محو الفلسطينيين يصبح استثمارا وإفلاتا من العقاب


لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالا لأستاذ الهولوكوست والإبادة في جامعة براون، عومير بارتوف، عنوانه: “أنا باحث في الإبادة ونحن ندخل مرحلة جديدة مرعبة”.

وتساءل أولا عن الطريقة التي تنتهي بها الإبادة. مجيبا أنها تتوقف بإحدى طريقتين: الأولى تحقيق الجناة أهدافهم، أو أن توقفهم قوة عسكرية، وتبدأ بعد ذلك محاسبتهم.

وكمثال على الطريقة الأولى، أشار إلى ما فعله الجيش الملكي الألماني عام 1904 بسكان ما صار يعرف اليوم بناميبيا. فقد قام الألمان بمحو أفراد شعب هيريرو، الذين كانوا يقطنون فيما عرف آنذاك بجنوب غرب أفريقيا الألمانية، واستخدموا وسائل عدة في إبادة السكان الأصليين، من طرد قاتل إلى الصحراء، واعتقال في معسكرات العمل الشاق، والقتل الفوري.

وأشار إلى مذبحة الأرمن عام 1916، عندما حاولت الدولة العثمانية طردهم من الأناضول، وهو ما تنكره الدولة التركية الحديثة حتى اليوم.

وبالمقارنة، تمت محاكمة ألمانيا النازية في محاكم نورمبرغ على جرائمها ضد اليهود، والسبب هو هزيمتها العسكرية. وفي بقية حالات الإبادة التي انتهت بهزيمة عسكرية، كما في كمبوديا عام 1979، ورواندا عام 1994، والبوسنة عام 1995، انتهت بنوع من المحاسبة، وإن كانت غير مكتملة أو متأخرة، مما جعل إنكار ما حدث مستحيلا.

ويضيف أنه في الحالات التي “نجح” فيها الجناة في تحقيق أهدافهم من الإبادة الجماعية، بسبب الإفلات من العقاب آنذاك أو غياب المساءلة اللاحقة، استمرت الدولة الجانية في جني ثمار أفعالها الإجرامية.

في الحالات التي “نجح” فيها الجناة في تحقيق أهدافهم من الإبادة الجماعية، بسبب الإفلات من العقاب آنذاك أو غياب المساءلة اللاحقة، استمرت الدولة الجانية في جني ثمار أفعالها الإجرامية

وعليه، كان الهدف من إقرار مفهوم الإبادة الجماعية وتقنينه بعد الحرب العالمية الثانية منع استمرار هذه الديناميكية المتمثلة في الإفلات من العقاب والتربح.

لكن الكاتب يرى أن ما تكشف في غزة بعد هجمات “حماس” على إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتتهم فيه إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية أمام محكمة العدل الدولية، يؤشر إلى مستقبل جديد لجريمة الإبادة الجماعية، مستقبل قد تجد فيه دول أو قادة آخرون حافزا لاتباع سياسات إبادة جماعية، لعلمهم أنهم لن يفلتوا من العقاب فحسب، بل قد يستفيدون منها أيضا، وهو مستقبل قد تعطي فيه الدول والمنظمات الدولية التي التزمت بوقف الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها الضوء الأخضر لتكرارها.

وشرح بارتوف الأمر قائلا إنه منذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، ومصادقة مجلس الأمن على خطة الرئيس ترامب المكونة من 20 بندا في 17 تشرين الثاني/نوفمبر، قتل أكثر من ألف مدني فلسطيني جراء الهجمات الإسرائيلية. ويسيطر الجيش الإسرائيلي الآن على نحو 70% من القطاع.

فيما بات مليونا فلسطيني، كانوا يعيشون سابقا في واحدة من أكثر مناطق العالم اكتظاظا بالسكان، محصورين في ثلثه، ويكافحون من أجل البقاء في مناطق مدمرة تفتقر إلى أبسط البنى التحتية الإنسانية.

وبعد وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى الإسرائيليين بالأسرى الفلسطينيين، بدأت المرحلة الثانية من خطة ترامب في منتصف كانون الثاني/يناير، التي تهدف إلى تحقيق نزع السلاح الكامل وإعادة إعمار قطاع غزة، على أن تتولى إدارتها هيئة فلسطينية انتقالية تكنوقراطية. ويشرف على هذه العملية مجلس سلام دولي برئاسة ترامب.

وقد تحدثت إدارة ترامب، وإن على المدى البعيد، عن إنشاء “غزة جديدة” مستقبلية بتكلفة مليارات الدولارات، وتفيد التقارير بأنها تخطط لبناء قاعدة عسكرية ضخمة للقوات متعددة الجنسيات، وهو ما سيؤدي، كما يقول بارتوف، إلى تحويل الفلسطينيين في غزة إلى مجرد عمال بناء ومقدمي خدمات للأثرياء الذين سيسكنون على ما كان يوما أرضهم.

وتساءل: كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟

وأشار إلى العملية العسكرية الإسرائيلية التي أدت، وباعتراف الإسرائيليين، إلى مقتل أكثر من 70,000 فلسطيني، معظمهم من المدنيين، وإصابة أكثر من 200,000 آخرين. وتسببت في وفاة أعداد هائلة بشكل غير مباشر نتيجة التدمير الشامل للمرافق الطبية والمساكن والبنية التحتية، فضلا عن حرمان الفلسطينيين من الغذاء والماء النظيف.

وأشار بارتوف إلى ما كتبه في تموز/يوليو 2025، بصفته باحثا في جرائم الإبادة الجماعية، وشرح اعتقاده أن العملية العسكرية الإسرائيلية كانت محاولة منسقة لإبادة الفلسطينيين في غزة، كليا أو جزئيا، وأنها تتوافق، بدرجة كبيرة، مع تعريف اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948.

العملية العسكرية الإسرائيلية كانت محاولة منسقة لإبادة الفلسطينيين في غزة، كليا أو جزئيا، وتتوافق، بدرجة كبيرة، مع تعريف اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948

ويضيف أنه من غير المرجح أن تحاسب إسرائيل على أفعالها، فقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بالإضافة إلى مسؤول في “حماس”، تبين لاحقا أنه قتل.

وسعت الولايات المتحدة إلى تقويض المحكمة، وزار نتنياهو البيت الأبيض مرارا وتكرارا، لأسباب من بينها محاولة إقناع ترامب، بحسب التقارير، بشن هجومه على إيران.

وقال بارتوف إن إسرائيل قد تدان في نهاية المطاف بارتكاب جريمة إبادة جماعية أمام محكمة العدل الدولية، حيث رفعت جنوب أفريقيا دعوى قضائية منفصلة ضدها، لكن تداعيات هذا الحكم غير واضحة، طالما احتفظت إسرائيل بدعم الولايات المتحدة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي يعد الذراع التنفيذية لمحكمة العدل الدولية.

وعليه، فمن المرجح ألا يحاسب القادة الإسرائيليون، إلا إذا سلمتهم حكومة إسرائيلية جديدة، غير راغبة في محاكمتهم داخل إسرائيل، أو حريصة على استعادة مكانتها الدولية، إلى المحكمة الجنائية الدولية، ويظل هذا الاحتمال ضعيفا.

وفي الواقع، تتجاوز خطة ترامب المكونة من 20 بندا أي مساءلة أو عقاب محتمل لمرتكبي هذه الجريمة، إذ تعد بمستقبل أفضل للجميع، مع أن الدعوات لاستعادة شيء من الحياة الطبيعية للفلسطينيين من غير المرجح أن تحظى بتعاطف كبير في ظل انشغال إسرائيل وحلفائها ببناء مدن مستقبلية.

