الخرطوم ـ «القدس العربي»: نفذ طيران الجيش السوداني غارات جوية استهدفت تحركات ومواقع لقوات «الدعم السريع» في محاور تمتد بين منطقة جبل العوينات الواقع على الحدود السودانية المصرية الليبية وإقليم دارفور وولايات كردفان.
وفي وقت يتواصل التصعيد في الجبهة الغربية، يتسع نطاق العمليات الجوية والبرية بين الجيش والحركات المسلحة المساندة له من جهة، وقوات «الدعم» السريع والحركة الشعبية ـ شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو من جهة أخرى.
وقالت غرفة طوارئ دار حمر إن الطيران الحربي نفذ غارات وصفتها بـ«الدقيقة» أسفرت عن تدمير 14 عربة قتالية تابعة لقوات «الدعم» كانت تتحرك من منطقة جبل العوينات في اتجاه إقليم دارفور، قبل أن تتوسع العمليات الجوية لتشمل مواقع أخرى في إقليم كردفان.
وأضافت الغرفة، الأحد، أن الغارات استهدفت قوة يقودها القائد الميداني عبد الله شغب، مشيرة إلى أن القوة كانت قد اتخذت مواقع انتشار في عدد من المناطق الواقعة بين شمال وغرب كردفان.
وأشارت إلى تمركز عناصر «الدعم» في منطقة النايم على امتداد الوادي مستفيدة من الغطاء الشجري، كما امتدت إلى منطقة أرمل جنوب النايم، بينما اتخذت قوة أخرى مواقع داخل غابة أم نحل شرق القرية.
وقالت إن قوات الدعم أنشأت منصة للتشويش الإلكتروني وإطلاق الطائرات المسيرة، مشيرة إلى انتشار عناصر أخرى في منطقة الضريس حلة حامد داخل إحدى المدارس.
وأوضحت أن الضربات الجوية شملت مواقع موزعة في ولايات شمال وجنوب وغرب كردفان، مؤكدة في الوقت نفسه نجاة قائد القوة المستهدفة. كما اتهمت قوات «الدعم» بقطع خدمات الإنترنت عبر منظومة «ستارلينك» في المناطق التي تعرضت للقصف، بالإضافة إلى ترويع السكان المدنيين. وفي تطور متصل، أعلن قائد الفرقة السادسة مشاة اللواء عمر منصور أن قوات الفرقة تشارك في العمليات العسكرية في محور غرب دارفور، مؤكداً تحقيق «انتصارات» ميدانية خلال المعارك الأخيرة، ومتعهداً بمواصلة العمليات حتى استعادة المناطق التي تسيطر عليها قوات «الدعم السريع».
وأفادت مصادر عسكرية أن الجيش كثف خلال الأسابيع الماضية ضرباته ضد القوات المتحركة في طرق الصادرات والمناطق الصحراوية، بالتزامن مع دفع الطرفين بتعزيزات جديدة إلى مسرح العمليات. ويأتي هذا التصعيد بعد أيام من تقارير تحدثت عن تكثيف الجيش السوداني هجمات الطيران الحربي والطائرات المسيرة في مواقع «الدعم السريع» في ولايات شمال وغرب كردفان، في محاولة تستهدف تعطيل التحركات البرية لقوات «الدعم السريع» ومنعها من تنفيذ هجمات واسعة في اتجاه مدينة الأبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان.
وتحولت ولايات كردفان خلال الأشهر الأخيرة إلى مركز الثقل العسكري في الحرب، بعدما اتسعت رقعة المواجهات من دارفور إلى ولايات كردفان الثلاث، وأصبحت مدينة الأبيض تمثل عقدة استراتيجية للطرفين. فالمدينة تربط وسط السودان بغربه، وتشكل مركزاً لوجستياً تتحكم عبره الطرق المؤدية إلى دارفور، كما تضم مرافق عسكرية وبنية تحتية تجعل السيطرة عليها ذات أهمية كبيرة في موازين القوى.
أسفرت عن تدمير 14 عربة قتالية تابعة لقوات «الدعم»
وتحذر منظمات دولية من أن استمرار القتال حول الأبيض يفاقم الأزمة الإنسانية بصورة غير مسبوقة، في ظل نزوح أعداد كبيرة من السكان وتراجع الخدمات الأساسية ونقص الغذاء والمياه والرعاية الصحية.
وتشير تقديرات مسؤولين محليين ومنظمات إغاثة إلى أن مئات الآلاف من النازحين باتوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية، بينما تعيق العمليات العسكرية وصول الإمدادات إلى مناطق واسعة في شمال كردفان.
ولا تقل منطقة جبل العوينات أهمية عن مدينة الأبيض من الناحية العسكرية. فالمنطقة الواقعة عند المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا تمثل أحد أهم الممرات الصحراوية التي تربط الحدود الشمالية الغربية بإقليم دارفور. وبسبب الطبيعة الجغرافية الوعرة واتساع الصحراء، ظلت المنطقة ممراً تستخدمه القوافل التجارية وحركة الإمدادات، قبل أن تكتسب خلال الحرب الحالية أهمية إضافية باعتبارها أحد مسارات التحركات العسكرية.
وأشار المحلل العسكري حسام الدين محمود في حديثه لـ« القدس العربي» إلى أن هذه التطورات تأتي في وقت يسعى فيه الجيش إلى إضعاف خطوط إمداد قوات الدعم ومنع وصول تعزيزات جديدة إلى إقليم دارفور، الذي لا يزال يمثل أحد أهم ساحات الصراع منذ اندلاع الحرب في أبريل/ نيسان 2023.
ورأى أن استهداف وحدات قوات «الدعم السريع» القادمة من جبل العوينات يعكس توجهاً متزايداً لدى الجيش نحو ضرب خطوط الإمداد قبل وصولها إلى مناطق الاشتباك، بدلاً من الاكتفاء بمواجهة القوات بعد انتشارها داخل دارفور أو كردفان. ويعتقد أن هذا الأسلوب يهدف إلى تقليل قدرة قوات «الدعم السريع» على إعادة الانتشار وتعويض خسائرها في الجبهات الغربية، خاصة مع اعتمادها على الحركة السريعة والعربات القتالية الخفيفة.
في المقابل، تواصل قوات «الدعم السريع» تعزيز انتشارها في مناطق غرب السودان، مستفيدة من اتساع المساحات الصحراوية وتشعب المسارات التي تربط إقليم دارفور بالمناطق الحدودية، وهو ما يجعل عمليات المراقبة الجوية والاستطلاع عاملاً حاسماً في سير المعارك. ورأى محمود أن السيطرة على المحور الممتد من شمال كردفان إلى دارفور ستكون عاملاً حاسماً في تحديد مسار العمليات خلال المرحلة المقبلة، نظراً لأنه يربط مناطق الإمداد بالمناطق التي تشهد أعنف المواجهات. كما أن استمرار الضربات الجوية على التحركات العسكرية يشير إلى أن الجيش يسعى إلى فرض ضغط متواصل على خطوط الإمداد، في وقت تعمل فيه قوات «الدعم السريع» على الحفاظ على قدرتها على المناورة والانتشار في رقعة جغرافية واسعة.