المدى/خاص
كشفت دراسة بحثية عراقية أن الحد الأدنى للأجور البالغ 350 ألف دينار لم يعد يواكب الواقع الاقتصادي، مقدرةً كلفة المعيشة الطبيعية للعامل بين مليون و200 ألف ومليوني دينار، في وقت أشارت فيه إلى اتساع الفجوة بفعل التضخم وارتفاع الأسعار وتقلبات سعر صرف الدولار، في وقت دعا فيه ناشطون ومنظمات إلى مراجعة الحد الأدنى للأجور وتفعيل دور النقابات وإنشاء مجلس وطني مختص بسياسة الأجور.
وجاء ذلك خلال جلسة نقاشية نظمها المرصد العراقي لحقوق الإنسان ضمن مشروع زمالة الباحثين الشباب، لمناقشة دراسة بعنوان “الحدود الدنيا لأجور العمال والتضخم الاقتصادي في العراق”.
وقالت الباحثة الأكاديمية في الشأن المالي رؤى خلف، خلال حديث لـ(المدى)، إن الدراسة انطلقت من قياس الفجوة بين الحد الأدنى للأجور المعتمد في القطاع الخاص وبين المتغيرات الاقتصادية التي شهدها العراق، مبينةً أن ارتفاع سعر صرف الدولار أحدث فرقاً يقارب 20%، فيما بلغت الفجوة بين الأجور الحالية ومتطلبات المعيشة نحو 28%.
وأردفت أن نتائج الدراسة، المستندة إلى بيانات وزارة التخطيط ومعادلاتها الاقتصادية، أظهرت أن الدخل اللازم لتأمين معيشة طبيعية للعامل يتراوح بين مليون و200 ألف ومليوني دينار، وهو ما يبتعد كثيراً عن الحد الأدنى المعتمد حالياً.
ولفتت إلى أن الأزمة لا تقتصر على القطاع الخاص، موضحةً أن بعض العمال بعقود داخل مؤسسات حكومية يتقاضون رواتب تتراوح بين 240 و280 ألف دينار، وهي أقل حتى من الحد الأدنى الرسمي البالغ 350 ألف دينار يعد انتهاكاً لحقوق العمال .
وأكدت أن استمرار تجاهل هذه المؤشرات يعمق الضغوط المعيشية، داعيةً وزارة العمل إلى مراجعة الحد الأدنى للأجور بما يتناسب مع معدلات التضخم، فضلاً عن تفعيل دور النقابات العمالية والالتزام بالاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق العمال.
وفي السياق ذاته، يرى ناشطون في مجال الدفاع عن حقوق العمال أن القضية تمس معيشة المواطنين وتحتاج إلى ضغط حقيقي وان الإصلاحات القانونية وحدها لا تكفي، ما لم تترافق مع وعي أكبر بحقوق العامل وضمانات فعلية لتطبيقها على أرض الواقع.
بدوره، شدد رئيس مركز المعلومة للبحث والتطوير علي صاحب، خلال حديث لـ(المدى)، على أن ملف الأجور لم يعد يحتمل التأجيل، لأن مستويات الدخل الحالية لم تعد تنسجم مع تكاليف الحياة، مؤكداً أن استمرار العمل بالمعايير الحالية يفاقم مستويات الفقر.
ودعا إلى إنشاء مجلس وطني متخصص بالأجور يضم خبراء ومختصين ويتولى إعداد الدراسات ووضع معايير واضحة لتحديد الأجور بعيداً عن القرارات السياسية أو المزاجية، مع منحه صلاحيات الوصول إلى البيانات الاقتصادية اللازمة لتحديثها بصورة دورية.
وأشار إلى أن تحسين الأجور يحتاج أيضاً إلى ضغط مجتمعي ونقابي منظم، لافتاً إلى أن كثيراً من الاحتجاجات العمالية ترتبط أساساً بتراجع القدرة الشرائية وغياب العدالة في تحديد مستويات الدخل.
من جهتها، اعتبرت الناشطة المدنية أنفال عبد، خلال حديث لـ(المدى)، أن الدراسة تسلط الضوء على واحدة من أكثر القضايا ارتباطاً بحقوق العمال، مبينةً أن كثيراً من العاملين لا يدركون حقوقهم التي يكفلها قانون العمل، سواء ما يتعلق بالأجر أو الحماية أو ظروف العمل.
وأكدت أن ضعف الأجور لا ينعكس على مستوى المعيشة فحسب، بل يمتد إلى آثار اجتماعية واقتصادية أوسع، لأن العامل الذي يعجز عن تأمين احتياجات أسرته سيبحث عن مصادر دخل إضافية، وقد تكون في بعض الحالات خارج الأطر القانونية، وهو ما ينعكس على زيادة الفساد والرشوة والممارسات غير المشروعة.
وخلصت إلى أن مراجعة الحد الأدنى للأجور لم تعد مطلباً نقابياً فقط، بل أصبحت ضرورة اقتصادية واجتماعية، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار واتساع الفجوة بين الدخل الحقيقي ومتطلبات الحياة اليومية.