ألمانيا تتأهب لهجمات محتملة.. هل تتحول الاستخبارات من الرصد إلى التدخل؟


برلين- “القدس العربي”: حذر وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت من أن مخططات تستهدف ألمانيا باتت “واضحة المعالم”، مؤكدا أن وقوع هجمات داخل البلاد أصبح احتمالا قائما في أي وقت، في تصريحات تزامنت مع تحرك حكومي لمنح أجهزة الاستخبارات صلاحيات غير مسبوقة تتجاوز جمع المعلومات إلى التدخل المباشر في بعض حالات الخطر.

وتضع هذه الخطط ألمانيا أمام تحول حساس في فلسفة عمل أجهزتها السرية، إذ تريد الحكومة تمكينها من تعطيل عمليات إرهابية أو استخباراتية، ودخول أماكن خاصة في ظروف استثنائية، والتدخل في أنظمة ومعلومات يستخدمها المهاجمون، مع تأكيدها أن الاعتقال والتحقيق الجنائي سيظلان من اختصاص الشرطة.

من “تهديد مجرد” إلى خطر مرتفع

وبحسب تقرير نشرته شبكة “تاغس شاو” الألمانية السبت، قال دوبرينت إن تزايد البلاغات والمعلومات الاستخباراتية دفعه إلى تغيير تقديره للوضع الأمني من “تهديد مجرد” إلى “تهديد مرتفع”.

وأضاف الوزير، المنتمي إلى الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري، في تصريحات لصحيفة “فيلت أم زونتاغ”، أن هذا التقييم يعني ضرورة الاستعداد لاحتمال وقوع هجمات في ألمانيا في أي وقت.

وأوضح أن الأجهزة الأمنية ترى بصورة واضحة مخططات موجهة ضد البلاد، لا تستهدف منشآت البنية التحتية وحدها، بل قد تطال أيضا أشخاصا ومؤسسات.

الأجهزة الأمنية ترى بصورة واضحة مخططات موجهة ضد البلاد، لا تستهدف منشآت البنية التحتية وحدها، بل قد تطال أيضا أشخاصا ومؤسسات

ولم يكشف دوبرينت طبيعة المخططات التي تحدث عنها أو الجهات التي تقف خلفها. كما أن تصريحاته لا تعني إعلان مستوى إنذار رسمي جديد في ألمانيا، وإنما تعكس تشديدا في تقديره السياسي والأمني للخطر استنادا إلى ما وصفه بتزايد المعلومات ونتائج عمليات الاستطلاع.

وكان دوبرينت قد قال في مارس/آذار الماضي، على خلفية الحرب في إيران، إن ألمانيا لا تواجه آنذاك تهديدا مرتفعا أو مخططات هجوم محددة معروفة للسلطات، ما يبرز التحول في لهجة الوزير خلال الأشهر الأخيرة.

صلاحيات تتجاوز جمع المعلومات

يربط دوبرينت تحذيره بمشروع لإعادة صياغة قوانين أجهزة الاستخبارات، من المنتظر أن يبحثه مجلس الوزراء في أغسطس/آب. وذكرت “تاغس شاو” أن الحكومة ستتناول المشروع في 13 أغسطس/آب، بينما تقول وزارة الداخلية إن المسودة لا تزال تخضع للتنسيق بين الوزارات قبل اعتمادها رسميا.

ووصفت وزارة الداخلية المشروع، الذي نشرته في السادس من يوليو/تموز، بأنه تعديل جوهري لقواعد عمل أجهزة الاستخبارات، يهدف إلى تعزيز قدرتها على حماية الدولة من التهديدات الأمنية الجديدة.

وتتمثل النقلة الأهم في منح الأجهزة، وفي مقدمتها المكتب الاتحادي لحماية الدستور المسؤول عن الاستخبارات الداخلية، وجهاز الاستخبارات الاتحادي “بي إن دي”، حق التدخل في بعض حالات الخطر، بدلا من اقتصار دورها على جمع المعلومات وتحليلها وإحالتها إلى الشرطة.

وقال دوبرينت إن هدفه هو تطوير الأجهزة الألمانية إلى “أجهزة استخبارات حقيقية”، قادرة على العمل بكفاءة والتعاون على قدم المساواة مع أجهزة الدول الصديقة.

دخول المنازل وتضليل المهاجمين

من أكثر المقترحات إثارة للنقاش السماح لموظفي جهاز حماية الدستور بدخول منزل وتفتيشه خلال وضع إرهابي عاجل، إذا تعذر على قوات الشرطة الوصول في الوقت المناسب.

وقال دوبرينت إن مواجهة عمليات التجسس أو الهجمات المخطط لها قد تتطلب أيضا تغيير معلومات بصورة مستهدفة، عندما يساعد ذلك على تعطيل خطط المهاجمين أو تضليل الجهات التي تقف وراءها.

وبحسب صحيفة “دي تسايت”، تريد الحكومة السماح للأجهزة بالتحرك بصورة مستقلة في أوضاع تهديد محددة، على أن تخضع الإجراءات الحساسة لموافقة مسبقة من مجلس الرقابة المستقل.

لكن دوبرينت شدد على أن توسيع الصلاحيات لن يحول أجهزة الاستخبارات إلى شرطة، قائلا إن “اعتقال الأشخاص سيظل مهمة الشرطة”.

ويحمل هذا التأكيد أهمية خاصة في ألمانيا، حيث يعد الفصل بين العمل الشرطي والاستخباراتي أحد المبادئ الأساسية للنظام الأمني الذي أنشئ بعد الحرب العالمية الثانية، منعا لظهور جهاز يجمع بين المراقبة السرية والقوة التنفيذية والاعتقال.

يثير السماح لموظفي الاستخبارات بدخول المنازل أو التدخل لتعطيل عمليات جارية تساؤلات بشأن الحدود التي ستبقى فاصلة عمليا بين الطرفين، حتى وإن ظلت سلطة الاعتقال بيد الشرطة

ومع ذلك، يثير السماح لموظفي الاستخبارات بدخول المنازل أو التدخل لتعطيل عمليات جارية تساؤلات بشأن الحدود التي ستبقى فاصلة عمليا بين الطرفين، حتى وإن ظلت سلطة الاعتقال بيد الشرطة.

حرية الصحافة في قلب الجدل

ولا تقتصر الانتقادات على مسألة الفصل بين الشرطة والاستخبارات. فقد حذرت منظمة “مراسلون بلا حدود” من أن حزمة القوانين، الممتدة على أكثر من 700 صفحة، توسع قدرات جهاز الاستخبارات الخارجية والمكتب الاتحادي لحماية الدستور، من دون توفير حماية كافية للصحافيين ومصادرهم.

وقالت المنظمة في موقف نشرته في 16 يوليو/تموز إن المشروع يسمح باستخدام أدوات أوسع للتحليل الآلي للبيانات، وقد يتيح إعداد تقييمات للمخاطر تشمل أشخاصا لم يقدموا سببا مباشرا للاشتباه بهم، ومن بينهم من يفكرون في تسريب معلومات إلى وسائل الإعلام.

كما انتقدت عدم وضع ضوابط جديدة كافية لاستخدام برمجيات التجسس ضد الصحافيين، معتبرة أن الصلاحيات تتوسع بوتيرة أسرع من قدرات الجهات المكلفة بالرقابة عليها.

وتقول “مراسلون بلا حدود” إن الرقابة على الأجهزة الثلاثة الاتحادية ستجمع بصورة أكبر لدى مجلس الرقابة المستقل، مع نقل جوانب من رقابة حماية البيانات إليه. غير أنها تشكك في قدرة المجلس، بموارده المتاحة، على فحص الحجم المتوقع من عمليات المراقبة والتدخل الجديدة.

بيانات تجارية تحت المراقبة

وظهر جانب جديد من الجدل قبل يوم واحد من تحذير دوبرينت، يتعلق بإمكان استخدام أجهزة الاستخبارات بيانات تجارية جمعت في الأصل لأغراض الإعلانات.

وذكر موقع “نتس بوليتيك” المتخصص في الحقوق الرقمية أن مسودة الإصلاح لا تتضمن أساسا قانونيا صريحا يسمح للمخابرات بشراء واستخدام قواعد البيانات التجارية، رغم أن تبريرات المشروع تشير إلى بيانات إعلانية مشتراة يمكن لجهاز الاستخبارات الخارجية نقلها إلى جهات أخرى.

ونقل الموقع عن مكتب المفوضة الاتحادية لحماية البيانات قوله إن استخدام البيانات الإعلانية التجارية يحتاج إلى سند قانوني واضح ودقيق، بسبب حجم التدخل المحتمل في خصوصية الأفراد، وإن المسودة الحالية لا تلبي هذه المتطلبات بصورة كافية.

وتشمل هذه البيانات، وفق الموقع، معلومات عن المواقع الجغرافية للهواتف، وأنماط استخدام الإنترنت، والاهتمامات الشخصية، وقد تجمع في حزم تضم بيانات أعداد كبيرة من الأشخاص الذين لا يخضعون لأي تحقيق.

لكن المشروع لم يصبح قانونا بعد. فبعد انتهاء التنسيق الحكومي وموافقة مجلس الوزراء، سيتعين عرضه على البرلمان، حيث يتوقع أن تتركز المناقشات على شروط التدخل المباشر، والرقابة السابقة واللاحقة، وحماية البيانات، والمصادر الصحافية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *