قرب علم لبنان الذي تم تعليقه بسرعة بين سياج مفكك وعامود كهرباء وخلفه منازل قرية زوطر الغربية المدمرة، وقف رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام وألقى خطاباً مرتجلاً. كان متلعثماً بعض الشيء، وقد “أطلق” فيه “اللحظة الوطنية التي تحمل دلالات سياسية وأخلاقية كبيرة، لأنها تمثل بداية انسحاب إسرائيل من أراضينا”.
لم تكن زوطر الغربية خاضعة للاحتلال الإسرائيلي المباشر. لذلك، فإن الانسحاب منها ليس لحظة تاريخية حتى الآن، ومن السابق لأوانه تقييم تداعياته السياسية والأخلاقية. ينتظر الجيش اللبناني والحكومة اللبنانية طريق طويلة وصعبة. فما زالت هناك مسائل فنية كثيرة لم يتم حلها ولم يتم الاتفاق حولها، ولم يقرر حزب الله حتى الآن إذا كان سيرد على الأرض وكيف. كل ذلك سيحدد إذا كان الاحتفال الرمزي في زوطر هو البداية أم النهاية لخطوة جريئة وغير مسبوقة أطلقتها حكومة لبنان.
حدثت الواقعة المهمة قبل يومين. التقى الرئيس اللبناني جوزف عون مع ترامب، الذي منح لبنان صفة الدولة الشرعية. دولة تستحق ليس فقط الدعم والمساعدة المالية والعسكرية، بل دولة قد يسجل فيها أول نجاح دبلوماسي لترامب في حربه ضد إيران.
عون، (62 سنة)، الذي كان قائد الجيش اللبناني، شخص لافت للنظر وجذاب ومثقف، ويتحدث ثلاث لغات بطلاقة (العربية والفرنسية والإنجليزية). ولم يأت إلى واشنطن وحده. فقد وصل حيث كان يقف خلفه دعم سياسي كبير يتمثل بالسعودية، التي بذل حاكمها محمد بن سلمان جهوداً كبيرة للترويج للزيارة. ووعده عشية مغادرته بتقديم المساعدة “بقدر الإمكان في كل المجالات”. وقد حمل عون معه أيضاً علاقة جديدة مع الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي يظهر نشاط علني وحازم ضد حزب الله، ليس فقط من خلال العمليات العسكرية التي ضبطت شحنات سلاح عبرت الحدود من العراق إلى لبنان، بل أيضاً من خلال تكثيف العمليات على طول الحدود مع لبنان.
وإلى الشرق قليلاً، في العراق، يوجد رئيس دولة آخر وهو علي الزيدي، الذي التقى مع ترامب قبل أسبوع واتفق معه على خطوات لنزع سلاح المليشيات الموالية لإيران. وحسب الاتفاقات، فإنه من المفروض أن تنتهي هذه الخطوات في 30 أيلول القادم، وهو التاريخ الذي ستنسحب فيه كل القوات الأمريكية من العراق. هذا محور غير رسمي لدول، التي تعمل في الواقع بشكل منفرد، ولكن نتاج عملها المشترك قد يقلل، بل ويحيد، نفوذ إيران الإقليمي من خلال تقويض قوة وكلائها بشكل كبير. إن هذا طموح بعيد المدى ويتوقف نجاحه على قدرة كل دولة من هذه الدول على التعامل مع البؤر الإيرانية الموجودة على أراضيها. يواجه لبنان التحدي الأصعب والأكثر خطراً. وقد يكون لنجاحه فيه آثار بعيدة المدى على نجاح كل المحور.
هذا المحور لم يكن مبادرة مخططاً لها مسبقاً على طاولة البيت الأبيض، بل تطور بالتدريج خلال حرب غزة، واكتسب قوة كبيرة بعد إسقاط نظام الأسد في سوريا على يد مليشيات الشرع (كانون الأول 2024)، الذي بضغط من السعودية قام ترامب بتبنيه. وحصل المحور على دعم إضافي بعد انتخاب الزيدي في العراق وأصبح جزءاً من مفهوم استراتيجي أوسع في الحملة المستمرة ضد إيران.
ولكن في هذا النسيج بالتحديد، الذي ساهمت إسرائيل في تطويره عسكرياً والذي يعتبر أساسياً لموقعها الاستراتيجي في المنطقة، تجد إسرائيل نفسها الآن في دور لاعب ثانوي، عاجزة عن التأثير وتشكيل نتائجه. كان وقف إطلاق النار الجزئي في لبنان مفروضاً عليها في البداية من قبل ترامب، الذي فضل التفاوض مع إيران. اشترطت إيران وقف إطلاق النار في لبنان، ما كان سيؤدي إلى توحيد جبهات القتال في لبنان وإيران. بعد ذلك، حول ترامب وقف إطلاق النار الجزئي إلى وقف شامل، وهو الآن يعتبره، إلى جانب انسحاب إسرائيل، أداة رئيسية لفصل الجبهتين. وتجاهل ترامب أيضاً إسرائيل في مسألة نزع سلاح حزب الله عندما “عرض” على سوريا تنفيذ هذه المهمة، وبرر ذلك بصراحة بأن “الشرع سينفذ المهمة بشكل أفضل من إسرائيل”. ورغم رفض الشرع لهذا العرض وإعلانه بحكمة أن “أيام التدخل العسكري السوري في لبنان انتهت”، إلا أنه ما زال شريكاً كاملاً في العملية الأوسع التي سيمثل فيها المعقل الشرقي للبنان في مواجهة حزب الله، والدرع الغربي في مواجهة إيران. والآن، يمكن لإسرائيل أن تتوقع وصول رسالة من البيت الأبيض قريباً، تأمرها بالبدء في الانسحاب من الأراضي السورية أيضاً، لتمكين الشرع من فرض السيادة على كل دولته.
أمس، تفاجأت إسرائيل من جديد. فقد أعلن ترامب عن موافقته على توقيع اتفاق مع السعودية لبناء مفاعل نووي، الأمر الذي يخالف موقف إسرائيل. ولا يخفى على أحد بأن البرنامج النووي السعودي كان أحد الوعود التي أعطاها بايدن للسعودية، شريطة التطبيع مع إسرائيل. وقد تنازل ترامب عن هذا الشرط وأوضح لإسرائيل للمرة الثانية بأن خارطة المصالح الأمريكية لا تتوافق مع مصالحها.
لم تخف السعودية خطتها لتطوير “دورة نووية كاملة”، التي تعني استخراج اليورانيوم، المتوفر بكثرة في أراضيها، وتخصيبه في منشآت ستقام هناك، واستخدام اليورانيوم المخصب لتشغيل مفاعلات الطاقة، بل وبيع الوقود النووي أو اليورانيوم المخصب لزبائن خارج المملكة. وقد أوضحت السعودية، الموقعة على اتفاق عدم انتشار السلاح النووي ولكنها لم توقع على البروتوكول الإضافي الذي يسمح بعملية تفتيش دقيقة في المنشآت النووية، في العام 2018 أنها “لا تسعى إلى الحصول على السلاح النووي، لكن لا شك أنه إذا طورت إيران القنبلة النووية فستفعل السعودية ذلك في أسرع وقت”. وبعد أربع سنوات، وقعت على مذكرة تفاهم مع الصين لتطوير برنامج نووي مشترك.
السعودية غير ملزمة بتقديم مقابل سياسي واضح للاتفاق النووي مع الولايات المتحدة. ولكنها تمثل محوراً رئيسياً في المنظومة السياسية التي يسعى ترامب إلى تطويرها. إن المظلة التي توفرها لسوريا والتزامها بمساعدة لبنان قد يجعلها لاعباً حيوياً في العملية الدبلوماسية بين إسرائيل ولبنان، وعاملاً سيؤثر على المسار الذي سيتخذه ترامب في هذا المجال أيضاً. فإلى جانب ترتيبات انسحاب إسرائيل وتحديد الجدول الزمني المطلوب لتنفيذه، والإشراف على كيفية تنفيذ الجيش اللبناني لالتزامات حكومته بالسيطرة على المناطق التي سيتم إخلاؤها، وتفكيك بنى حزب الله التحتية هناك، سيحتاج لبنان إلى أموال كثيرة للبدء في إعمار المناطق المدمرة.
هذه ليست فقط قضية إنسانية ملحة، بل يتوقع أن يتطور صراع على السيطرة المدنية في جنوب لبنان، وسيكون من سيتولى إعادة الإعمار والتعويض هو صاحب السيادة. لبنان الذي يعاني من أزمة اقتصادية، وما زال لا يعرف من أين سيمول ثمن السولار لتشغيل محركات الكهرباء، سيحتاج إلى مليارات الدولارات، ويتوقع أن يحصل على جزء من هذا التمويل على الأقل من السعودية. حالياً، تشترط الولايات المتحدة إعادة إعمار لبنان بإثبات قدرته على البدء في نزع سلاح حزب الله، وهو هدف يبدو أنه غير واقعي على المدى البعيد والمتوسط. مع ذلك، قد يعيق هذا الشرط استمرار العملية إذا فشلت الحكومة في إقناع الشعب، خاصة السكان الشيعة الذين طردوا من الجنوب، في قدرتها على إعادتهم إلى بيوتهم وإمكانية أن تكون هناك حياة طبيعية.
كانت هذه من بين القضايا المهمة التي ناقشها عون مع ترامب. وحسب مصادر لبنانية، فقد لاقى إصغاء وتعاطفاً. من غير الواضح كيف سيترجم هذا التعاطف عملياً. ولكن على إسرائيل أن تكون مستعدة لسيناريو يقرر فيه التحالف السعودي – الأمريكي فتح باب إعادة الإعمار في موازاة تقدم الانسحاب وسيطرة الجيش اللبناني على مناطق أخرى.
تسفي برئيل
هآرتس 23/7/2026