نهاية عصر “المعجزة”.. إسرائيل تقود الضفة الغربية إلى “وضع بلقاني”: إبادة بمبررات أمنية


 د. ميخائيل ميلشتاين

الرد الشائع على الهجمات الخطيرة في الضفة الغربية هو إرسال قوات إلى المنطقة خوفًا من “انفجار وشيك”. يُعدّ هذا ردًا فعالًا على البنى التحتية الإرهابية المتجذّرة والاضطرابات واسعة النطاق، ولكنه غير كافٍ لمواجهة ما يحدث في الأشهر الأخيرة في أعقاب تصاعد الاحتكاك العنيف بين اليهود والفلسطينيين. هذا هو السياق الذي وقع فيه الهجوم العنيف مؤخراً قرب “حفات جلعاد”: جهدٌ واعٍ من المستوطنين للاشتباك مع الفلسطينيين، غالباً باللجوء إلى العنف، بدعمٍ من مسؤولين حكوميين رفيعي المستوى، بقيادة سموتريتش، الذي يرفع راية “الثورة” في الضفة الغربية، وينصبّ تركيزه على توسيع الاستيطان. وقد زعم اللواء قائد المنطقة الوسطى مؤخراً أن عدم انتهاء الغارات العنيفة التي يشنها المستوطنون بالقتل والاختطاف يُعدّ “معجزة”. يبدو أن عهد المعجزات قد ولّى.

لا نهدف هنا إلى الخوض في “التماثل”، بل إلى شرح خصوصية هذا الصراع والعدو هذه المرة، بعيداً عن الشعارات. ولأن المهاجمين من السكان الفلسطينيين ليسوا أعضاءً في هياكل تنظيمية، ولم يخطط جزء كبير منهم للهجمات التي نفذوها إلا بعد اندلاع الاحتكاكات، فلا جدوى تُذكر من نشر القوات بكثافة في المنطقة. الأمر الأكثر غرابة هو الحلول المقترحة، التي لا تعكس فكراً عسكرياً، بل تطلعات سياسية وقطاعية وأيديولوجية. يشرح قادة “الثورة”، بقيادة سموتريتش، هدفهم الحقيقي: القضاء على البلدات الفلسطينية (“إخلاؤها كما حدث في مخيمات اللاجئين شمال السامرة”، كما أوضح الوزير، الثلاثاء)، وشن حرب شاملة ضد السلطة الفلسطينية، أي تنفيذ خطة الحسم للعام 2017. كل هذا يحدث رغم أن الوضع هو الأكثر استقراراً منذ سنوات.

رغم الجهود المبذولة لمساواة الهجمات الأخيرة بالتهديدات الإرهابية “العادية” واعتبار الرد عليها ردًا عادلًا يحظى بالإجماع، فإن قادة “الثورة” عاجزون عن منع التساؤلات العميقة التي يطرحها كثيرون من العامة حول جدوى “الرحلات” غير المنسقة إلى القرى الفلسطينية

رغم الجهود المبذولة لمساواة الهجمات الأخيرة بالتهديدات الإرهابية “العادية” واعتبار الرد عليها ردًا عادلًا يحظى بالإجماع، فإن قادة “الثورة” عاجزون عن منع التساؤلات العميقة التي يطرحها كثيرون من العامة حول جدوى “الرحلات” غير المنسقة إلى القرى الفلسطينية، ومدى صحة الادعاء بأن المزارع تحمي إسرائيل وتُعدّ ثروة وطنية، وهل من الضروري، في ظل تزايد احتمالية اندلاع حرب جديدة مع إيران واستنزاف الاحتياطيات العسكرية إلى حدّ الإنهاك، إشعال جبهة أخرى بالقوة؟

وفي خلفية ذلك، تتفاقم أوجه التشابه مع “المغامرات الأيديولوجية” التي انتهت بنتائج مأساوية، مثل تلك التي قُتل فيها الجندي الراحل غور كهاتي في لبنان، ومن المثير للدهشة أن حوادث خطيرة لا تتكرر يوميًا (حتى الآن) على الحدود السورية التي يعبرها نشطاء حركة “رواد الباشان”. كل هذا يُجسّد الحقيقة المؤلمة المتمثلة في أن “الثورة” في الضفة الغربية، التي تتسارع وتيرتها مع اقتراب موعد الانتخابات، ليست مشروعًا وطنيًا راسخًا في قلوب الشعب، بل مشروع قطاعي تُروّج له دوافع دينية، ويُفرض فعليًا على جميع الإسرائيليين، دون علمهم بما يجري وراء الخط الأخضر، ودون أن يُسألوا عن آرائهم، أو أن يكون لهم أي تأثير على المسيرة نحو الدولة الواحدة.

هجوم الثلاثاء يعكس في الواقع اندماجًا متزايدًا بين مجموعتين سكانيتين متخاصمتين، وسعيًا واعيًا نحو واقع بلقاني يصبح “روتينًا يوميًا” في كيان “موحد”. يتطور في الضفة الغربية وجود فريد يسعى لأن يصبح هو وضع الأمة، ويتضمن تقديس مفهوم “المزيد من الأراضي” لدوافع دينية مُقنّعة بمبررات استراتيجية؛ ويبني عالم قيم بديلاً يُصبح فيه العنف ضد الفلسطينيين هو القاعدة؛ وتصوير الحرب على أنها وجود أبدي. يجسد هذا إلى حد كبير تزايد عزلة القطاع الذي يمثله سموتريتش عن شريحة واسعة من الجمهور، متوهمين أنه “رائد مختار” للترويج بمجيء الخلاص ويؤدي رسالة تاريخية.

على المواطنين الإسرائيليين إدراك التداعيات الخطيرة لـ”الثورة” في الضفة الغربية. فإلى جانب الشعور المتنامي في العالم بأن الضفة الغربية، برعاية وتشجيع من الحكومة، تتحول إلى أرض خارجة عن سيطرة إسرائيل، تهيمن عليها قوى وقيم مختلفة عن تلك الموجودة داخلها، مع وجود قوات الأمن، بقيادة الجيش، في المنتصف، تتجنب طوعًا أو عجزًا، الاحتكاك مع “رواد الثورة”، فإن فكرة التطبيع مع الدول العربية التي لا تزال تشترط مناقشة القضية الفلسطينية، تتلاشى أو تختفي تمامًا. كما يعزز تصاعد العنف اليهودي في الضفة الغربية صورة إسرائيل كـ”دولة فصل عنصري”، مما يوفر ذخيرة لجميع أعدائها الذين يتبنون أفكار حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) وينكرون وجود الدولة من الأساس. الردّ البالي بأن هذه “تعبيرات عن معاداة السامية” وأنّ الدعاية يجب تكثيفها، ردٌّ غير فعّال بل ومثير للسخرية.

وبالنظر إلى تقديرات مسؤولي الائتلاف بأنّ اتخاذ خطوات جذرية في الضفة الغربية سيُفيدهم انتخابيًا، يتأكد خطر اتخاذ خطوات جذرية (مرة أخرى) خُلّ بالتوازن الاستراتيجي، كضمّ الأراضي، وإلحاق ضرر بالغ بالسلطة الفلسطينية، وتشريد السكان الفلسطينيين. وكما حدث بعد الهجوم الفاشل على قطر قبل نحو عام، والذي دفع ترامب إلى فرض إنهاء الحرب في غزة، يبدو الآن أنّ لموقفه وزنًا حاسمًا.

ما يحدث في الضفة الغربية يجب أن يكون محور الحملة الانتخابية، وأن تُصاحبه مواقف أكثر وضوحًا من جميع المرشحين. وفي هذا السياق، ثمة حاجة ماسّة إلى تحذير شديد اللهجة من خطاب مُشبع بنزع الشرعية، الذي تصاعد مؤخرًا من قِبل عناصر في الائتلاف تُحذّر من “صعود حكومة مدعومة من عناصر إرهابية وتطمح إلى إقامة دولة فلسطينية في قلب إسرائيل”. من الضروري الآن مناقشة إمكانية تشكيل حكومة جديدة تعارض “ثورة” سموتريتش وتطبيق رؤية الدولة الموحدة القطاعية. ويجب التأكيد أنه في حال تشكيل هذه الحكومة، ستكون قراراتها مشروعة، وأن العصيان، فضلاً عن اللجوء إلى العنف في مواجهة سياسة مختلفة مستقبلاً، أمرٌ لا يُمكن قبوله. فقد يُؤدي ذلك إلى شرخ عميق وحاد في الوضع الهش أصلاً الذي يعيشه المجتمع الإسرائيلي بعد سنوات طويلة من الحرب المريرة والانقسامات الداخلية.

يديعوت أحرونوت 26/7/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *