برلين ـ «القدس العربي»: تحولت خطط إنقاذ مصنع فولكس فاغن في مدينة أوسنابروك الألمانية إلى مواجهة غير معلنة بين المصالح الاقتصادية الألمانية والنفوذ الذي تملكه قطر داخل أكبر مجموعة لصناعة السيارات في أوروبا. فبعد اعتراض الدوحة على تعاون مباشر بين فولكس فاغن وشركة رافائيل الإسرائيلية للصناعات الدفاعية، بدأت حكومة ولاية سكسونيا السفلى البحث عن هياكل جديدة تسمح بتنفيذ المشروع من دون إبقاء المصنع تحت مظلة تعاون مشترك بين الشركتين.
وحسب أحدث المعلومات التي نشرتها صحيفة «هاندلسبلات» الألمانية، تدرس الولاية عدة سيناريوهات، بينها تقسيم نشاط مصنع أوسنابروك إلى شركتين منفصلتين، أو استحواذ الحكومة المحلية على الموقع قبل تسليمه إلى رافائيل. لكن هذه المحاولات لم تسفر حتى الآن عن اتفاق نهائي، ما يعني أن برلين لم تنجح بعد في تجاوز الاعتراض القطري، لكنها لم تتخل أيضاً عن المشروع.
وتبحث فولكس فاغن منذ أشهر عن مستقبل لمصنع أوسنابروك، الذي يعمل فيه نحو 2300 موظف، في ظل انتهاء إنتاج سيارة «تي روك كابريوليه» المقرر خلال عام 2027، وعدم وجود طراز جديد يضمن استمرار خطوط الإنتاج بعد ذلك.
وفي نهاية أبريل/نيسان الماضي، وقعت فولكس فاغن وشركة رافائيل الإسرائيلية المملوكة للدولة خطاب نوايا بشأن استخدام الموقع. وتريد الشركة الإسرائيلية إنتاج مكونات لمنظومة «القبة الحديدية» للدفاع الجوي، في خطوة كانت ستمنح المصنع المتعثر نشاطاً جديداً وتحافظ على جزء كبير من الوظائف
غير أن المشروع لم يكن صفقة عقارية عادية. فرافائيل لا تريد استئجار قاعات المصنع فقط، بل كانت المناقشات تتضمن شكلاً من أشكال التعاون مع فولكس فاغن والاستفادة من قدرات الموقع الصناعية والعاملين فيه. وهنا ظهر الاعتراض القطري.
يمتلك جهاز قطر للاستثمار نحو 17 ٪ من حقوق التصويت في مجموعة فولكس فاغن، وله مقعدان في مجلس الإشراف، ما يجعله ثالث أكبر مساهم بعد شركة بورشه القابضة وولاية سكسونيا السفلى. وهذا الموقع لا يمنح الدوحة وحدها حقاً قانونياً مطلقاً بإلغاء كل قرار، لكنه يجعل من الصعب تمرير صفقة استراتيجية حساسة في مواجهة اعتراضها الصريح.
قطر لا ترفض البيع بالكامل
ونقلت صحيفة «هاندلسبلات» عن مصادر داخل المجموعة ومحيط الحكومة القطرية أن الدوحة ترفض مشروعاً مشتركاً أو تعاوناً مباشراً بين فولكس فاغن ورافائيل، لكنها قد لا تعارض بيع المصنع بالكامل.
ويعكس هذا الموقف محاولة قطر الفصل بين بيع أصل صناعي ألماني، وهو قرار تجاري، وبين الدخول بوصفها مساهماً في فولكس فاغن في شراكة تساعد شركة أسلحة إسرائيلية على إنتاج أجزاء لمنظومة تستخدمها إسرائيل في حروبها.
وتزداد حساسية المسألة في ظل عدم وجود علاقات دبلوماسية رسمية بين قطر وإسرائيل، والدور الذي تؤديه الدوحة وسيطاً في المفاوضات المتعلقة بالحرب في غزة، فضلاً عن موقفها المعلن الذي يربط أي تطبيع سياسي بمسار جدي نحو إقامة دولة فلسطينية.
خطة ألمانية للالتفاف على المأزق
بعد اتضاح الاعتراض القطري، انتقلت المناقشات إلى البحث عن صيغة لا تكون فيها فولكس فاغن شريكاً مباشراً لرافائيل. وأفادت رويترز بأن ولاية سكسونيا السفلى تدرس المساهمة في تسهيل دخول الشركة الإسرائيلية إلى المصنع.
أحد الخيارات هو تقسيم مصنع أوسنابروك إلى كيانين، بما يسمح بفصل الجزء الذي قد تستخدمه رافائيل عن نشاط فولكس فاغن. أما السيناريو الأكثر تعقيداً فيقوم على شراء الولاية للمصنع كاملاً، ثم نقله لاحقاً إلى الشركة الإسرائيلية.
وستسمح الصيغة الثانية لفولكس فاغن بالخروج من الصفقة المباشرة، لكنها قد تنقل العبء إلى دافعي الضرائب في سكسونيا السفلى، لأن الحكومة المحلية قد تضطر إلى تحمل مسؤولية الموظفين وتكاليف إعادة الهيكلة قبل تسليم الموقع إلى المستثمر الجديد.
ولهذا لا يتعلق الخلاف بالعلاقات مع قطر وإسرائيل وحدهما، بل أيضاً بالسؤال عمن سيدفع تكلفة إنقاذ المصنع، وما إذا كان مقبولاً أن تتحمل الولاية المخاطر المالية لتسهيل مشروع تابع لشركة دفاع أجنبية.
هل فشلت محاولة الالتفاف؟
لا يمكن القول حتى الآن إن المحاولة الألمانية فشلت بصورة نهائية. فقد نقلت صحف ألمانية عن مصادر مطلعة أن حكومة سكسونيا السفلى لا تزال متفائلة بإمكان تنفيذ المشروع رغم التحفظات القطرية، وأن تقسيم المصنع ليس سوى خيار واحد من عدة خيارات قيد الدراسة.
لكن غياب اتفاق ملزم بعد أشهر من المحادثات، وانتقال النقاش من تعاون مباشر إلى ترتيبات قانونية معقدة، يكشفان أن النفوذ القطري نجح على الأقل في وقف الصيغة الأصلية للصفقة وإجبار فولكس فاغن والحكومة المحلية على إعادة تصميم المشروع.
وفي تطور يزيد الضغوط على الجانب الألماني، ذكرت تقارير استناداً إلى معلومات صحيفة «بيلد» أن رافائيل قد تنقل إنتاج المكونات إلى الهند بدلاً من أوسنابروك، مستفيدة من برنامج «اصنع في الهند» الذي يشجع شركات الدفاع الأجنبية على إقامة خطوط إنتاج محلية. ولم تؤكد الشركة الإسرائيلية رسمياً اتخاذ هذا القرار، لكن مجرد وجود بديل هندي يضعف موقع ألمانيا في المفاوضات
بالنسبة إلى فولكس فاغن، تأتي الأزمة في وقت تواجه فيه المجموعة ارتفاعاً في التكاليف وفائضاً في طاقتها الإنتاجية ومنافسة صينية متنامية وضغوطاً ناجمة عن الرسوم التجارية. وأصبحت مواقع مثل أوسنابروك اختباراً لقدرة الشركة على إعادة توظيف مصانعها بدلاً من إغلاقها.
ويرى مراقبون أن قطر أظهرت أن استثماراتها في ألمانيا ليست مالية فقط، بل تمنحها أيضاً قدرة على التأثير في قرارات صناعية وسياسية شديدة الحساسية. فاعتراضها لم يُسقط المشروع رسمياً، لكنه عطّل المسار الأصلي ووضع الحكومة الألمانية أمام خيارات أكثر كلفة وتعقيداً.