إنها ترقد بسلام
بما أن السيرة الذاتية ارتبطت بنظام سردي تاريخي وقانوني، فإن علاقة السيرة الذاتية والشعر تثير إشكالات متراصة، منهجية ومعرفية وجمالية، وفي طليعتها مسألة المرجع. فالتفاعل المتبادل بين المرجع والحقيقة قد يتحقق بواسطة السرد، وهو الفضاء الذي يمكن أن تتجلى فيه هذه العلاقة المتبادلة بينهما، من دون صعوبات ناجمة عن أولوية المنطقي على الزمني أو العكس، إلا أنه في الشعر تتم إعادة صياغة هذه العلاقة؛ أي العلاقة بين نظام الحقيقة ونظام المرجع، حيث لا يمكن للنظامين أن يرتبطا بالطريقة نفسها داخل السرد أو النموذج الأجناسي للسيرة الذاتية.
يقترح جان باتريس كورتوا لدراسة النظام السيرذاتي للشعر مفهوم «الأثر»، ويرى أن الشعر يكشف عن وضع غير متجانس لهذه الآثار؛ فهي قد تتراوح بين ما هو شديد المحلية وما هو بالغ الشمول. إننا بصدد فضاء من «الآثار» السيرذاتية بالغ التنوع. ففي النظام السيرذاتي للشعر الغنائي مثلاً، تكون العلاقة بين نظام الحقيقة ونظام المرجع علاقة تذبذب أو خفوت وظهور، لأن نظام الحقيقة الذي يُقاس به المحتوى السيرذاتي يجعل نظام المرجع نفسه يتذبذب، بحيث لا يظهر إلا من خلال ذلك الوميض المتقطع؛ وهذا التذبذب نفسه هو توقيع النظام السيرذاتي في مقابل النظام «البيوغرافي» للأشياء والأحداث.
وفي الشعر الحديث، ضمن هذا التصور، يُدرس نوعان من القصائد ذات النظام السيرذاتي: من جهة، ثمة شعر يتحدد بعلاقته القائمة على المشابهة مع ما سماه فيليب لوجون بـ»الميثاق السيرذاتي»، ومن جهة أخرى شعر يتحدد بعلاقته القائمة على «اللاتشابه» مع الميثاق نفسه. ومع ذلك، فإن التعرف إلى الأثر السيرذاتي الذي يقترحه، يفترض وجود عملية تعيين خارج نصية، فلا مناص من علامة خارج النص حتى يتمكن النظام السيرذاتي من الوجود. وهذه العلامة الخارجية تمثل بدورها ما يمكن تسميته بـ»الواقعة التذكارية»؛ وهي تكون شيئاً بالغ الأهمية يبقى أولاً في صورة أثر خارج النص، ثم يتحول إلى أثر داخل القصيدة. وربما ثمة آثار أو تأويلات سيرذاتية كامنة في مواضع لم يتم التعرف إليها بعد، ولن نعرف عنها شيئاً أبداً. وربما لم تُخلق هذه الآثار أصلاً، لكي تُكشف وتُستخرج إلى العلن فتُقرأ بوصفها آثاراً سيرذاتية. إنها ترقد بسلام.
وفق هذا التصور:
*لا تظهر السيرة الذاتية في الشعر على شكل اعتراف مباشر.
*بل تتجلى في آثار متناثرة داخل الشكل أو الإيقاع أو الصورة أو الزمن.
*وهذه الآثار لا تُكتشف دائماً من داخل النص وحده، بل تحتاج أحياناً إلى وثائق خارجية (رسائل، مذكرات، شهادات، هوامش نقدية).
*وقد تبقى بعض الآثار مجهولة إلى الأبد، فتظل جزءاً من الطاقة الخفية التي تحرك الكتابة، من دون أن تتحول إلى معنى قابل للتأويل.
