تونس: أجمع خبراء على أن استئناف العلاقات بين الجزائر ومالي بعد قطيعة دبلوماسية استمرت 14 شهراً جاء نتيجة اعتبارات أمنية وجيوسياسية ومصالح متبادلة، في ظل تطورات ميدانية متسارعة شمال مالي ورغبة الطرفين في إعادة تفعيل قنوات التواصل.
وفي 10 يوليو/ تموز الجاري، أعلنت الجزائر ومالي استئناف الرحلات الجوية بين البلدين وإعادة السفراء إلى العاصمتين، لتنتهي أزمة اندلعت في أبريل/ نيسان 2025، عندما أغلقت الجزائر مجالها الجوي أمام الطيران المالي، متهمة باماكو بارتكاب “اختراقات متكررة” لمجالها الجوي.
حسابات جزائرية
ويرى الباحث في الجيوستراتيجية غازي معلى، أن التطورات العسكرية الأخيرة في شمال مالي كانت من أبرز العوامل التي دفعت الجزائر إلى إعادة تفعيل علاقاتها مع باماكو.
وقال إن تصاعد هجمات الحركات الانفصالية والجماعات المسلحة، وما رافقها من ضغوط على المجلس العسكري الحاكم، جعل الجزائر ترى أن من مصلحتها استعادة حضورها الرسمي في العاصمة المالية، بما يتيح لها التواصل المباشر مع السلطات وعدم الغياب عن المشهد.
واعتبر أن عودة العلاقات لا تعني انتهاء الخلافات بين البلدين، مشيراً إلى استمرار ملفات عالقة، بينها الدعوى التي رفعتها مالي ضد الجزائر بشأن إسقاط طائرة مسيرة، فضلاً عن استمرار شكوك مالي تجاه الموقف الجزائري من الجماعات المسلحة.
وأضاف أن استئناف العلاقات تحكمه اعتبارات جيوسياسية أكثر من كونه مصالحة كاملة بين الطرفين.
حاجة مالية
وفي قراءته لدوافع مالي إلى إعادة العلاقات، قال معلى إن المجلس العسكري في باماكو يحتاج إلى الجزائر لأسباب اقتصادية ولوجستية، خاصة في ما يتعلق بحركة الطيران والتبادل التجاري وإمدادات السلع، إلى جانب الضغوط التي يتعرض لها من حلفائه الإقليميين والدوليين.
بدوره، اعتبر أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر، عمار سيغة، أن التطورات العسكرية الأخيرة دفعت باماكو إلى مراجعة موقفها من الجزائر، بعد تراجع أداء الجيش المالي أمام الجماعات المسلحة في الشمال، رغم الدعم الروسي.
وقال إن المجلس العسكري بات يدرك أن استقرار شمال مالي يصعب تحقيقه دون تنسيق مع الجزائر، بالنظر إلى نفوذها وعلاقاتها الممتدة مع مختلف أطراف الأزمة، فضلاً عن خبرتها في إدارة الملف المالي منذ اتفاق المصالحة لعام 2015.
وأضاف أن مالي، بوصفها دولة حبيسة، تحتاج أيضاً إلى الجزائر بوصفها بوابةً لوجستية للتجارة وإمدادات الغذاء وحركة النقل الجوي والبري، وهو ما أسهم في تسريع قرار إعادة العلاقات.
تنافس إقليمي
من جهته، رأى مدير مؤسسة ابن رشد للدراسات الاستراتيجية العربية والإفريقية، كمال بن يونس، أن أزمة مالي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ملف يرتبط بالأمن القومي لعدد من القوى الإقليمية والدولية، بينها الجزائر وفرنسا وروسيا وتركيا والمغرب.
واعتبر أن استئناف العلاقات يعكس اقتناع الجزائر ومالي بضرورة إعادة تفعيل التنسيق بما يخدم مصالحهما المشتركة.
ورأى أن الجزائر تريد الاستثمار في ملفات علاقاتها بجارتيها مالي والنيجر جنوبا “بعد أن تضاعف تأثير فرنسا وروسيا وتركيا في مناطق عديدة في دول الساحل”.
مستقبل العلاقات
ورجح سيغة أن تمهد عودة العلاقات لإحياء المسار السياسي والحوار بين مختلف الأطراف في مالي، مع إمكانية استعادة الجزائر دورها كوسيط في الأزمة، عبر تطوير مقاربة جديدة تستند إلى مبادرة المصالحة لعام 2015 وتراعي المتغيرات الميدانية.
واستبعد سيغة سيناريو سقوط النظام في مالي، معتبراً أن عودة العلاقات مع الجزائر قد تدفع الحركات المسلحة إلى إعادة ترتيب أولوياتها والعدول عن توسيع عملياتها باتجاه العاصمة باماكو.
ورغم إعلان استئناف العلاقات، يجمع الخبراء على أن التقارب لا يعني انتهاء الخلافات بين البلدين، بل يعكس تقاطع مصالح أمنية وجيوسياسية فرضتها تطورات الأوضاع في مالي ومنطقة الساحل، مع بقاء ملفات خلافية عالقة قد تؤثر في مسار العلاقات مستقبلاً.
وفي مارس/ آذار 2015 تم التوقيع على اتفاق الجزائر (المعروف رسمياً باتفاق السلم والمصالحة في مالي) بوساطة رئيسية من الجزائر بين الجماعات المسلحة الأزوادية والحكومة المالية.
وينص الاتفاق على دمج الانفصاليين السابقين في الجيش المالي، وتوفير قدر أكبر من الحكم الذاتي لمناطق في البلاد.
وفي يناير/ كانون الثاني 2024 أعلن المجلس العسكري الحاكم في مالي “إنهاء” اتفاق السلام الموقع عام 2015 في الجزائر مع الجماعات الانفصالية الشمالية، “بأثر فوري”.
(الأناضول)