طرابلس – «القدس العربي»: تتواصل في ليبيا مؤشرات الحراك السياسي المرتبط بالمبادرة التي يقودها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، في وقت برزت خلال الساعات الأخيرة مواقف جديدة من أبرز طرفين في المشهد السياسي، هما رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبدالحميد الدبيبة، عكست تمسكهما بأن يكون القرار السياسي ليبياً خالصاً، مع اختلاف في مقاربة كل منهما لطبيعة المرحلة المقبلة وآليات الوصول إلى الانتخابات.
وتأتي هذه التصريحات بينما لا تزال المبادرة الأمريكية محل نقاش في الأوساط السياسية، دون الإعلان رسمياً عن تفاصيلها، وسط استمرار الجهود الدولية والأممية الرامية إلى إنهاء حالة الانقسام المؤسسي، وتوحيد السلطة التنفيذية، وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
وفي أول تعليق مباشر له على المبادرة، أكد رئيس مجلس النواب عقيلة صالح أن المجلس لم يتلق أي نسخة رسمية أو تفاصيل من المبادرة الأمريكية، موضحاً أن كل ما يتردد بشأنها يستند إلى ما ينشر في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وليس إلى وثائق أو مقترحات وصلت إلى المجلس.
وقال صالح إن مجلس النواب سيناقش المبادرة فور تسلمها عبر القنوات الرسمية، مؤكداً أنه لا يمكن إعلان موقف بالموافقة أو الرفض قبل الاطلاع على مضمونها وبنودها، معتبراً أن ما يجري حالياً لا يتجاوز مرحلة النقاش والتفاوض.
ونفى صالح صحة ما يتردد بشأن رفض مجلس النواب للمبادرة بسبب استبعاد شخصيات أو أطراف من المشهد السياسي، مشدداً على أن هذه الأحاديث لا تستند إلى وقائع، لأن المبادرة لم تعرض عليهم بصورة رسمية حتى يتخذوا موقفاً منها.
وفي سياق متصل، أكد رئيس مجلس النواب أن البعثة الأممية لم تقدم للمجلس أي مقترحات جديدة، مجدداً موقفه بأن الليبيين قادرون على إدارة شؤونهم السياسية بأنفسهم، وأن الحل يجب أن يكون “ليبياً ليبياً”، بعيداً عن أي إملاءات خارجية، مع الدعوة إلى تجاوز الخلافات السياسية والعمل على الوصول إلى توافق وطني.
وفي ملف الانتخابات، أعاد صالح التأكيد على موقف مجلس النواب بشأن الإطار القانوني للاستحقاق الانتخابي، مشيراً إلى أن الإعلان الدستوري ينص على انتخاب رئيس الدولة مباشرة من الشعب، باعتبار أن الشرعية المستمدة من صناديق الاقتراع هي الأقوى.
وأوضح أن مجلس النواب عدل الإعلان الدستوري وكلف لجنة “6+6” بإعداد القوانين الانتخابية، قبل أن يعتمد تلك القوانين دون إدخال تعديلات عليها، محملاً المجلس الأعلى للدولة مسؤولية استمرار الخلافات المتعلقة بالمطالبة بتعديلها.
كما اقترح تشكيل لجنة محايدة للإشراف على الانتخابات في ظل استمرار وجود حكومتين، تضم رئيس مصرف ليبيا المركزي ووكلاء وزارتي الداخلية والدفاع من الشرق والغرب، إضافة إلى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بما يضمن الإشراف على العملية الانتخابية بصورة توافقية.
ولم تقتصر تصريحات صالح على الملف السياسي، إذ انتقد قرار المجلس الرئاسي تغيير رئيس جهاز المخابرات، معتبراً أنه يخالف الاتفاق السياسي، كما نفى مسؤوليته عن قرار فرض ضريبة على الواردات، داعياً إلى إعادة دراسة الملف قبل تطبيقه، ونفى كذلك الاتهامات المتعلقة بتمويل المؤتمر البرلماني الآسيوي الإفريقي الذي استضافته بنغازي.
في المقابل، قدم رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة رؤية مختلفة للمسار السياسي، لكنها التقت مع موقف مجلس النواب في التشديد على أن مستقبل البلاد يجب أن يقرره الليبيون أنفسهم.
وأعلن الدبيبة عزمه توجيه خطاب إلى الشعب الليبي خلال الفترة المقبلة، قال إنه سيعرض فيه بصورة مفصلة مختلف المبادرات المحلية والدولية المطروحة، إضافة إلى رؤيته لكيفية إنهاء الانقسام والوصول إلى الانتخابات.
وأكد رئيس الحكومة أنه لن يتخذ أو يفرض أي قرار يتعلق بمستقبل البلاد بعيداً عن إرادة الليبيين، معلناً في الوقت نفسه اعتزام حكومته إطلاق نقاش وطني واسع يضم مختلف القوى السياسية والاجتماعية بهدف الوصول إلى رؤية مشتركة بشأن المرحلة المقبلة.
وحدد الدبيبة ستة مبادئ اعتبرها أساساً لأي مسار سياسي ناجح، في مقدمتها بناء دولة مدنية، والاحتكام إلى انتخابات حرة ونزيهة، ورفض استخدام القوة لحل الخلافات السياسية، إلى جانب تحقيق مصالحة وطنية شاملة تتضمن جبر الضرر ومعالجة ملفات الأسرى والمفقودين.
كما شدد على ضرورة حماية حقوق الإنسان ومنع الاعتقالات خارج إطار القانون، مطالباً باستقلال الأجهزة الرقابية وتمكينها من ممارسة اختصاصاتها على جميع مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسات الأمنية والعسكرية، لضمان محاسبة جميع المسؤولين دون استثناء.
وتأتي هذه المواقف في ظل استمرار الغموض بشأن المبادرة الأمريكية، التي أثارت خلال الأسابيع الماضية نقاشاً واسعاً داخل ليبيا وخارجها، بعد تقارير إعلامية تحدثت عن مقترحات لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية ضمن تفاهمات جديدة، في وقت لم تعلن فيه واشنطن أو الأطراف الليبية تفاصيل رسمية للمبادرة.
وخلال الأيام الماضية، توالت مواقف متباينة من المبادرة، إذ رحبت بعض الأطراف بأي جهد دولي يدفع نحو إنهاء الجمود السياسي، بينما أبدت أطراف أخرى تحفظات على أي ترتيبات قد تفرض من خارج المؤسسات الليبية أو تتجاوز القوانين الانتخابية القائمة.
وتكشف تصريحات عقيلة صالح وعبدالحميد الدبيبة عن وجود مساحة مشتركة تتمثل في التمسك بمبدأ “الملكية الليبية” للحل السياسي، رغم استمرار الخلافات بين المؤسستين بشأن إدارة المرحلة الانتقالية، وشكل السلطة التنفيذية، وآليات تنفيذ الاستحقاق الانتخابي.
ومع استمرار الاتصالات الدولية والإقليمية بشأن الأزمة الليبية، يترقب المشهد السياسي ما إذا كانت المبادرة الأمريكية ستتحول إلى مقترح رسمي يقدم إلى المؤسسات الليبية، أم ستبقى في إطار المشاورات غير المعلنة، في وقت يظل فيه إجراء الانتخابات وإنهاء الانقسام المؤسسي الهدف المعلن لمعظم المبادرات المطروحة، وسط استمرار التباين بين القوى السياسية حول الطريق المؤدي إلى ذلك.