بيروت ـ «القدس العربي»: إنتهت الجلسة التشريعية في مجلس النواب مساء الخميس على «زغل» لدى البدء في مناقشة اقتراح قانون استبدال عقوبة الإعدام بالأشغال الشاقة المؤبدة، الذي قد يترك إقراره مفاعيل على قانون العفو العام وعلى إخلاء سبيل عدد من الموقوفين الإسلاميين.
وقد طرح نائب رئيس حزب «القوات اللبنانية» النائب جورج عدوان بصفته رئيس لجنة الادارة والعدل تأجيل البحث في هذا الاقتراح والبدء بنقاش وإقرار العفو العام خلافاً لرأي بعض النواب السنة ومنهم وليد البعريني وبلال الحشيمي ونبيل بدر وعماد الحوت الذين اتفقوا مع نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب على صيغة حول استبدال عقوبة الاعدام بالأشغال الشاقة مع حذف كلمة «المشددة».
وبعد انسحاب نواب «القوات» بسبب عدم الأخذ برأيهم طار نصاب الجلسة، وخرج النواب البعريني وبدر والحشيمي وعبّروا بانفعال عن غضبهم تجاه خطوة «القوات» خلافاً لرأي نواب سنّة آخرين قاطعوا الجلسة رفضاً لتمرير قانون منقوص ومفخخ، يفرغ العفو العام من مضمونه ولا يتيح خروج الشيخ أحمد الأسير من السجن.
وإزاء الاتهامات الموجهة إلى نواب «الجمهورية القوية»، أعادت «القوات اللبنانية» تأكيد موقفها «بتأييد قانون العفو في أكثر من مناسبة وكان آخرها على لسان رئيس الحزب سمير جعجع عشية الجلسة التشريعية، حيث فنّد الأسباب القانونية والسياسية التي تستدعي رفع الظلم عن شريحة واسعة من الموقوفين اللبنانيين».
«القوات» تؤيد العفو
وقالت الدائرة الإعلامية في بيان «من المعلوم للقاصي والداني أن «القوات اللبنانية» كانت على تنسيق مستمر مع الكتل النيابية والشخصيات السنية، وحتى مع النواب السنة المقربين من فريق الممانعة، وقد أكدت مرارًا وتكرارًا أنها تؤيد أي قانون عفو يحظى بتوافق النواب السنة. كما أيدت «القوات» التعديلات التي طُرحت وأُدخلت بعد اجتماع السراي الحكومي يوم الاثنين الماضي بحضور رئيس الحكومة وممثلين عن كافة الكتل السنية. إلا أن ما يحاول بعضهم تجاهله هو أن الرئيس نبيه بري رفض التعديلات التي تم الاتفاق عليها في السراي الحكومي، كما رفض قانون العفو بصيغته المطروحة، الأمر الذي دفع أكثرية النواب السنة إلى مقاطعة الجلسات اعتراضًا على هذا الموقف». أضافت «أما القول إن قانون العفو لم يُقر بسبب انسحاب «القوات اللبنانية» من الجلسة، فهو تجنٍّ واضح، إذ إن النواب السنة، بأكثريتهم، هم من اقترحوا مقاطعة الجلسات احتجاجًا على موقف الرئيس بري الرافض لقانون العفو بصيغته التي طالبوا بها، والتي دعمتها «القوات اللبنانية».
وأوضحت أنه «في ما يتعلق بمحاولة الربط بين قانون الإعدام وقانون العفو، فقد طالب تكتل «الجمهورية القوية» بتأجيل البحث في قانون الإعدام إلى جلسة أخرى، حرصًا على عدم التأثير سلبًا في إقرار قانون العفو الذي اعتبره أولوية. وعندما لم يُؤخذ بهذا الطلب، طرح إقرار قانون العفو قبل الانتقال إلى مناقشة قانون الإعدام، وهذا ما لم يحصل، وأظهر أن فريق الممانعة لا يريد إقرار قانون العفو».
وختم البيان «لقد طالب تكتل «الجمهورية القوية» بجلسة تعقد اليوم أو غدًا أو بعده لإقرار قانون العفو، ومن لا يحدد الجلسة هو نفسه الذي يضع قانون العفو في آخر قائمة بنود الجلسة التشريعية في الوقت الذي كان يجب أن تفتح الجلسة بهذا القانون».
النواب السنّة
وانتقد جعجع «فشل المجلس النيابي في إقرار قانون عفو مستحق لرفع الظلم عن شريحة واسعة من اللبنانيين، وفي المقابل يقرّ مجموعة من القوانين من دون دراسة دقيقة أو إدراك فعلي لتداعياتها، بما يرتّب على الخزينة أعباء إضافية بمئات الملايين من الدولارات، في وقت لم يخرج لبنان بعد من تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية التي بدأت عام 2019». وقال «من هذا المنطلق، سيدرس تكتل «الجمهورية القوية» تقديم اقتراح قانون لتقصير ولاية المجلس النيابي الحالي، ولا سيما أن هذه الولاية ممددة أصلًا، في ظل انتفاء الأسباب الموجبة التي استدعت هذا التمديد».
وكان أكثرية النواب السنة الذين ينتمون إلى تكتلي «التوافق الوطني» و«الاعتدال الوطني» وهم فيصل كرامي، أحمد الخير، محمد يحيى، عدنان طرابلسي، محمد سليمان، عبد العزيز الصمد، والنواب عبد الرحمن البزري وأشرف ريفي وكريم كبارة قاطعوا الجلسة التشريعية، واصدروا لاحقاً بياناً جاء فيه: «تابع اللقاء بكثير من الأسف والاستغراب ما آلت إليه المناقشات والمراجعات المتعلقة باقتراح قانون العفو العام، بعدم حصول التوافق على التفاهمات الواضحة التي أُنجزت خلال الاجتماع الذي عُقد في السرايا الحكومية برئاسة دولة رئيس مجلس الوزراء، والتي قامت على إدخال تعديلات جوهرية تضمن عدالة القانون وتحفظ حقوق الموقوفين الإسلاميين وعائلاتهم.
إن ما حصل لا يمكن اعتباره مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هو تراجع متكرر عن التفاهمات التي بُنيت عليها الآمال، وإهدار لفرصة وطنية كان من شأنها أن تطوي صفحة طويلة من الظلم والمعاناة، وأن تعيد شيئاً من الثقة بين المواطنين والدولة».
أغلبية النواب السنّة قاطعوا لعدم تمرير قانون عفو «مفخخ» لا يستفيد منه أحمد الأسير
واضاف «لعل ما رافق مسار هذا الاقتراح منذ إدراجه على جدول أعمال الجلسة، ولا سيما وضعه في ذيل البنود، كان مؤشراً كافياً على حجم عدم الجدية التي أُعطيَت لهذا الملف، وكأن الوقائع كانت تقول إن هناك من لا يريد لهذا الاستحقاق أن يأخذ طريقه الطبيعي، فـ «كاد المريب أن يقول خذوني». إلا أن حرصنا على المسؤولية الوطنية، وعلى إعطاء كل فرصة ممكنة للتفاهم، دفعنا إلى مواصلة المساعي حتى اللحظة الأخير».
وأكد النواب السنة «تعاملنا مع هذا الملف بمسؤولية وطنية، بعيداً عن المزايدات والشعبوية، وقدمنا كل ما يلزم للوصول إلى صيغة توافقية تحفظ العدالة وتراعي المصلحة الوطنية. إلا أن الإصرار على تمرير قانون منقوص ومفخخ، يفرغ العفو العام من مضمونه، ويُبقي مئات العائلات أسيرة الظلم والانتظار، هو أمر لا يمكن القبول به أو السكوت عنه. وفي المقابل، يؤكد نواب اللقاء أنهم لن يستسلموا لهذا الواقع، ولن يعتبروا ما جرى نهاية المطاف، بل سيستكملون العمل السياسي والنيابي حتى إقرار قانون عفو عام منصف وعادل، يحقق الغاية التي وُضع من أجلها، ويكرّس مبدأ العدالة والمساواة بين جميع اللبنانيين».
التعديلات المقترحة
وختموا «أنهم سيتداعون خلال الساعات المقبلة إلى الاجتماع بهدف توحيد الموقف، وتقييم ما جرى، ووضع آلية مشتركة لاستكمال هذا المسار، انطلاقاً من الالتزام بالتفاهمات التي أُنجزت، ورفض أي تراجع عنها أو التفاف عليها، ليُبنى على الشيء مقتضاه»، مشيرين إلى «أن هذه القضية ليست قضية فئة أو منطقة، بل قضية عدالة وطنية وكرامة إنسانية. ولن يكون نواب اللقاء شهود زور على استمرار الظلم، ولن يسمحوا بتحويل معاناة مئات العائلات إلى مادة للمساومات السياسية أو الحسابات الضيقة».
وعلم أن النواب السنّة ركزوا على ثلاثة تعديلات أساسية اعتبروا جوهر أي تسوية حقيقية، أولها تعديل النص المتعلق بالموقوفين الذين أمضوا أكثر من 12 سنة سجنية، بحيث يتم إخلاء سبيلهم فوراً مع استمرار محاكماتهم من خارج السجن إلى حين صدور الأحكام المبرمة حتى لو كانوا محكومين بملفات اخرى، بما يحقق العدالة ويضع حداً لاستمرار التوقيف الاحتياطي لسنوات طويلة. أما التعديل الثاني، فتناول المادة الثالثة من اقتراح القانون، حيث طالب النواب بحذف العبارة التي تبدأ بـ«إلا بعد الاستحصال على إسقاط الحق الشخصي»، معتبرين أن هذا الشرط يشكل ثغرة قانونية تحول عملياً دون استفادة غالبية الموقوفين الإسلاميين من أحكام القانون، وتفرغ بند إخلاء السبيل من مضمونه.
كما تمسك النواب بأن يكون إلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بعقوبة السجن المؤبد المشدد شاملاً للمحكومين الإسلاميين والغاء كلمة المشدد التي تحرم المحكومين من الاستفادة من هذا التعديل وعدم استثنائهم منه، انسجاماً مع التفاهم الذي جرى التوصل إليه سابقاً في السراي الحكومي.
ونوّه المحامي محمد صبلوح الذي يتابع قضية الموقوفين الاسلاميين بالنائب فيصل كرامي الذي كما قال «وقف مع النواب المقاطعين وقفة عز دفاعاً عن حقوق مسلوبة ورفضاً لتلغيم قانون العفو العام». ونقل عنه قوله «أنا لست على علاقة جيدة مع القوات لكن الحقيقة أن موقفهم أمس أنقذ قانون العفو العام».