ولهذا فإن مفهوم «الأثر»، هنا، يقترب من التصورات التأويلية المعاصرة، كما عند جاك دريدا، حيث لا تكون الحقيقة معطاة بصورة مباشرة، بل تظهر عبر علامات متقطعة وآثار جزئية لا تكتمل أبداً. فالأثر السيرذاتي، والحال، يحافظ على الدلالة التي تشير إلى حضور غير مباشر، أو جزئي للذات الكاتبة داخل النص، من دون أن يرتقي هذا الحضور إلى مستوى السيرة الذاتية الصريحة. ففي قصائد أو أعمال شعرية، لا يكون الأثر السيرذاتي معطىً منذ البداية بالوضوح نفسه، ومن هنا تنشأ فكرة الأثر.
حول هذه الفكرة، أي فكرة الأثر، يطرح جان باتريس كورتوا ثلاثة مشاكل يوضحها من خلال ثلاثة نماذج شعرية مختلفة (فيكتور هوغو، روني شار، فرانك فيناي): أولاً، هناك مشكل مورفولوجيا هذه الآثار: هل ترتبط دائماً بالشكل؟ وبالتالي، هل لها شكل؟ ثم مشكل المحتوى والكثافة: هل كثافة هذه الآثار هي التي تمنح القصيدة أو مجموعة القصائد محتواها السيرذاتي؟ بأي عتبة؟ وأخيراً، هناك مشكل الزمنية، أي ما يمكن أن يماثل، أليغورياً، زمنية واقعية.
كتاب موت
لنبدأ بالشاعر فيكتور هوغو؛ ففي قصيدة «إلى فيلكييه»، التي يرثي فيها ابنته ليوبولدين في ديوان «التأملات» Les Contemplations، والموقعة بتاريخ 4 سبتمبر/أيلول 1847، يرد هذان البيتان اللذان يعبر فيهما هوغو عن موت ابنته: «ما زلتُ أحدق في تلك اللحظة من حياتي/ حيث رأيتها تبسط جناحها وتحلق بعيداً!». لنتأمل البيت الثاني، ولنلاحظ الآتي: «حيث رأيتها تبسط / جناحها وتحلق بعيداً»- أضع هنا اللازمة للدلالة على الوقفة العروضية la césure. ما يلفت الانتباه هو أنه من خلال التتابع الزمني للبيت وشكله يُرى أن ليوبولدين قبل الوقفة لم تكن ميتة، ثم تموت بعدها، أي تكون قد ماتت عند نهاية البيت. بعبارة أخرى، إن ليوبولدين تموت في الوقفة. فالوقفة، والحال، ليست سوى مفهوم خالص لتمفصلٍ شكل البيت المركب من مقطعين. الوقفة تمفصلٌ شكلي؛ ومن ثم فإن أثر الحدث المراد قوله يحدث داخل هذا الأثر الشكلي، لكن لا يقال بصريح العبارة.
يظهر أن قصيدة هوغو تنتمي إلى نمط من الشعر الذي لا يمكن أن يوجد إلا إذا تأكد الصوت من حقه في الكلام. غير أن هذا الصوت، هنا، يمنع نفسه من الكلام على نحوٍ ما، وينخرط في ذلك التناقض الغنائي الذي اشترطه هوغو، وهو أن هذا الكتاب ينبغي أن يُقرأ بوصفه كتابَ موت.
تحل الوقفة مشكلة التفاوض بين ثلاثة توقيعات حول هذا القول:
*التوقيع الأيقوني المتمثل في الغرق والموت (وهما غير قابلين للتمثيل).
*والتوقيع الإيقاعي ـ العروضي الذي يسمح، على هذا المحور، بإلغاء التوقيع الرمزي، أي إلغاء الصوت الذي يؤكد حضوره. لحظة موتها هي لحظة موتي. ووحده أثر الوقفة يمكن أن يضع داخل الشكل صدىً غيرَ مسموعٍ هو صدى الموت بوصفه حدثاً سيرياً؛ ثم إن هذا الصدى يتحول إلى عنصر سيرذاتي في صورة أثرٍ ما تحت – بلاغي (infra-rhétorique).
