمليات عسكرية واسعة نفذت بمشاركة القوة المشتركة والقوات المساندة.

تحولت جبهة ولايات كردفان خلال الأشهر الماضية إلى إحدى أبرز ساحات القتال في الحرب الدائرة

وتحولت جبهة ولايات كردفان خلال الأشهر الماضية إلى إحدى أبرز ساحات القتال في الحرب الدائرة. وقال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، العميد الركن عاصم عوض عبد الوهاب محمد، إن القوات تمكنت من دخول المدن الثلاث بعد معارك وصفها بـ”العنيفة”، مؤكداً أن العمليات أسفرت عن تكبيد قوات الدعم خسائر في الأرواح والعتاد، والاستيلاء على أسلحة وآليات عسكرية، فيما انسحبت عناصرها من مواقع القتال.

وأضاف أن استعادة السيطرة على تلك المدن تمثل تقدماً ميدانياً جديداً في شمال كردفان، مؤكداً استمرار العمليات العسكرية حتى بسط السيطرة على بقية المناطق.

وفي السياق ذاته، قال قائد عمليات القوة المشتركة، الفريق جمعة محمد حقار، إن التقدم جاء عقب تنفيذ “عمليات نوعية دقيقة” أدت إلى خسائر كبيرة في صفوف قوات “الدعم”، وإجبار من تبقى منها على الانسحاب من مناطق الاشتباكات، مع استمرار عمليات الملاحقة العسكرية.

وأشار إلى أن هناك تطورات ميدانية إضافية قد يكون لها تأثير كبير في مجريات العمليات العسكرية خلال الفترة المقبلة، من دون أن يكشف عن تفاصيلها، مؤكداً أن معنويات القوات المشاركة “مرتفعة”، وأن العمليات ستتواصل وفق الخطط العسكرية الموضوعة.

وتعد مدينة بارا ثاني أكبر مدن ولاية شمال كردفان، وتمثل موقعاً استراتيجياً مهماً بحكم موقعها على الطرق الرابطة بين إقليم دارفور ومدينة الأبيض، عاصمة الولاية. كما أن السيطرة على أم سيالة والمناطق المحيطة بها تمنح القوات المتقدمة قدرة أكبر على تأمين خطوط الإمداد والطرق المؤدية إلى وسط السودان.

تعد مدينة بارا ثاني أكبر مدن ولاية شمال كردفان، وتمثل موقعاً استراتيجياً مهماً بحكم موقعها على الطرق الرابطة بين إقليم دارفور ومدينة الأبيض

وعقب الإعلان عن التقدم العسكري، توالت ردود الفعل من قيادات الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش السوداني. وقال وزير المالية والتخطيط الاقتصادي ورئيس حركة “العدل والمساواة” السودانية، جبريل إبراهيم، إن القوات المسلحة والقوات المتحالفة معها حققت “انتصارات ساحقة” في عدة محاور في ولاية شمال كردفان.

واعتبر أن ما جرى يمثل “صفحة جديدة من الصمود والعزة”، وأضاف أن هذه التطورات تزامنت مع سقوط عدد من القتلى في صفوف القوات المشاركة، مؤكداً أن العمليات العسكرية ستستمر حتى استكمال ما وصفه بـ”تحرير” بقية الأراضي.

فيما اعتبر حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، أن ما تحقق “ليس نهاية المعركة، بل بداية مرحلة جديدة من الحسم”، مشيراً إلى أن القوات المسلحة والقوة المشتركة والمقاومة الشعبية تمكنت من استعادة بارا وأم قرفة وأم سيالة وجبرة الشيخ بعد عمليات عسكرية وصفها بـ”النوعية”. وأضاف أن قوات الدعم السريع تكبدت خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.

في الأثناء، أعلنت حركة “جيش تحرير السودان” مقتل أحد قادتها العسكريين البارزين خلال المعركة، اللواء عبد العزيز إسماعيل أبكر، المعروف بلقب “مستر هجوم 77”.

وقالت الحركة، في بيان نعي، إن القائد العسكري قُتل أثناء أداء مهامه العسكرية، واصفة إياه بأنه كان من أبرز قياداتها الميدانية، ومشيدة بما اتسم به من الانضباط والشجاعة والإخلاص خلال سنوات مشاركته في العمليات العسكرية.

وأضافت أنها ستواصل أداء مهامها العسكرية رغم فقدان أحد قادتها، مؤكدة تمسكها بمواصلة القتال إلى جانب قوات الجيش السوداني.

ويأتي التصعيد العسكري في شمال كردفان في ظل احتدام الحرب بين الحكومة السودانية وقوات “الدعم”، التي اندلعت في أبريل/ نيسان 2023، وتحولت إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، وفق تقديرات الأمم المتحدة، مع نزوح ملايين السودانيين وتدهور الأوضاع المعيشية في عدد كبير من الولايات.

تتواصل التحذيرات الدولية من التداعيات الإنسانية للقتال في ولايات كردفان ودارفور، حيث تواجه مناطق واسعة نقصاً حاداً في الغذاء والدواء والخدمات الأساسية

فيما تتواصل التحذيرات الدولية من التداعيات الإنسانية للقتال في ولايات كردفان ودارفور، حيث تواجه مناطق واسعة نقصاً حاداً في الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، بينما تزداد صعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان مع استمرار العمليات العسكرية واتساع رقعة النزاع.

ويرى المحلل العسكري، حسام الدين محمود، في حديثه لـ”القدس العربي”، أن استعادة هذه المدن الرئيسية ستعزز موقع القوات الحكومية في محيط مدينة الأبيض، وتوفر لها هامشاً أوسع لتأمين طرق الإمداد بين وسط السودان وغربه، كما قد تؤثر في مسار العمليات العسكرية بولايات كردفان خلال المرحلة المقبلة.

وأشار إلى أن العمليات العسكرية الأخيرة تمثل أكبر تحرك بري تشهده الجبهة منذ أشهر، إذ نُفذت الهجمات بصورة متزامنة على عدة محاور شملت أم سيالة وبارا وجبرة الشيخ وأم قرفة، في محاولة لتفكيك خطوط انتشار قوات “الدعم” شمال مدينة الأبيض وإعادة السيطرة على الطريق الاستراتيجي الذي يربط وسط السودان بغربه.

وتحظى مدينة بارا بأهمية عسكرية استثنائية باعتبارها ثاني أكبر مدن ولاية شمال كردفان، وتشكل عقدة مواصلات تربط مدينة الأبيض بعدد من المحاور المؤدية إلى غرب كردفان وإقليم دارفور، كما تقع بالقرب من طريق الصادرات، أحد أهم الطرق البرية التي تربط أمدرمان والأبيض بالمناطق الغربية. ويرى محمود أن من يسيطر على بارا يمتلك قدرة أكبر على التحكم في حركة الإمداد والانتشار بين شمال كردفان وغرب السودان.

أما منطقة أم سيالة، فتقع شمال مدينة الأبيض وعلى مقربة من بارا، وتبعد عن الأبيض، عاصمة الولاية، بنحو 55 إلى 60 كيلومتراً، بينما تقع جبرة الشيخ إلى الشمال الغربي من بارا على امتداد طريق الصادرات المؤدي نحو غرب كردفان ودارفور. وتشكل هذه المناطق معاً نطاقاً دفاعياً متقدماً حول الأبيض، ولذلك فإن السيطرة عليها تقلل من قدرة أي قوة على تهديد المدينة أو قطع طرق الإمداد المؤدية إليها.

خبير:  العملية اعتمدت على هجوم متزامن من عدة اتجاهات بدلاً من التقدم عبر محور واحد، وهو أسلوب يهدف إلى تشتيت دفاعات الخصم

وأشار محمود إلى أن العملية اعتمدت على هجوم متزامن من عدة اتجاهات بدلاً من التقدم عبر محور واحد، وهو أسلوب يهدف إلى تشتيت دفاعات الخصم ومنعه من إعادة الانتشار بسرعة.

ورأى أن أهمية هذه العمليات لا تقتصر على السيطرة على المدن، وإنما تمتد إلى إعادة فتح محور الإمداد البري باتجاه الأبيض وتأمين أجزاء من طريق الصادرات، الأمر الذي قد يسهل حركة التعزيزات العسكرية والإمدادات اللوجستية، ويخفف الضغط الذي تعرضت له المدينة خلال الأشهر الماضية نتيجة الهجمات المتكررة لقوات “الدعم”. كما أن استعادة هذه المناطق تحد من قدرة قوات الدعم السريع على المناورة بين شمال وغرب كردفان، وتقلص خياراتها للتحرك نحو محيط الأبيض أو تهديد الطريق المؤدي إلى أمدرمان، غربي العاصمة الخرطوم.

وتداولت حسابات موالية للجيش والقوة المشتركة، عقب إعلان استعادة هذه المناطق، عدداً من المقاطع المصورة أظهرت قواتها داخل مدينتي بارا وأم سيالة، إلى جانب مشاهد لآليات قتالية مدمرة قالت إنها تعود لقوات الدعم السريع، بينما أظهرت لقطات أخرى رفع الأعلام داخل بعض المواقع التي قيل إنها أصبحت تحت سيطرة القوات المتقدمة.

ورغم إعلان الجيش والقوة المشتركة استعادة بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة وأم قرفة، رأى المحلل العسكري سليمان الفاتح، في حديثه لـ”القدس العربي”، أن تثبيت السيطرة يمثل المرحلة الأصعب، إذ يتطلب تأمين القرى والطرق الفرعية المحيطة ومنع الهجمات المضادة، خاصة في ظل اتساع الرقعة الجغرافية لولايات كردفان واعتماد العمليات العسكرية على الحركة القتالية السريعة، وهو ما يجعل خطوط السيطرة عرضة للتغير خلال فترات قصيرة إذا لم تُعزز بقوات إضافية.

أي تقدم لقوات “الدعم” نحو الأبيض من دون تأمين المدن الواقعة شمالها وغربها قد يعرض القوات المهاجمة لخطر انقطاع خطوط الإمداد

وأشار إلى أن أحد أبرز العوامل التي حدت من قدرة قوات الدعم السريع على التقدم نحو مدينة الأبيض خلال الأشهر الماضية يتمثل في طبيعة انتشار القوات المسلحة في عدد من المدن والمناطق الاستراتيجية المحيطة بعاصمة ولاية شمال كردفان. ولفت إلى أن الجيش احتفظ بوجود عسكري في محاور رئيسية، بما وفر له ما يشبه “حزاماً دفاعياً” حول الأبيض، وأتاح إمكانية تنفيذ عمليات مضادة من أكثر من اتجاه في حال تمكنت قوات الدعم السريع من دخول المدينة.

ورأى أن أي تقدم لقوات “الدعم” نحو الأبيض من دون تأمين المدن الواقعة شمالها وغربها قد يعرض القوات المهاجمة لخطر انقطاع خطوط الإمداد والتعرض لهجمات من الخلف أو على الأجنحة، وهو ما قد يؤدي إلى محاصرتها داخل المدينة إذا تمكن الجيش من شن هجمات معاكسة انطلاقاً من قواعده في المناطق المجاورة. وأشار إلى أن معارك بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة هي معارك لحسم السيطرة على محاور المناورة والإمداد قبل أن تكون معارك للسيطرة على مدن بعينها.

 



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *