عادة ما يختار السرد الواقعي فضاءات الحياة اليومية لينطلق منها نحو عوالم التخييل والجمالية، فيكتب انطلاقا منها ومن شخصياتها، ناقلا بصمات المرجع وعلاماته، ولعل فضاءات النقل العمومي باختلافها، تعد من أبرز الفضاءات التي يتم توظيفها في هذا المجال، فهي تسمح باستدعاء أنماط بشرية مختلفة الوضعيات والهيئات والانتماءات الاجتماعية، وتتيح التقاط مشاغل الناس وخطاباتهم…
وقد أمكن للقصص القصيرة العربية التي تدور في الحافلات والقطارات ووسائل النقل العمومية، أن تكون قريبة من القراء، وتحمل شيئا من الطرافة. ولعلي استحضر في هذا المجال للعد لا للحصر، قصص علي الدوعاجي أب القصة التونسية، التي وردت في مجموعة «سهرت منه الليالي»، ومنها قصة «في شاطئ حمام الأنف»، التي اتخذ الكاتب من عربة القطار فضاء ملهما جرت فيه أحداث أقصوصته، محاولا تصوير الواقع التونسي، في هذه القصة كانت البداية بالخالة، وهي تتخذ مكانها «كانت عربة القطار مكتظة بجسم امرأة من الوزن الثقيل الثقيل جدا وما زادها ثقلا أنها كانت ترتدي ثوبا أحمر»، ولعلنا نذكر في هذا المجال أيضا قصته «مجرم رغم أنفه» وشخصية قاسم وهو يتخذ مكانا في الحافلة.
«جلس قاسم على مقعد في آخر الحافلة ووضع قفته بين ركبتيه وآنست عيناه بظلام الحافلة وأخذ في لف سيجارة بعينين ترتعشان وأبصر قبالته شيخا بدينا جالسا ملتفا في برنس ابيض نقي».
هذه التجربة القصصية في تاريخ السرد التونسي، تكشف عن طابعها الساخر ونقدها الاجتماعي اللاذع للنماذج الاجتماعية، وعلى هذا النحو كان الكثير من القص التونسي متوغلا في تصوير واقع العاصمة ونماذجها البشرية، منتبها إلى هامش العاصمة وأحيائها الشعبية وفئاتها المختلفة.
في هذا الإطار تأتي مجموعة «38 ب» للكاتبة فرح الجلاصي، منطلقة من أحياء العاصمة وضواحيها، ومن حافلة اعتادت الكاتبة أن تركبها يوميا سنوات دراستها، من العمران الأعلى إلى محطة تونس البحرية وسط العاصمة، ملتقطة حكايات الناس وآهاتهم وأنفاسهم وهمساتهم بدقة، وهي تقدم لنا بورتريهات لنماذج مختلفة تلتقي في فضاء الحافلة، مثل «خالتي شبوك» القادمة من حي شعبي، وهي امرأة كثيرة الخصومات مع الركاب، وذات تدخلات طريفة تستطرفها الكاتبة و»عم رؤوف’ الموظف الستيني المتقاعد و»ريما البليدة» الفتاة المشاكسة في الحافلة و»عم الشيفور» وشخصيات أخرى من صميم الواقع اليومي، وخصصت الكاتبة نصا لنفسها تحدثت عن قصتها مع الحافلة الصحراء خلال سنوات طويلة وعن فكرة كتابة هذه القصص، وهي تنقل لنا في مجمل هذه القصص ما يدور في السفرات اليومية للحافلة الصفراء من أجواء، من الخلافات إلى المراودات والحديث عن مشاغل الحياة، وتبدو الكاتبة متسلحة بفن الحكي وشد القارئ باستطرادات كثيرة، موغلة في وصف دقيق للشخصيات وعوالمها الداخلية والخارجية.
تبدو هذه النماذج الاجتماعية حاملة لملامح الواقع اليومي، وهي تراوح بين المألوف والغريب وتلتقط الكثير من الأسرار الاجتماعية، ولا تهمل الكاتبة طقوس المناسبات في هذه الحافلة مثل طقوس شهر رمضان والعيد، وقد أضفت على قصصها الكثير من السخرية من هذا الواقع، ومن الشخصيات التي تفضح أفكارها وتكشف تناقضاتها بشكل طريف، وهي تقدم تشريحا دقيقا لشخصية التونسي الاجتماعية وتجعل قصصها لوحات تصور الواقع التونسي وتحديدا واقع العاصمة وضواحيها، حيث تدور هذه الرحلات. فهي التي أرادت في مقدمة كتابها أن لا يكون هذا الكتاب مجرد سرد لروايات، بل هو مرآة لواقع يعيشه الجميع: ضحك، عراك وتناقضات… فليست الحافلة 38 مجرد رقم، بل هي عالم صغير ينطلق كل صباح من العمران الأعلى إلى تونس البحرية»، وهي بذلك تهدف إلى رسم الواقع بعين أخرى، على حد قولها، «عين تضحك ولكنها تفهم وعين تلاحظ ولا تستعجل في حكمها وعين تقول الحقيقة ولو كانت في قالب سخرية».
أما من ناحية الشكل فتنتمي هذه المجموعة القصصية إلى طائفة من الأعمال السردية التي تظهر في تونس في السنوات الأخيرة، تتبنى الكتابة باللهجة المحلية، سعيا للوصول إلى القارئ اليومي، وقد سعت بعض الأعمال المعروفة إلى اكتساب شهرتها ونجاحها بتمييع الخطاب والتركيز على المثيرات والمغامرات الجنسية، ولكن يبدو أن فرح الجلاصي تختار لنفسها نهجا مغايرا في هذا المجال، متجنبة الخوض في مثل هذه المغامرات وهو ما يجعل مجموعتها مستساغة ومقبولة في الفضاء الاجتماعي التونسي..
كاتب تونسي