ومن ثمة يمكن إعادة قراءة الديوان كله بوصفه قائماً على الوقفة الفاصلة بين ما مضى واليوم، وهما القسمان اللذان يتألف منهما ديوان «التأملات». فالوقفة هي الشكل الأساسي الذي ينتظم الكتاب كله، وتخضع لها الخطية الزمنية والتسلسل الكرونولوجي: (ما مضى: 1830 – 1843/ اليوم: 1843- 1856؛ أي ثلاثة عشر عاماً في كل قسم). وهذا ما يسمح بفهم مجموع التعديلات التي أجراها هوغو على التواريخ داخل الديوان. ثم إن القصيدة نفسها «تمثل» شكلاً آخر من أشكال الوقفة في تنظيمها المقطعي، إذ تتعاقب فيها رباعيات مكتوبة على الوزن الألكسندري مع رباعيات أخرى تجري على توزيع 12 + 6 بالتناوب. وأضيف أن الوقفة بوصفها ضريح ليوبولدين، لا تظهر إلا في المقطوعة الثالثة والثلاثين من أصل أربعين تشكل لحمة القصيدة، وهو ما يوحي، بصورة خفية ودقيقة، وعلى أساس بلاغي خفي كذلك، بوجود تأويل مجازي ذي بعد مسيحي.
تأويل الاستعارة
ننتقل إلى الشاعر روني شار، ففي قصيدة «سبع قطع من اللوبيرون»، وهي القصيدة الأولى من قسم «العودة إلى المنبع» الذي يفتتح ديوان «المعدم الضائع»Le Nu perdu (1971)، نجد هذه الرباعية: «إن غرقك لم يترك شيئاً/ سوى دفةٍ لقلبنا/ وصخرةٍ جوفاء لخوفنا/ يا بويو، أيتها السفينة المعذبة!». بويو (Buoux) عبارة عن كتلة صخرية تمتد بمحاذاة منطقة اللوبيرون، وتضم بقايا مساكن محفورة في الصخر. ومن ثمة تبدو استعارة السفينة والدفة لغزاً محيراً. غير أن الطرف الأعلى من هذا النتوء الجبلي يقدم مفتاح الحل، إذ يظهر هناك صخرٌ على هيئة دفة سفينة، فيحول الكتلة الصخرية بأكملها إلى ما يشبه سفينةً عملاقة. وهكذا تصبح الاستعارة حرفيةً في أساسها، مستندةً ـ كما هي الحال دائماً عند روني شار ـ إلى معرفة دقيقة بجغرافيا بروفانس. فالملابسة الواقعية تحضر هنا، لكنها في الوقت نفسه يُعاد دمجها كلياً داخل فرادةٍ يستحيل فك شيفرتها بالنسبة لمن لم يزر المكان بنفسه. إنها مستعصية على الفهم، ومشفرة في آن.
ما يظهر هنا هو الأثر السيرذاتي الذي لا يمكن إدراكه إلا ضمن علاقة بيوغرافية عامة تربط روني شار ببروفانس. فالسيرذاتي يندرج موضعياً وبشكل خفي داخل معطى بيوغرافي شامل (أي علاقة شار ببروفانس)، من غير أن يتيح هذا المعطى استنتاجه مباشرة. فالمحتوى السيرذاتي الذي يمكن استنتاجه ـ ومفاده أن شار زار هذا المكان، وأنه لا بد أن يكون قد انحنى عند نهاية الصخرة ليرى «الدفة» المجازية ـ لا يتناسب ومقدار ما يكشفه النص من مصدر واقعي (بروز الرواسب). فالأثر السيرذاتي لا يكشف إلا عن استعارة السفينة والدفة، وهما بدورهما يشيران إلى سر شكلٍ ما وإلى لغز هذا الظهور المفاجئ. ومن هنا، إذا ميزنا بين البصمة والأثر، أمكن القول إن الأولى أقوى في ما يبدو الأثر خافتاً أو يكاد يكون غير محسوس.
الذات في هيئة نهر
بخصوص ديوان فرانك فيناي «الانحدار مع نهر الإسكو» La Descente de l’Escaut(1995)، فهو يحدد نقطة الانطلاق والوصول على امتداد النهر. فالشاعر سار على ضفافه مشياً، وأبحر فيه، ثم استأنف سيره في اليوم التالي من «الأثر» نفسه الذي كان قد تركه مساءً. غير أن البناء الأليغوري للديوان لا يتبع الترتيب الذي كُتبت به النصوص يوماً بعد يوم. فما يتقدم هنا هو نظام الشكل؛ أي نظام متتاليات القصائد التي تفصل بينها نجوم طباعية، بينما يبقى الماء هو نفسه دائماً، وفي الوقت نفسه لا يكون كذلك. وقد ولّد هذا الماء تنوعاً مدهشاً من الأشكال الشعرية، من غير أن ينقطع خيط الرحلة أو الحج الشعري. إنها سيرة ذاتية لذاتٍ في هيئة نهر، مثلما تجلتْ في هيئة حصان فلمنكي، أو منظر طبيعي سويسري، أو فضاء ترييستي.
إن قطب – ذات السيرة الذاتية لا يسعى إلى أن يصبغ قطب الموضوع ــ أي النهر ــ بألوان إدراك ذاتي، بل إن «لغة فيناي» كما يسميه فيناي نفسه تكتب العلاقة التبادلية بين التلوينين معاً، ولنتذكر هنا قصيدته المعنونة: «بورتريه ذاتي للشاعر بوصفه موضوعياً غنائياً». فالرسالة الغنائية الخاصة بالنهر لا تنفصل عن تجسيده المادي، وربما يبلغ هذا التجسيد ذروته في قوله: «سنفلح في نهاية المطاف في رؤية شرج هذا النهر!/ يكفي أن نذهب إليه وننظر!». غير أن هذا النهر، المليء بالغرقى، هو نفسه ميت؛ جسدٌ ميت تكشفه الصياغة النحوية الصاعقة باستحالة هذا الماء المتدفق من الموت ومن الذات معاً: «ولكن ماذا لو كان الماء نفسه هو الذي يغرق؟/ من أين تأتي النجدة؟/ ومن الذي يدرك شكواه؟».
ومع ذلك، يظل النهر حياً في الأعماق، من خلال «حضوره الغريب، الصوفي، والمتوحش الصامت، لنهر حي تحت النهر». فالنزول إلى ما تحت النهر، إلى النهر الميت ذاته، الذي انحدر مع الزمن والتاريخ كما في الحوادث المتنوعة التي يخاطبها الشاعر، يكشف أننا بصدد نهر هو في جوهره تعقيدٌ زمني. ولهذا السبب، يقوم كل شيء في هذا الكتاب على المونتاج ابتداءً من الملاحظات التي دونها الشاعر أثناء سيره على ضفاف النهر. ولهذا كذلك، ترافق رحلة الشتاء هذا المسير؛ فالموسيقى هي الفن الذي يجسد حضور الإنسان في الزمن كما يقول هيغل أو ما يقارب ذلك.
وإذن، فالأثر السيرذاتي ـ كما يقترح الكاتب- لا يتجلى في شكل علامة مكانية أو شكلية فحسب (كما عند هوغو وشار)، بل يتجلى أيضاً من خلال إعادة بناء الزمن. فـ«الإسكو» ليس مجرد نهر حقيقي سار بمحاذاته فيناي، بل يصبح شكلاً زمنياً معقداً تتداخل فيه ذاكرة الشاعر، وتاريخ المكان، وموت الغرقى، الزمن الشخصي كما الجماعي. فالسيرة الذاتية هنا لا تُبنى عبر سرد الحياة مباشرة، بل عبر أثرٍ زمني مُتشظ يعيد تشكيل التجربة في هيئة نهر؛ وهذا ما ينسجم مع أطروحة النص كلها: السيرذاتي في الشعر لا يظهر غالباً بوصفه تصريحاً مباشراً، بل بوصفه أثراً (trace) خافتاً، يتخفى في الشكل، أو المكان، أو الزمن.
كاتب مغربي