لا أدري إن كان هو العمر الآخذ في التقدم نحو النهاية، أم هي أحداث هذه الحياة الداخلة في بُعد مختلف عن كل ما سبقها من أبعاد الحياة، أم هي التكنولوجيا التي تكشف أكثر مما يجب كشفه وتذهب مذهباً من العنف والبشاعة والغرابة والجنون أعمق وأفظع من كل المذاهب الإنسانية السابقة. لا أدري فعلياً، لكن كل ما أعرفه أن الحياة الحالية أضحت مرعبة، وأن العيش فيها هو المخاطرة الأكبر والأكثر حماقة.
كل القادم في هذا المقال يحدث توازياً حدثياً وتزامناً وقتياً، فكيف يمكن أن تحدث كل هذه الأشياء معاً في ذات المكان والزمان؟ كيف يمكن لأعتى وأقذر جيش في العالم أن يهاجم أضعف وأصعب الأطفال ظروفاً بحقد وتشفّ، أن يُستخدم المدنيون الجوعى والعطشى كأهداف لهواية القنص، أن يصرح «رئيس العالم» متربعاً على رأس عمله وآمناً في منصبه، بتصريحات عنصرية جنسية غاية في التدني والغباء، مدخلاً دول العالم في صراعات مميتة، وأن يصبح الذبح والاغتصاب فيديوهات مرئية ومتوافرة للجميع بتواليها عبر وسائل التواصل، وأن تترجى الطفلة هند من داخل سيارة مليئة بجثث أهلها من ينقذها عبر تسجيل مرئي ومسموع؟ كيف أصبح ممكناً أن ينتحر الناس ويشحذون بل ويمارسون بيع الجسد عبر شاشات التلفون، أن يحل ذكاء اصطناعي غبي يرمي لتغبية البشر وتجهيلهم وتغييبهم محل العقل البشري بشكل كامل وتام، أن تُضرب وتُسحل الشعوب الأوروبية «الحرة» في الشوارع، وأن يتكشف تورط أهم وأذكى وأغنى البشر في أقذر وأفظع وأكثر ملف إجرامي تروّعي في تاريخهم؟ كيف يمكن أن يحدث ذلك كله دون أن تتحرك البشرية كلها إما لإنقاذ جنسها وللحفاظ على بقائه، أو للقيام بانتحار جماعي ينهي هذا الكوكب بمن عليه؟
كيف يمكن لأيديولوجية جنونية غريبة مثل أيديولوجية السانتولوجي، أن تقنع آلافاً مؤلفة من البشر بالانضمام إليها، وتستقطب كبار فناني ومشاهير العالم، وتستحوذ على الملايين من الأموال مستخدمة خيالاً علمياً قديماً لإعادة برمجة البشر نفسياً وروحانياً؟ ربما كل الأديان تنطوي على جانب من الغرابة، غرابة تتجلى بوضوح للبعيدين عنها، بينما تشكل منطقاً راسخاً لمعتنقيها، إلا أن الأديان البشرية كلها، القديمة منها والحديثة، كان لها هدف منطقي ما، فإما أنها كانت تنطوي على رحلة ملحمية للبحث عن سر عميق حول الحياة والبشرية، كما في الأديان الشرق آسيوية، أو تحتوي على آلهة متعددة تتعامل مع ما يمس حياتهم بشكل مباشر، كما آلهة الإغريقيين للفلسفة والحرب والحب والجمال، وآلهة المصريين للنهر والشمس والزراعة، أو إله يعطي معنى لخلق الكون ولوجود البشر فيه، معنى يتجلى في الخلود الفردوسي الذي يحقق سعادة دائمة والتي هي الغاية القصوى للبشرية والأمل الدائم لها كما في الأديان التوحيدية الحديثة. ورغم أن كل هذه الأديان تنطوي على ما قد يبدو مستغرباً عند غير أتباعها، فإن خرافة الساينتولوجي تحكي قصة أخرى؛ عن بشر آخرين ينتمون إلى عالم عصري مختلف في تكنولوجيته وتطوره وغرابته وابتعاد فلسفته عن كل منطق.
كيف يمكن لعقارب الساعة أن تدور عكس اتجاهها وأن يعود الزمن للخلف، تاركاً عصر الحرية والديموقراطية وحكم الشعوب لأنفسها ومفهوم الحكومات التي تخدم الشعوب، ولو صورياً، إلى زمن قهري ظننا أنه غادر إلى غير رجعة، إلى عصر القمع والضرب بالهراوات في الشوارع والسحل على الأرصفة والدكتاتورية الشمولية في الحكم والحكومات التي تقهر الشعوب وتعتقلها وتعذبها، بل وتقتلها دون أي تحفظ أو تبرير أو حتى إخفاء أو تمويه، حكومات كانت إلى زمن قريب تتغنى بالحرية والديموقراطية وخدمتها المخلصة لهذه الشعوب؟ كيف يمكن أن يمر رئيس مثل ترامب عبر كل الممرات والدهاليز السياسية بكل ما يحمله من فضائح سرقات ضرائبية وتعديات جنسية وقضايا إبستينية وتصريحات وألفاظ تعف النفس عن ذكرها، في حين أن رئيساً مثل كلينتون تمت محاكمته وانهارت سمعته بسبب علاقة خيانة «بسيطة» مقارنة بما يحدث ويتكشف الآن؟
ربما دخلنا، كما يقول الكثير من مجانين التيك توك، بعداً زمنياً آخر، أو ربما انتهت الحياة فعلياً في 2012 وكلنا موتى حالياً، وما كل ما يحدث لنا وحولنا سوى صور من ذاكرة جمعية مريضة، أو أحداث لحياة مختلفة في كون آخر أدخلنا الموت جمعياً فيها. لا شيء يمكن أن يفسر كل تلك الغرابة المريضة التي نحياها، كل هذا التناقض الذي نشهده، كل هذا الانهيار للقيم والمبادئ التي احتاجت البشرية لآلاف السنوات لبنائها، كل هذا العنف ضد المدنيين والأطفال، كل هذه الدكتاتورية ضد شعوب لم تعتد سوى الحرية والمشاركة في الحكم، أقول لا شيء يفسر كل ذلك سوى أننا تركنا الحياة التي كنا نحياها، على الكوكب الذي كنا نستقل، في المجرة التي كنا نسكن، دخولاً في كون آخر من بعد آخر لحياة أخرى انقلبت فيها الموازين واختل فيها كل منطق.
لقد انتهى زمن الإنسان الحر، انتهى زمن الطبقة المتوسطة، انتهى زمن الحقوق الإنسانية وحماية الطفولة واستحقاق المدنيين. نحن نعود سريعاً وحثيثاً للوراء، وكأننا نحيا في شريط فيديو قديم يدور شريطه البلاستيكي عكسياً إلى بدايته. كيف ومتى ولماذا حدث ذلك كله؟ لا أحد يستطيع تفسير هذه الغرابة، والأهم لا أحد يقدر على تفسير هذا الصمت المدوي، هذا الصمت العالمي تجاه أمريكا وإسرائيل، هذا الصمت الأمريكي تجاه ترامب، هذا الصمت الشعبوي تجاه حكوماتهم القمعية. لماذا لا يسفر كل هذا القهر والقمع والعذاب والألم حتى عن آهة بشرية تذكر بجنسنا الذي كان قبل عشر سنوات؟