هل سيتحلى بيرنام بالشجاعة الكافية ويحرر حزبه من إرث كير ستارمر الضار المتعلق بفلسطين وإبادة غزة؟


لندن- “القدس العربي”: تساءل الأستاذ الفخري للدراسات الدولية في جامعة أوكسفورد، أفي شلايم، إن كان رئيس الوزراء البريطاني الجديد، أندي بيرنام، سيحرر حزب العمال من سياسة سلفه كير ستارمر الضارة تجاه فلسطين. وقال في مقال نشره موقع “ميدل إيست آي”، إن بيرنام يحتاج إلى إجراء تغيير جوهري، لا تقديم مواقف لتطمين الناخبين واليسار في حزبه كي يستعيد ثقتهم، بما في ذلك وصف ما حدث في غزة بأنه إبادة جماعية.

وقال شلايم إن ما عجّل بسقوط ستارمر السريع هو أداؤه الضعيف على الساحة الداخلية، رغم فوزه الساحق في الانتخابات العامة عام 2024. ولكن حتى أشد منتقديه متفقون، على ما يبدو، على أن أداءه على الساحة الدولية كان متميزا للغاية، وكثيرا ما يستشهد بدعمه القوي لأوكرانيا في حربها مع روسيا، والتزامه بحلف الناتو، وإعادة ضبط علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي، ورفضه الانجرار إلى الحرب العدوانية الأمريكية الإسرائيلية على إيران – رغم أن بريطانيا في الواقع جرت إلى مزيد من الصراع – أمثلة على نجاحه في إدارة السياسة الخارجية.

دعم ستارمر للصهيونية كان أسبق بكثير من وصوله إلى السلطة، فقد قال في مقابلة مع صحيفة “جويش نيوز”: “أنا أدعم الصهيونية بدون قيد أو شرط”.

وما يغفل معظمهم عن ذكره هو مجال واحد في السياسة الخارجية، جانب لم يكن فيه أداء ستارمر محلا للثناء: الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وتحديدا حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على غزة.

ويشير شلايم إلى أن دعم ستارمر للصهيونية كان أسبق بكثير من وصوله إلى السلطة. ففي مقابلة أجرتها معه صحيفة “جويش نيوز” في شباط/فبراير 2020، خلال سباق الترشح لخلافة زعيم حزب العمال آنذاك، جيريمي كوربين، المعروف بدفاعه المبدئي عن حقوق الفلسطينيين، قال ستارمر: “أنا أدعم الصهيونية بدون قيد أو شرط”.

ورغم نجاح ستارمر كمحام سابق في مجال حقوق الإنسان، حيث دافع عن حقوق المدنيين العراقيين المحتجزين لدى السلطات البريطانية، ودعا إلى توفير حماية أكبر لطالبي اللجوء، إلا أن دعمه للصهيونية، الأيديولوجية الرسمية لدولة إسرائيل، لم يكن يوما مشروطا بالتزام إسرائيل بالقانون الدولي أو احترامها لحقوق الإنسان الفلسطيني. وقد استمر موقفه اللامبالي من حقوق الفلسطينيين كزعيم لحزب العمال ورئيس للوزراء، مع أن “مانفستو” الحزب للانتخابات العامة كان يؤكد على عمل الحزب “مع الشركاء الدوليين للاعتراف بدولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل”.

ووصف المانفستو حقوق الشعب الفلسطيني بدولته بأنها “حق غير قابل للتصرف للشعب الفلسطيني”. وبعد فوز حزب العمال في الانتخابات وتوليه رئاسة الوزراء، ماطل ستارمر في الوفاء بهذا التعهد لأطول فترة ممكنة.

ثم وقع الهجوم الذي قادته حماس، عندما كان ستارمر زعيما للمعارضة. وقد أدين هذا الهجوم بشدة، وبحق، باعتباره هجوما إرهابيا لأنه كان موجها، جزئيا على الأقل، ضد المدنيين. إلا أن رد إسرائيل تضمن انتهاكات متعددة للقانون الدولي الإنساني: القتل العشوائي للمدنيين، والتهجير القسري للمدنيين، وتدمير المنازل والبنية التحتية المدنية، والتخريب المتعمد للأنظمة التعليمية والصحية، والإبادة الثقافية، واستخدام التجويع كسلاح حرب.

وفي ظل تزايد الإدانة الدولية لإسرائيل لما ارتكبته من فظائع بحق سكان غزة، برز ستارمر في إعادة تأكيد موقفه. وظل يردد، كالببغاء تقريبا، أن لإسرائيل “الحق في الدفاع عن نفسها”. وفي مقابلة على إذاعة “أل بي سي”، زعم أن هذا يشمل الحق في حجب الماء والغذاء والوقود عن سكان غزة.

وقد كان يعلم، بصفته محاميا سابقا في حقوق الإنسان، أن هذا الأمر غير قانوني. ومع ذلك، استغرقه الأمر عشرة أيام لتبرير تصريحاته، بعد أن وقع الضرر بالفعل. وأثار هذا التصريح غضب العديد من ناخبي حزب العمال المسلمين والتقدميين الذين استغربوا نفاق زعيمهم.

لكنه واصل، بصفته رئيسا للوزراء، إظهار دعمه القوي لإسرائيل في مواجهة استياء الجناح التقدمي في حزبه. واتخذ هذا الدعم شكل تزويد إسرائيل بالأسلحة، والتعاون الاستخباراتي، والحماية الدبلوماسية. ولم تتجاوز الإجراءات التي اتخذتها حكومته الجانب الرمزي، مثل القرار في أيلول/سبتمبر 2024 بتعليق حوالي 30 رخصة تصدير لمواد يستخدمها الجيش الإسرائيلي في حربه على غزة، مع أنه لم يكن يمثل سوى أقل من عشر إجمالي الرخص البالغ عددها نحو 350 رخصة. وسمحت الحكومة باستخدام قواعدها في بريطانيا وقبرص للطائرات الإسرائيلية والأمريكية التي تحمل إمدادات للحرب في غزة. ونفذ سلاح الجو البريطاني، ما بين كانون الأول/ديسمبر 2023 وتموز/يوليو، ما لا يقل عن 606 طلعات استطلاعية فوق غزة.

ظل ستارمر يردد كالببغاء تقريبا، أن لإسرائيل “الحق في الدفاع عن نفسها”. وزعم أن هذا يشمل الحق في حجب الماء والغذاء والوقود عن سكان غزة

وفي عهد ستارمر، واصلت بريطانيا استغلال موقعها كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي لإفشال القرارات التي لا تروق لإسرائيل. وكما فعل أسلافه من حزب المحافظين، سعى ستارمر إلى البقاء على مقربة قدر الإمكان من الموقف الأمريكي المؤيد لإسرائيل بشكل سافر، متجاهلا أن “العلاقة الخاصة” الحقيقية لم تكن بين الولايات المتحدة وبريطانيا، بل بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) أربع مرات لعرقلة قرارات وقف إطلاق النار في غزة. وبعد امتناعها عن التصويت سابقا، لم تدعم بريطانيا وقف إطلاق النار إلا في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أي بعد عام من بدء الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي يعد إبادة جماعية.

وقد استغرق الأمر وقتا طويلا جدا لإقناع ستارمر بالتصويت لصالح وقف إطلاق النار، مما أثار انتقادات واسعة النطاق من داخل حزبه بسبب مماطلته وعدم اكتراثه الواضح بالكارثة الإنسانية التي ألحقتها إسرائيل بغزة. ويكشف كتاب بيتر أوبورن، “متواطئون: دور بريطانيا في تدمير غزة”، عن مدى الدعم البريطاني الفعال للحرب الإسرائيلية الوحشية بتفصيل كامل لا جدال فيه.

وكشف أوبورن أن كل ما قيل للجمهور البريطاني تقريبا عن الصراع في غزة كان غير صحيح. كما أظهر كيف ساعدت وسائل الإعلام الرئيسية الحكومة في تضليل الرأي العام، وشوهت سمعة المظاهرات السلمية التضامنية مع الفلسطينيين المضطهدين، ووصفتها بأنها “مسيرات كراهية” معادية للسامية.

وتم حجب الأدلة التي جمعتها وزارة الدفاع حول جرائم الحرب الإسرائيلية. كما تم التلاعب بالإحصاءات المتعلقة بإمدادات الأسلحة البريطانية لإسرائيل لإخفاء حجمها الحقيقي والتعاون الوثيق بين المؤسستين العسكريتين في البلدين. وتؤكد بيانات أوبورن بشكل قاطع اتهامه لبريطانيا بالتواطؤ في تدمير غزة. ويستند هذا الكتاب، الذي يعد مرجعا مهما، إلى بحث معمق ومصادر مطلعة، ويتناول جانبا بالغ السوء من السياسة الخارجية البريطانية خلال فترة حكم ستارمر القصيرة.

وكان الهدف الأولي لإسرائيل من الحرب هو التطهير العرقي لقطاع غزة، ولكن عندما واجهت هذه الجهود مقاومة مصرية، بدأت إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية. وتنفي إسرائيل وحلفاؤها بشدة تهمة الإبادة الجماعية.

لكن محكمة العدل الدولية في لاهاي خلصت في 26 كانون الثاني/يناير 2024 إلى وجود خطر محتمل لوقوع إبادة جماعية في غزة، وأمرت إسرائيل باتخاذ سلسلة من الإجراءات لوقفها. وكما هو معتاد، تجاهلت إسرائيل الحكم. وفي 16 أيلول/سبتمبر 2025، خلصت لجنة تابعة للأمم المتحدة إلى أن إسرائيل مذنبة بالفعل بارتكاب إبادة جماعية.

وبزعمه أن إسرائيل لم ترتكب إبادة جماعية، حاول ستارمر التملص من الالتزام بالضغط على حليفه لإنهاء هذه الإبادة. كما تهرب من تنفيذ مذكرة التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وكان من بين تبعات السخط الشعبي المتزايد على جرائم الحرب الإسرائيلية الضغط الشعبي على الحكومات الغربية للاعتراف بحق فلسطين في إقامة دولة. وقد فعلت ذلك بالفعل عدة حكومات أوروبية، منها أيرلندا وإسبانيا والنرويج وسلوفينيا. وفي 21 أيلول/سبتمبر 2025، وبعد أشهر من الضغوط، بما فيها ضغوط من وزراء في حكومته، وافق ستارمر في نهاية المطاف على الاعتراف بفلسطين.

وفي رسالة إلى محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية في رام الله، أعلن القرار الرسمي بالاعتراف بـ”دولة فلسطين” كدولة ذات سيادة ومستقلة.

إلا أن شروط منح هذا الاعتراف تنم عن ازدواجية معايير استعمارية وغطرسة. كتب ستارمر: “أدرك الدور التاريخي الذي لعبته المملكة المتحدة في الشرق الأوسط”، في إشارة إلى وعد بلفور سيئ السمعة عام 1917، الذي يوصف غالبا بأنه “الخطيئة الأصلية” لبريطانيا في الشرق الأوسط. لقد كانت هذه وثيقة استعمارية كلاسيكية تجاهلت تماما حقوق وتطلعات السكان الأصليين. ومن هنا كان اعتراف بريطانيا بحق الفلسطينيين في إقامة دولة عام 2025 ضئيلا للغاية، ومتأخرا 108 أعوام. فقد كان على بريطانيا الاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم على أرضهم عام 1917، حين كانوا يشكلون أغلبية مطلقة.

وكما فعل أسلافه الخمسة من حزب المحافظين، رفض ستارمر بإصرار الاعتراف بأي مسؤولية بريطانية عن المأساة الفلسطينية أو النكبة. فهو يقدم نفسه مدافعا عن القانون الدولي والنظام الدولي القائم على القواعد، إلا أن ادعاءاته بالسلطة الأخلاقية تبدو جوفاء تماما بالنظر إلى سجله في القضية الفلسطينية.

هل سيتحلى أندي بيرنام بالشجاعة لتحرير سياسة حزب العمال تجاه فلسطين من إرث كير ستارمر الضار؟

وكان من بين أكثر الإجراءات فظاعة التي اتخذتها حكومته لقمع الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين في هذا البلد إعادة تصنيف منظمة “فلسطين أكشن” كمنظمة إرهابية. وتصل عقوبة دعم منظمة إرهابية إلى السجن لمدة 14 عاما. وقد تجلى عبث هذا التشريع بوضوح عندما اعتقل 2,700 متظاهر، معظمهم من كبار السن المتقاعدين، ووجهت إليهم تهم حمل لافتات كتب عليها: “أنا أعارض الإبادة الجماعية؛ أنا أدعم فلسطين أكشن”.

في يوم الاثنين، حل أندي بيرنام محل ستارمر كزعيم لحزب العمال ورئيس للوزراء. وقدم اعتذاره عن رد فعل حكومة حزب العمال الأولي على الهجوم العسكري الإسرائيلي في غزة، مجادلا بأنه كان ينبغي عليها الدعوة إلى وقف إطلاق النار في وقت أبكر، وممارسة المزيد من الضغط على إسرائيل. وقال إن حزب العمال “لم يحسن التصرف”، ويحتاج إلى تحسين أدائه تحت قيادته. وأشار هذا الاعتراف إلى تحول هام محتمل في نهج بريطانيا تجاه الشرق الأوسط.

وقد كان بيرنام يشير فعليا إلى أنه سيصغي باهتمام أكبر إلى القاعدة الشعبية مقارنة بستارمر، وأن دعمه لإسرائيل لن يكون مطلقا. وربما يكون دافع بيرنام وراء هذا التحول الطفيف في السياسة تكتيكيا وانتخابيا أكثر منه أخلاقيا. فهو يدرك الألم العميق الذي يعانيه اليسار في حزب العمال إزاء تدمير قطاع غزة. وهو يعلم، من خلال استطلاعات الرأي، أن ثلثي ناخبي حزب العمال الذين تحولوا إلى حزب الخضر في انتخابات عام 2024 قالوا إن موقف الحزب من تدمير غزة كان عاملا مؤثرا. ومن هنا يأمل بيرنام في استعادة تأييد ناخبي حزب العمال من خلال الاعتذار عن رد فعل الحزب الأولي على الأزمة في غزة، والوعد بممارسة المزيد من الضغط على الحكومة الإسرائيلية. ولا يسع المرء إلا أن يأمل، في ظل الإدارة الجديدة، ألا يكون التغيير في سياسة حزب العمال تجاه فلسطين وإسرائيل ليس مجرد تغيير شكلي، بل تغيير جوهري.

ويتضمن التغيير الجوهري وصف أفعال إسرائيل بالإبادة الجماعية، وفرض عقوبات تجارية، وحظر جميع مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل، وأخيرا وليس آخرا، إلغاء الحظر المفروض على منظمة “فلسطين أكشن”.

ويبقى السؤال الحقيقي: هل سيتحلى أندي بيرنام بالشجاعة لتحرير سياسة حزب العمال تجاه فلسطين من إرث كير ستارمر الضار؟



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *