الرباط: ربما يكون الوقت مبكرا لإصدار حكم تاريخي قاطع على بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026.
ولم يجف بعد صدى الاحتفالات في نيوجيرسي، ولم تهدأ تماما أصداء النهائي الذي أسدل الستار على المونديال، فالمراجعات الحقيقية تحتاج لبعض الوقت، إلى أن تخفت الفورة الأولى، وتستقر الذكريات في أذهان المتابعين، وتتضح نتائج القرارات والأحداث بعد أن ينقشع غبار الصخب.
لكن محاولة التقييم تبدو إغراء لا يقاوم، فأين يمكن تصنيف هذا المونديال، الذي انتهى بمشهد عراك الأرجنتيني لياندرو باريديس مع الإسباني غافي، في سجلات التاريخ؟
بطولة تجاوزت فضائحها بسرعة
كان يمكن لقضية اللاعب الأمريكي فولارين بالوغون أن تتحول إلى واحدة من أكبر أزمات البطولة، ففي لحظة معينة، بدا أن قرار الاستجابة للضغط السياسي، سيترك أثرا عميقا على صورة البطولة، لكن كرة القدم لا تمنح الفضائح دائما الوقت الكافي كي تستقر.
وللبطولات الكبرى زخمها الخاص، فهي تتحرك بسرعة نحو النهاية، وتدفع كل شيء أمامها، وتدفن الأحداث السابقة تحت أهداف جديدة ومباريات أخرى واحتفالات متتالية، ومع ذلك، فإن القرار نفسه قد يصبح لاحقا أكثر أهمية مما يبدو الآن.
فقد رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو، بشيء مشابه مع النجم البرتغالي المخضرم كريستيانو رونالدو، كما أعاد، وفق منتقديه، هندسة معايير التأهل لكأس العالم للأندية بطريقة ضمنت مشاركة الأرجنتيني ليونيل ميسي.
فهل نحن أمام استثناءات عابرة، أم أمام مبدأ جديد؟ ذاك هو السؤال الذي تركته هذه الوقائع خلفها.
ما دفنته المباريات سيعود
ليست قضية بالوغون وحدها التي قد تعود إلى الواجهة، فالتعامل مع إيران، على سبيل المثال، كان من أكثر الملفات إثارة للجدل، وقد يترك سابقة مقلقة تتجاوز هذه البطولة.
أما أسعار التذاكر، فقد تنخفض في كأس العالم التالية عام 2030، لكن شيئا أساسيا تغير بالفعل، ففكرة أن يحصل المشجع العادي، الذي يذهب إلى مباريات الدوري كل أسبوع، على حصة معقولة من تذاكر كأس العالم تبدو وكأنها تنتمي إلى الماضي.
وبدا في نسخة كأس العالم الأخيرة، أقرب إلى حدث فاخر، تتحدد قيمة الحضور فيه بالقدرة على الدفع أكثر من الانتماء الطويل إلى اللعبة.
المدن المضيفة دفعت أيضا
أما الكلفة التي تحملتها المدن المضيفة، فلن تظهر بالكامل إلا مع مرور الوقت. هناك الكلفة المالية، بطبيعة الحال، لكن هناك أيضا كلفة اجتماعية وبيئية، في الولايات المتحدة وكندا، شهدت بعض المدن حملات لإخلاء الشوارع من المشردين، فيما حُرم أشخاص يعيشون أصلا على هامش المجتمع من بعض ممتلكاتهم القليلة، بما في ذلك وثائق الهوية والأدوية.
وهكذا، فإن السؤال عن إرث البطولة لن يتعلق فقط بمن فاز باللقب، أو بعدد الأهداف التي سجلت، بل أيضا بما تركته البطولة خلفها في المدن التي استضافتها.
كارثة أم مجرد بطولة عادية؟
في خضم هذه الانتقادات، وصفت صحيفة “لا غازيتا ديلو سبورت” الإيطالية كأس العالم بأنه “كارثة”، حيث نشرت الصحيفة صفحتين كاملتين حول قضايا عدة، بينها أسعار التذاكر وقضية بالوغون والطقس وزيادة عدد المباريات، وتراجع فترات الراحة.
وربما يكون وصف الكارثة مبالغا فيه، لكن ما حدث بعد ذلك زاد من حدة القصة، فقد خفضت حصة الصحيفة من تذاكر المباراة النهائية من خمس تذاكر إلى اثنتين. لم يكن واضحا تماما ما إذا كان الأمران مرتبطين، لكن مجرد احتمال أن تحرم وسيلة إعلامية من الوصول بسبب رفضها الرواية الرسمية القائلة بإن هذه كانت أعظم كأس عالم على الإطلاق، كان كافيا لطرح أسئلة مقلقة.
كرة قدم جيدة.. لكن ليست عظيمة
أما مستوى اللعبة نفسها، فكان جيدا، لكنه بالتأكيد لم يكن في مستوى العظمة الذي صوره إنفانتينو، فقد شهدت البطولة مباريات رائعة ومثيرة، من البرازيل واليابان إلى المغرب وهولندا، ومن إنكلترا والمكسيك إلى الأرجنتين والرأس الأخضر، والنرويج وكوت ديفوار، وبلجيكا والسنغال، والنرويج والبرازيل، والأرجنتين ومصر.
لكن المفارقة أن معظم هذه المباريات جاءت في دور 32 أو دور 16. أما دور الثمانية، فلم يقدم المستوى نفسه من الإلهام.
ثم جاء النهائي، وكانت تلك هي المشكلة الأكبر، النهاية التي أعادت ترتيب البطولة، لم يكن النهائي جيدا، كان كئيبا، ثقيلا، ومفتقرا إلى الدراما التي عادة ما ينتظرها العالم من المباراة الأخيرة في كأس العالم.
ولهذا، فإن كأس العالم 2026 تبدو الآن أقل من مستوى نسختي 2022 و2018، ناهيك عن البطولات التي تحولت إلى علامات تاريخية، مثل نسخ ثمانينيات القرن الماضي أو مونديال 1998.
لكن الحكم النهائي سيحتاج إلى وقت، فربما تضعها الذاكرة التاريخية في مكان أفضل من نسختي 2014 و2006، وربما يحدث العكس، وفي النهاية، ربما يكون الوصف الأكثر دقة هو أنها لم تكن بطولة عظيمة، لكنها كانت جيدة.
لكن كأس العالم 2026 قد تُذكر، على نحو خاص، ليس فقط بسبب المباريات التي لُعبت فيها، بل أيضا بسبب الأسئلة التي تركتها خارج الملعب عن المال والسياسة والهجرة وأسعار التذاكر والمدن المضيفة وعلاقة فيفا بالإعلام والحدود التي يمكن للعبة أن تتجاوزها باسم المداخيل أو الأرباح.
(د ب أ)