بيروت ـ «القدس العربي»: رأى الرئيس اللبناني جوزف عون «أن نزع سلاح «حزب الله» قابل للتحقيق فعلًا، لكن فقط إذا كنا صادقين بشأن ما يتطلبه الأمر فعلا»، معتبراً «أن الجماعة المسلحة التي نتحدث عنها ليست قوة مرتزقة أجنبية، إنها مؤلفة من مواطنين لبنانيين شكّلهم، على مدى أربعين عاماً، استثمار هائل ومستمر على الصعيد الأيديولوجي، والاجتماعي، والعسكري ليتحوّلوا إلى جماعة مسلحة غير تابعة للدولة تعمل خارج سيطرة الحكومة». وأوضح «أن ما جاء بي إلى واشنطن هو قناعتي بإنهاء الحرب وإنهاء حالة العداء مع إسرائيل بشكل نهائي، وترسيخ سيادة الدولة اللبنانية، وبات لدينا فرصة حقيقية لصنع التاريخ ولحظات كهذه لا تتكرر إلا مرة كل جيل».
كلام الرئيس عون أطلقه في اليوم الأخير لزيارته الرسمية إلى الولايات المتحدة في حفل عشاء أقامته السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض بعد ساعات على لقاء القمة بين عون والرئيس الأمريكي دونالد ترامب شارك فيه عدد من أعضاء الكونغرس ومسؤولون في الإدارة الأمريكية أبرزهم: وزير الطاقة كريس رايت، رئيس البنك الدولي اجاي بانغا، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ جايمس ريتش.
وقد رحّبت السفيرة معوض برئيس الجمهورية، أما الرئيس عون فأكد في كلمته «أنني تطلعت إلى هذه الزيارة منذ وقت طويل، ليس فقط لأنها زيارتي الأولى بصفتي رئيساً للجمهورية، بل لما تمثله: أول زيارة رسمية لرئيس لبناني إلى واشنطن منذ سبعة عشر عاماً»، وأشار إلى «أن الصداقة بين بلدينا متجذرة بعمق في التاريخ، فقبل أن يصبح لبنان دولة حديثة بزمن طويل، كان الأمريكيون موجودين هناك بالفعل».
الرئيس المسيحي الوحيد
وقال «ليس لبنان مجرد بلد من ثماني عشرة طائفة معترف بها تعيش ضمن حدود واحدة. إنه دليل، منذ ما يقارب القرن، على أن هذه الطوائف يمكن أن تتشارك وطناً واحداً، وعلماً واحداً، وإن شاء الله، جيشاً واحداً، من دون أن يضطر أي منها إلى الذوبان في الأخرى.
يشرّفني أن أكون رئيس الدولة المسيحي الوحيد في العالم العربي بأسره، ولا أقول هذا كتميز شخصي، بل لأنه يعكس النموذج الفريد للعيش المشترك في لبنان، نظام يمكن أن ينجح فعلاً، جيلاً بعد جيل، رغم أسوأ ما عصف به التاريخ.
هذا أمر يستحق الحماية. ليس من أجل لبنان وحده، بل من أجل المنطقة، ويستحق الحماية لأنه يقوم على الأساس نفسه الذي بنيتم عليه أمّتكم.
منذ ما يقارب مئة عام، كان لبنان ديمقراطية. عبر الاحتلال، والحرب الأهلية، والانهيار الاقتصادي، لم يتوقف شعبنا يوماً عن التصويت، ولم يتوقف عن النقاش، ولم يتوقف عن الإيمان بأن من حقه اختيار من يحكمه. لقد اختبرت ديمقراطيتنا بطرق قلّما اختبرت بها ديمقراطية أخرى. انحنت، لكنها لم تنكسر أبداً».
ولفت رئيس الجمهورية إلى أنه «في السنوات القليلة الماضية وحدها، تحمّل شعبنا عبء استضافة أعلى نسبة من اللاجئين للفرد الواحد في العالم، وهول انفجار مرفأ بيروت، وانهياراً مالياً قضى على مدخرات العمر بين ليلة وضحاها، وجائحة عالمية، وفراغاً سياسياً، وحرباً مدمّرة، ومع ذلك، لم يتخلَّ عن بلده. يشارك لبنان أمريكا إيمانها بأن الشعوب الحرة، والأسواق الحرة، والمؤسسات القوية تصنع أمماً أقوى. وفي وقت كانت فيه المصالح الأمريكية مستهدفة في هذه المنطقة، بقي لبنان استثناء. جعلت من أولوياتي، سواء بصفتي قائداً للجيش أو رئيساً للجمهورية، ضمان حماية المصالح الأمريكية والأفراد الأمريكيين في لبنان. لكنني الليلة، لا أستطيع أن أحدثكم فقط عما حماه لبنان، بل يجب أن أتحدث أيضًا عما خسره لبنان».
مسؤولية إنهاء الحرب
أضاف «يعاني لبنان معاناة هائلة. قُتل آلاف من المدنيين، بينهم كثير من النساء والأطفال الذين كان يجب أن يكونوا آمنين في بيوتهم. دمّرت قرى بأكملها. أبيدت عائلات بأكملها. ونزح قرابة واحد من كل خمسة لبنانيين من منازلهم. بالنسبة إلينا، هذه ليست إحصاءات. إنهم أبناؤنا، وآباؤنا، وجيراننا وأصدقاؤنا.
وراء كل رقم هناك وجه، واسم، وعائلة، وحياة تغيّرت إلى الأبد. كما يعلم كثير منكم، أمضيت اثنين وأربعين عاماً من حياتي في خدمة الجيش اللبناني، مترقياً في الرتبة حتى أصبحت قائده العام. رسّخت فيّ تلك العقود الأربعة قناعة أحملها معي في هذا المنصب كل يوم: أن لبنان لا يمكن أن يكون آمناً، ولا يمكن أن يكون موحداً، إلا حين يكون دولة واحدة بجيش واحد، يحمي جميع اللبنانيين من دون تمييز. هذه القناعة ليست شعارًا بالنسبة إلي، إنها مهمة ولايتي الرئاسية، ومن خلالها أحمل مسؤولية إنهاء هذه الحرب، ومساعدة تلك العائلات على العودة إلى ديارها، وإعادة بناء مجتمعاتها، والتطلع إلى المستقبل بأمل، وإنهاء حالة العداء مع إسرائيل بشكل نهائي، وترسيخ سيادة الدولة اللبنانية. هذه المسؤولية هي ما جاء بي إلى واشنطن اليوم. وأعتقد أنه، وللمرة الأولى منذ سنوات، بات لدينا فرصة حقيقية لصنع التاريخ».
تحدث عن فرصة لصنع التاريخ وعن مسؤوليته لإنهاء الحرب وحالة العداء مع إسرائيل
وأكد «ان لحظات كهذه لا تتكرر إلا مرة كل جيل. فإما أن تدرك الأمم قيمتها، أو تقضي جيلاً آخر نادمة على أنها لم تفعل. منذ ما يقارب خمسين عاماً، كان لبنان ساحة معركة لصراعات ومصالح آخرين: فلسطينية، وسورية، وإسرائيلية، وإيرانية، ونعم، أحيانًا صراعاتنا نحن. لكن أمراً جديداً يحدث اليوم. ليس بالصدفة او بالحظ، بل بالاختيار، اختيارنا نحن:
أولاً، داخل لبنان: منذ تولي السلطة، عملت الدولة، بشكل حاسم، نحو هدف واحد: دولة واحدة، جيش واحد، وإنهاء الجماعات المسلحة غير الشرعية العاملة خارج إطار الدولة. نحن نسعى إلى إصلاحات حقيقية، ونعمل على إنهاء الفساد، وإعادة بناء المؤسسات التي يمكن للشعب اللبناني أن يثق بها من جديد.
كل خطوة اتخذناها تثبت الأمر نفسه: أن هذا المسار – مسار الدولة السيدة المسؤولة – ليس فقط المسار الصحيح من حيث المبدأ، بل الوحيد القادر فعلاً على إنهاء النزاع وتحقيق الازدهار الذي يستحقه شعبنا. وهذا ليس مساراً نسلكه وحدنا، بل تقف خلفه بثبات أغلبية واضحة من اللبنانيين، من كل الطوائف.
ثانيًا من حولنا: اتخذنا خياراً متعمداً لاستعادة علاقات لبنان في المنطقة والعالم، وإعادة تموضع لبنان حيث ينتمي، لا كساحة لأجندات الآخرين، بل كدولة سيدة ترفض التدخل من أي جهة، وبأي شكل. وقد أكسبنا هذا الخيار دعماً متجدداً من أصدقاء في العالم العربي وخارجه. ولا يتجلى هذا التحول بوضوح أكبر مما هو عليه مع جارتنا، سوريا. نحن نبني علاقة مع دمشق على أساس ما كان يجب أن تكون عليه دائماً: علاقة من دولة إلى دولة، حصرية، تقوم على الاحترام المتبادل والسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. لا أحد منا يريد تكرار المآسي التي سببتها هذه التدخلات في الماضي، مآسٍ كان يمكن أن تزعزع استقرار لبنان فقط، ولا سوريا وحدها، بل المنطقة بأسرها.
وثالثًا هناك الولايات المتحدة: تحت قيادة الرئيس ترامب، ومن خلال الإطار الثلاثي الذي توسطت فيه إدارته بين لبنان وإسرائيل في حزيران/يونيو الماضي، بات لدينا الالتزام الأمريكي الأكثر جدية باستقرار لبنان منذ عقود. ولم يتم التوصل إلى هذا الإطار بالصدفة، لقد حصل لأن إدارتكم دفعت من أجل تحقيقه، ولأن لبنان حضر مستعداً لتحويله إلى واقع. وصدّقوني انه نادراً ما تتقاطع الإرادة الداخلية، والدعم الإقليمي، والقيادة الأمريكية في اللحظة نفسها. الليلة، هي تتقاطع».
وقال الرئيس اللبناني «جئت إلى واشنطن لأن فرصاً كهذه لا تأتي كثيراً. لكن السياسة والدبلوماسية تمنحاننا الفرصة. ما نحتاجه الآن هو مؤسسة قوية بما يكفي لتحقيقها، والجيش اللبناني هو المؤسسة التي تحمل ثقل كل ما وصفته الليلة. ان القوات المسلحة اللبنانية ليست مجرد جيش، إنها المؤسسة الوطنية الحقيقية الوحيدة التي تحظى بثقة جميع اللبنانيين، والقوة الوحيدة التي لا تنتمي إلى طائفة، أو حزب، أو فصيل، بل إلى لبنان وحده، إنها تحرس أرضنا وحدودنا البحرية. لقد هزمت داعش على أرضنا، وهي خط دفاعنا الأول ضد تهريب المخدرات، والجريمة المنظمة، والتهريب عبر حدودنا».
نزع سلاح «حزب الله»
وتابع «دعوني أتناول مباشرة السؤال الذي أعرف أنه يشغل بال الجميع الليلة: هل نزع سلاح «حزب الله» قابل للتحقيق فعلا؟ نعم، لكن فقط إذا كنا صادقين بشأن ما يتطلبه الأمر فعلاً. الجماعة المسلحة التي نتحدث عنها ليست قوة مرتزقة أجنبية، إنها مؤلفة من مواطنين لبنانيين شكّلهم، على مدى أربعين عاماً، استثمار هائل ومستمر على الصعيد الأيديولوجي، والاجتماعي، والعسكري ليتحولوا إلى جماعة مسلحة غير تابعة للدولة تعمل خارج سيطرة الحكومة. هذا الواقع لا يجعل الهدف أقل إلحاحاً، بل يجعل الأسلوب أكثر أهمية. يقدّم لنا التاريخ مساراً مثبتاً، من القوات المسلحة الثورية في كولومبيا إلى الجيش الجمهوري الإيرلندي في أيرلندا الشمالية، وهو ليس لغزًا: نزع السلاح، والتسريح، وإعادة الإدماج. يبدأ الامر بإزالة السبب الجذري الذي طالما استشهد به «حزب الله» كمبرر لوجوده، الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية. ويستمر مع تولي الجيش اللبناني السيطرة العملانية الكاملة والحصرية، وهو ما يتطلب دعماً فورياً وغير مشروط لقوانا العسكرية، المدافع الشرعي الوحيد عن هذا البلد، وينتهي بإعادة الاندماج: برنامج إعادة إعمار تديره الدولة اللبنانية وحدها، مقروناً بفرص اقتصادية حقيقية، بحيث لا يعود السلاح هو الخيار الوحيد، بل بينه وبين دولة فاعلة تحقق وعودها. المعادلة بسيطة: مسار سياسي من دون مسار اقتصادي هو دولة لا يمكنها المنافسة. الدولة القوية هي البديل الوحيد للفراغ، الذي ان لم تحل الدولة محله، فسيتولى آخرون هذه المسؤولية. في كل مرحلة من هذا المسار، يجب أن تكون الدولة اللبنانية هي الطرف الذي يبسط سلطته على أرضه، ويتحكم بحدوده، ويحتكر وحده قرار الحرب والسلم على أراضيه. هذا هو المسار الذي اخترته، وهو المسار الذي جئت إلى واشنطن لأطلب منكم أن تسلكوه معنا».
وختم «لطالما عرف لبنان كساحة معركة لحروب الآخرين. أريد أن يذكر الجيل القادم لبنان لا بوصفه المكان الذي لم تنتهِ فيه الحروب يوماً، بل بوصفه المكان الذي ساد فيه السلام أخيراً. ليس فقط لأن الأسلحة صمتت، بل لأن الدولة أصبحت قوية بما يكفي لحماية شعبها، وتوفير الفرص لمواطنيها، وبناء مستقبل يليق بمواهبهم. هذه هي الشراكة التي نأمل في بنائها مع الولايات المتحدة. أعتقد أنه لم يسبق أن كانت هناك لحظة أفضل لبنائها، ولا شريك أنسب لمساعدتنا في بنائها من الولايات المتحدة».