وحينها سيقال: ما جدوى إثارة اتهامات قديمة ونحن نقف على أبواب عالم جديد وواعد؟

ويشير بارتوف إلى أن إسرائيل باتت تدفع ثمن جرائمها في غزة، عبر عزلة عالمية متزايدة واستنكار بين الأمريكيين ومن مختلف ألوان الطيف السياسي. وهذا بالتحديد ما قد تخففه، أو حتى تعكسه، الخطط اللامعة لـ”غزة جديدة”، من خلال إقناع الجماهير المشتتة في عالم مضطرب بأن قضية غزة حلت بطريقة أرضت الجميع.

ويقول إنه في حال تنفيذ خطة ترامب، فهذا يعني قيام الحكومة الأمريكية أو رجال الأعمال الأمريكيين الذين يعملون نيابة عنها ببيع حقوق التأجير والبناء على الأراضي المصادرة من سكانها، التي من المتوقع أن ترتفع قيمتها إلى عنان السماء.

وقد يجني أقطاب العقارات، وربما كان من بينهم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف وترامب نفسه، أو الشركات التي يروجون لها، أرباحا طائلة، محولين بذلك محو قطاع غزة إلى فرصة استثمارية دولية. فبينما ستهيمن على الساحل عقارات فاخرة تتألف من أبراج متعددة الاستخدامات، تبدو وكأنها مخصصة للشراء الأجنبي والسياحة، مما سيدر أرباحا على المقاولين، سيحرم الفلسطينيون، على الأرجح، من السكن على ما كان أرضهم.

ومن هنا، فلن يقتصر الأمر على محو تاريخ غزة ومجتمعها فحسب، بل سيحولها أيضا إلى اقتصاد سوق حر للشركات الأجنبية التي تعرض عليها “فرصا استثمارية مذهلة”، على حد تعبير كوشنر.

ويقول إن بناء ما يسمى بـ”ريفييرا” ترامب يعتمد على ضخ السعودية ودول الخليج مبالغ طائلة مقابل وعد بتعزيز الروابط الاستراتيجية والاقتصادية مع الولايات المتحدة. ومع توطيد مجلس السلام سيطرته وإعادة إعمار غزة، ستخطو إسرائيل خطوة أخرى نحو هدفها طويل الأمد المتمثل في سحق آمال الفلسطينيين في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضيهم.

كما ستستفيد دول أخرى أيضا من هذا الوضع برفضها محاسبة إسرائيل. فألمانيا ثاني أكبر مورد للأسلحة لإسرائيل بعد الولايات المتحدة، وقد وقعت عقودا ضخمة لشراء تكنولوجيا عسكرية منها. وتدافع ألمانيا عن نفسها أمام محكمة العدل الدولية ضد اتهامات نيكاراغوا بتسهيل الإبادة الجماعية في غزة من خلال تمويل إسرائيل وقطع المساعدات عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، لذا فإن لديها مصلحة سياسية واقتصادية كاملة في استبعاد هذه القضية من النقاش، مع أن ألمانيا نفت هذه الادعاءات.

كما يعتقد أن بريطانيا استخدمت قواعدها العسكرية في قبرص لدعم إسرائيل، وهي تسعى جاهدة لتحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، تسعى فرنسا للحفاظ على نفوذها السياسي في بلاد الشام، وتجاوز مسألة الإبادة الجماعية في غزة، التي سيحددها، بحسب الرئيس إيمانويل ماكرون، “المؤرخون في الوقت المناسب”.

رغم إلغاء بعض الحكومات الأوروبية صفقات أسلحة وفرض عقوبات على شركات الدفاع الإسرائيلية ردا على العنف الإسرائيلي في غزة، فإن صناعة الأسلحة الإسرائيلية لا تزال مزدهرة

كما ستستفيد إسرائيل بدورها من ذلك. فرغم إلغاء بعض الحكومات الأوروبية صفقات أسلحة وفرض عقوبات على شركات الدفاع الإسرائيلية ردا على العنف الإسرائيلي في غزة، فإن صناعة الأسلحة الإسرائيلية لا تزال مزدهرة. فقد ارتفعت مبيعات الأسلحة الإسرائيلية المصدرة بنسبة 30% العام الماضي مقارنة بعام 2024، لتصل إلى رقم قياسي بلغ 19.2 مليار دولار، وفقا لموقع “كالكاليست” الإخباري الاقتصادي الإسرائيلي، كما أشار الموقع إلى أن اختبار أنظمة الأسلحة في غزة يعد عاملا مساعدا في الترويج لها. وبعبارة أخرى، أصبح الدمار مصدرا لأرباح طائلة.

وفي الوقت الراهن، سيمكن إفلات إسرائيل من العقاب مواطنيها اليهود من الاستمرار في تجاهل الإبادة الجماعية، مما سيؤدي إلى تدهور أعمق في الأخلاق والقيم الإسرائيلية، وتآكل سيادة القانون، وعنف الشرطة الداخلي ضد المواطنين الفلسطينيين واليهود، وتقويض الديمقراطية، أيا كان نوعها. وإلى جانب حرمان الفلسطينيين من أي عدالة أو محاسبة على معاناتهم، سيظل ضحايا غزة من الأعمال الإسرائيلية يعيشون في ظروف مزرية، تحت إشراف عسكري، وبآفاق مستقبلية محدودة للغاية.

وقال بارتوف إنه منذ إعلان وزير الدفاع يسرائيل كاتس، بحسب التقارير، في تموز/يوليو الماضي، أن إسرائيل تخطط لإنشاء “مدينة إنسانية” في الجزء الجنوبي من قطاع غزة، لم تزد الأوضاع على أرض الواقع إلا سوءا. وربما سهلت قوة دولية، مدعومة بقوات أمنية فلسطينية والجيش الإسرائيلي، خطة ترامب لحصار السكان في هذه المدن، بحيث لا يتمكنون من الخروج منها إلا لخدمة سكان ما يسمى بـ”غزة الجديدة” الأثرياء. وفي تلك الأجزاء الشاسعة من قطاع غزة التي لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية، من المرجح أن تقام مستوطنات يهودية جديدة مزدهرة.

وقد تحدث ترامب بأن مجلس السلام، الذي سيشرف على هذا التحول، سيتعاون في مرحلة ما مع الأمم المتحدة، لكن يخشى كثيرون أن يقوض ذلك المنظمة الدولية. ومن آثار هذا التحول في النظام العالمي لما بعد الحرب تقويض القانون الدولي الإنساني والمحكمتين الدوليتين اللتين أنشئتا لحمايته، بما يجعل آمال محاسبة صانعي القرار الإسرائيليين مجرد سراب، ويرسل إشارة إلى دول أخرى بأن الإفلات من العقاب بات متسامحا معه.

وربما يجادل البعض بأن حالة غزة فريدة من نوعها، لأن إسرائيل تتمتع بمكانة دولية مميزة بفضل تحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة واعتمادها على إرث الهولوكوست. وربما لا تتوقع دول أخرى أن تكافأ، بل قد تعاقب على الإبادة الجماعية. لكن ما نشهده اليوم يرسي سابقة استثنائية، يمكن أن تقوض الفرضية الأساسية للإبادة الجماعية بوصفها جريمة يعاقب عليها بموجب القانون الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية.

وإذا ما مضت الخطط التي يجري وضعها حاليا لغزة قدما، فقد تنظر بعض الدول إلى الإبادة الجماعية على أنها امتداد مشروع ومربح للسياسة بوسائل أخرى. وعلى الأقل، قد تكون الدول الأخرى التي استفادت، بشكل أو بآخر، من الإبادة الجماعية أقل ميلا إلى محاسبة مرتكبيها في المستقبل. وكان رافائيل ليمكين، الذي صاغ مصطلح الإبادة الجماعية عام 1944، وناضل من أجل اعتماد اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها بعد أربع سنوات، يأمل في منع هذه النتيجة تحديدا. وقد يكون هذا هو مستقبل الإبادة الجماعية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *