“الوحش الأفريقي” يلتهم ثروة النهرين والبيئة تتحرك بخريطة رصد وطنية لتطويق الغزو البيولوجي 


بغداد/أحمد كوكب

أعلنت وزارة البيئة، اليوم الاثنين، عن تسجيل مؤشرات متزايدة وخطيرة لانتشار سمك “السلور الأفريقي” في عدد من الأنهار والمسطحات المائية العراقية، مؤكدة أن فرقها الفنية والميدانية باشرت إعداد خريطة وطنية شاملة لتحديد حجم التغلغل ومحاصرة هذا النوع الدخيل، وسط تحذيرات بيئية وأكاديمية من غزو بيولوجي صامت يهدد التنوع الأحيائي والثروة السمكية المحلية، وينذر بانهيار مصائد الأسماك الأصيلة في وسط وجنوب البلاد. 

وفي تفاصيل التحركات الرسمية، أفادت مدير عام الدائرة الفنية في وزارة البيئة، نجلة الوائلي، خلال حديث لـ(المدى)، إن الوزارة رصدت، بالتنسيق مع الجهات القطاعية والسلطات المحلية، تزايداً في انتشار سمك السلور الأفريقي (Clarias gariepinus) في عدد من الأنهار والمياه الداخلية، مشيرة إلى أن عمليات الرصد الميداني ما تزال مستمرة لتحديد الحجم الحقيقي للانتشار ورسم خريطة دقيقة لتوزعه.

وأوضحت أن هذا النوع يعد من الأنواع الدخيلة والغازية ذات القدرة العالية على التكيف مع البيئة العراقية، إذ يمتلك معدلات تكاثر مرتفعة، فضلاً عن قدرته على العيش في ظروف بيئية قاسية، منها انخفاض مستويات الأوكسجين وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يمنحه أفضلية تنافسية على الأنواع المحلية.

وبينت الوائلي أن خطورة هذا السمك لا تقتصر على انتشاره، إنما تمتد إلى تأثيره المباشر في النظام البيئي، كونه مفترساً انتهازياً يتغذى على الأسماك الصغيرة وبيضها ويرقاتها، إضافة إلى البرمائيات وعدد من الكائنات المائية الأخرى، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع أعداد الأنواع المحلية وإحداث اختلال في التوازن البيئي، ولا سيما الأنواع ذات الأهمية الاقتصادية.

وأكدت أن الوزارة تتعامل مع الملف بوصفه قضية تتعلق بإدارة الأنواع الدخيلة والغازية، وأنها تعمل بالتنسيق مع وزارة الزراعة والجامعات والمراكز البحثية والحكومات المحلية على إعداد برنامج وطني لإدارة هذا النوع والحد من توسعه، بما يحافظ على استدامة النظم البيئية المائية في العراق.

وأشارت إلى أن الوزارة أعدت خطة متكاملة تعتمد على أفضل الممارسات العلمية في إدارة الأنواع الغازية، وتتضمن تنفيذ برامج للرصد البيئي والمسوح الميدانية لتحديد مناطق الانتشار والكثافات، فضلاً عن إجراء تقييم علمي للمخاطر البيئية التي يشكلها هذا النوع.

وذكرت أن الخطة تتضمن تشجيع عمليات الصيد الانتقائي والمنظم في المناطق التي تشهد كثافات مرتفعة، بهدف تقليل أعداده من دون الإضرار بالأنواع المحلية أو الإخلال بالتوازن البيئي، إلى جانب إطلاق حملات توعية تستهدف الصيادين والمجتمعات المحلية لعدم نقل هذا النوع أو إطلاقه في مسطحات مائية جديدة.

وتابعت أن الوزارة تعمل على إنشاء قاعدة بيانات وطنية خاصة بانتشار سمك السلور الأفريقي، ضمن برنامج أوسع لإدارة الأنواع الدخيلة والغازية، يتضمن آليات للإنذار المبكر والاستجابة السريعة، بما يسهم في رفع كفاءة التعامل مع المخاطر البيئية مستقبلاً.

وأضافت أن هناك تنسيق مستمر مع وزارة الزراعة والحكومات المحلية والجهات ذات العلاقة، يشمل تبادل المعلومات الفنية، وتنفيذ زيارات ميدانية مشتركة، وتقييم حجم الانتشار وآثاره البيئية، موضحة أن الجهود الحالية ما تزال في مرحلة الرصد والتقييم، لكنها أسهمت في توفير مؤشرات مهمة ستساعد على إعداد خطة وطنية أكثر فاعلية.

وشددت الوائلي على أن القضاء الكامل على هذا النوع بعد استقراره في البيئة الطبيعية يعد أمراً بالغ الصعوبة، إلا أن الحد من انتشاره وتقليل تأثيراته يمثل هدفاً واقعياً يمكن تحقيقه من خلال الإدارة العلمية والمتابعة المستمرة والتنسيق بين المؤسسات المعنية.

ولفتت إلى أن الوزارة تواجه عدداً من التحديات، أبرزها اتساع شبكة الأنهار والأهوار العراقية وصعوبة تغطيتها بعمليات رصد مستمرة، فضلاً عن الطبيعة البيولوجية لهذا النوع، الذي يتميز بسرعة التكاثر والقدرة الكبيرة على التكيف، ما يزيد من تعقيد عمليات السيطرة عليه.

وأردفت أن نجاح جهود المكافحة يتطلب تعزيز الإمكانات الفنية واللوجستية، وتطوير قواعد بيانات دقيقة، ورفع مستوى الوعي البيئي، فضلاً عن تحديث التعليمات التنفيذية الخاصة بإدارة الأنواع الدخيلة والغازية، بما ينسجم مع أفضل الممارسات الدولية.

وخلصت إلى أن توفير دعم مالي إضافي سيعزز برامج الرصد البيئي، ويساعد على تنفيذ الدراسات العلمية وبناء القدرات الفنية، مشيرة إلى أن الاستثمار في الوقاية وإدارة الأنواع الدخيلة لا يقتصر على حماية البيئة فحسب، بل يمتد إلى حماية الأمن الغذائي والثروة السمكية وتقليل الخسائر البيئية والاقتصادية مستقبلاً.

وفي المقابل يرسم المتخصصون في البيئة ومنظمات المجتمع المدني خطاً بيانياً يغلب عليه القلق والتحذير من مغبة التراخي في التعامل مع بؤر التفشي الجغرافي لهذا الكائن الشرس، مؤكدين أن المسارات المائية المفتوحة باتت تشكل جسوراً سريعة لعبور “الوحش الأفريقي” نحو عمق الأهوار العراقية الحساسة.

وقال الباحث في الشأن البيئي، عمر الشيخلي، خلال حديث لـ(المدى) بأن هذه الأسماك تعتبر أصنافاً مدخلة (Introduce)، وتشكل في الشرق الأوسط نوعاً غريباً وغازياً محدداً دولياً ضمن قاعدة بيانات الأنواع الغازية العالمية، حيث هربت في سنوات سابقة من المنشآت الزراعية وأحواض تربية الأسماك في سوريا وتركيا عبر حوض الفرات، لتتجه تدريجياً وبقوة نحو المياه العراقية والمناطق المجاورة لها مستغلة غياب الحواجز البيئية الفعالة.

ووصف الشيخلي هذه السمكة بالخطيرة والشرسة نظراً لكونها كائناً “قارتاً” يتغذى على الحيوانات والنباتات معاً، وتمتلك سلوكاً افتراسياً هجومياً يمكنها من السيطرة الكاملة على البيئة المائية وإزاحة الأسماك العراقية الأصيلة مثل (القطّان، البنّي، الشبوط) عبر التهام يرقاتها وصغارها، فضلاً عن إحداث تراجع حاد في خدمات النظم البيئية الموفرة للسكان المحليين، لكونها سمكة غير اقتصادية ومرفوضة للاستهلاك البشري في العديد من مناطق جنوب العراق بسبب طبيعتها الجلدية الملساء الخالية من القشور وشبهها بسمك “الجري” المحرم أكله في الفقه الجعفري.

واستذكر مسار الغزو تاريخياً، مشيراً إلى أن أول تسجيل رسمي موثق للسلور الأفريقي في العراق يعود إلى عام 2021 عبر بحث ماجستير في الزاب الأعلى بمحافظة كركوك، حيث جمع الطالب حينها 93 نموذجاً لدراسة الطفيليات الخارجية، وكان الأحرى تقديم إخطار رسمي عاجل لوزارة البيئة لوضع آليات مراقبة مبكرة قبل استفحال الأزمة.

ولفت الشيخلي إلى أن التسجيلات تتابعت لاحقاً في بغداد، وشرق العراق، ووسطه، وصولاً إلى رصده مؤخراً بكميات هائلة وضخمة في هور الدلمج، مما يعطي دليلاً قاطعاً على أن هذا الصنف استقر وتكاثر صامتاً لفترات طويلة في المياه العراقية نتيجة غياب المسوحات البيئية المتخصصة وضعف تسليط الضوء عليه إعلامياً وبحثياً من قبل الجهات المسؤولة.

ونبه إلى مفارقة بيولوجية خطيرة تبينت من خلال المسوحات، حيث ظهر أن الأسماك المتواجدة في هور الدلمج هي أجيال صغيرة وفتية مقارنة بالأمهات والأميات الضخمة والأوزان الكبيرة المنتشرة في حوض حمرين، مما يعني أن السمكة نجحت بالفعل في تأسيس غزو بيولوجي متكامل وتأقلمت مع البيئة المحلية، بل وبدأت تطور نفسها لتتحمل الملوحة العالية في هور الدلمج رغم أن الملوحة هي نقطة ضعفها البيولوجية الوحيدة، مما يستدعي تكثيف البحوث العلمية لمواجهة هذا التحول الجيني الخطير.

وأعلن الشيخلي باسم “منظمة مناخ أخضر عراقية” والخبراء البيئيين، الرفض القاطع للمبادرات العشوائية المستمرة بإطلاق أسماك الكارب والكارب العشبي في المياه العراقية، واصفاً إياها بالخطوات غير المدروسة التي تسهم في إخلال التوازن البيئي وعرقلة توزيع المغذيات لصالح أصناف غريبة غازية على حساب الأنواع الوطنية، موجهاً تساؤلات حادة لوزارة الزراعة حول أسباب استمرار هذه الحملات ومطالباً بإيقافها فوراً واستبدالها بإطلاق يرقات وأصبعيات الأسماك الأصيلة (البني والقطان والشبوط).

وحذر من التداعيات الوخيمة لوصول السلور الأفريقي إلى مقتربات وجداول الأهوار العراقية القريبة، خاصة مع وجود تسجيلات سابقة قبل عامين في الأهوار الوسطى، مؤكداً أن انتشاره هناك سيقضي تماماً على أصناف مثل (الخشني والحمري والبُجبُج) ويدفعها نحو الانقراض، لتسود مياه الجنوب أسماك السلور والبلطي والتيلابيا غير المرغوبة اقتصادياً واجتماعياً، مما سيقطع سبل عيش آلاف الصيادين المعتمدين على الثروة السمكية.

واختتم الباحث حديثه بالقول إنهم يتحدثون في هذا الملف الخطير منذ أيام، وللأسف لم يلمسوا حتى الآن أي إجراء حكومي سريع أو حلول ملموسة في الأفق، مشدداً على أن المسؤولية مشتركة وتقع فوراً على عاتق وزارات البيئة، والموارد المائية، والزراعة، والشرطة البيئية، لابتكار حلول حقيقية تتجاوز مجرد الإعلان وتنتقل للمكافحة الميدانية الشاملة قبل فوات الأوان.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *