غزة- “القدس العربي”: استمرت قوات الاحتلال في شن الهجمات العنيفة على قطاع غزة، ما أدى إلى وقوع ضحايا جدد، فيما حذر تقرير رصد حقوقي من خطر توسيع “المنطقة الصفراء”، وتدمير مقومات الحياة الأساسية، وإقامة مراكز إيواء في مناطق تخضع لسيطرة الاحتلال، وقال إنها تكشف عن سياسة متكاملة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديمغرافي في قطاع غزة.
غارات دامية
واستهدفت الزوارق الحربية الإسرائيلية بالنيران الثقيلة بحر مدينة غزة، فيما واصلت آليات الاحتلال شن الهجمات بالقصف المدفعي وإطلاق النار على المناطق الشرقية والشمالية الشرقية والجنوبية الشرقية للمدينة، حيث استهدفت أحياء الشجاعية والتفاح والزيتون.
إلى ذلك، هاجمت المروحيات الحربية بإطلاق النار الكثيف على المناطق الشرقية لبلدة المصدر ومدينة دير البلح وسط قطاع غزة. كذلك تعرضت بلدة القرارة شرق مدينة خان يونس جنوب القطاع لهجمات مماثلة، وإطلاق نار من مسيرات، ترافق مع توغل آليات الاحتلال في المنطقة، فيما تعرضت بلدات أخرى شرق المدينة لقصف مدفعي متقطع، هي والمناطق الغربية لمدينة رفح، أقصى جنوب القطاع.
وهذه الهجمات الدامية وعمليات التوغل تخالف اتفاق وقف إطلاق النار المبرم بين فصائل المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، الذي دخل حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر الماضي، وينص على وقف الهجمات المتبادلة، بالإضافة إلى أن الحصار الإسرائيلي المشدد الذي تفرضه سلطات الاحتلال ويطال الغذاء والدواء يخالف أيضا بنود ذلك الاتفاق.
إبادة جماعية
وقال رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، روحي فتوح، في تصريح صحافي معقبا على ما يجري، إن ما يحدث بشكل يومي في قطاع غزة من عمليات قتل، وقصف طائرات الاحتلال الحربية، إلى جانب رصاص القناصة الذي يتعمد استهداف الأطفال، وحشر أكثر من مليوني إنسان في أوضاع وبيئة كارثية في أقل من ثلث مساحة قطاع غزة، “يؤكد أن حكومة الاحتلال ماضية في تنفيذ سياسة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي بحق الشعب الفلسطيني، في انتهاك سافر لجميع القوانين الإنسانية”.
فنوح: ما يحدث بشكل يومي في قطاع غزة من عمليات قتل، وقصف طائرات الاحتلال الحربية، وحشر أكثر من مليوني إنسان في أوضاع وبيئة كارثية في أقل من ثلث مساحة قطاع غزة، يؤكد أن حكومة الاحتلال ماضية في تنفيذ سياسة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي بحق الشعب الفلسطيني
وأكد أن حكومة الاحتلال تواصل استهداف الأطفال بصورة ممنهجة ومقصودة، وأن قطاع غزة يعيش كارثة إنسانية غير مسبوقة، وقال: “صمت المجتمع الدولي وعجزه عن فرض احترام القانون الدولي، بل وإقدام بعض الدول على مكافأة دولة الاحتلال باتخاذ خطوات مخالفة للشرعية الدولية، وفي مقدمتها نقل سفاراتها إلى القدس المحتلة، وفر غطاء سياسيا للإفلات من العقاب، وشجع الاحتلال على مواصلة جرائمه بحق الأطفال والمدنيين”.
في هذا السياق، أدان مركز غزة لحقوق الإنسان استمرار قوات الاحتلال الإسرائيلي في توسيع ما يعرف بـ”المنطقة الصفراء” شرقي قطاع غزة، في خطوة تعكس سياسة ممنهجة لفرض وقائع ميدانية جديدة بالقوة، والتنصل من التفاهمات الجارية، وتكريس السيطرة العسكرية على مساحات إضافية من القطاع، بما يمهد لمزيد من التهجير القسري للسكان المدنيين.
وأوضح المركز، في بيان له، أن فريقه الميداني وثق توسيع قوات الاحتلال “المنطقة الصفراء” في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة لتصل إلى منطقة “سوق البسطات”، عبر نقل المكعبات الإسمنتية الصفراء، في امتداد جديد للقيود العسكرية المفروضة على السكان.
مخططات خطيرة
كما رصد باحثو المركز وجود جرافتين عسكريتين ودبابة إسرائيلية خارج حدود “الخط الأصفر” في منطقة “الشاكوش” بمواصي رفح، حيث شرعت الجرافات في تجريف الأراضي الزراعية، بالتزامن مع إطلاق نار متقطع باتجاه خيام النازحين، بما يعكس استمرار التوسع الميداني بعيدا عن الحدود التي سبق أن فرضها الاحتلال.
ونبه إلى تكرار قوات الاحتلال والمليشيات المسلحة التابعة لها إطلاق النار تجاه خيام النازحين في تلك المنطقة، في محاولة، على ما يبدو، لدفع السكان إلى مغادرتها.
وأشار إلى أن هذه الإجراءات تتزامن بصورة مقلقة مع إعلان “مجلس السلام” استعداده لإطلاق أول ما يسمى مراكز الإيواء الإنسانية في مدينة رفح، وهي المراكز التي قال إنه “يخشى أن تتحول إلى أداة لإعادة هندسة الواقع الديمغرافي في قطاع غزة، عبر حصر السكان في مناطق محددة، وتقسيم القطاع جغرافيا، ودفع المدنيين إلى الانتقال القسري تحت وطأة العمليات العسكرية، بما ينطوي على ممارسات تمييزية تمس الحقوق الأساسية للسكان الفلسطينيين، وتخالف قواعد القانون الدولي الإنساني”.
وأدان المركز الحقوقي كذلك استهداف الاحتلال المتكرر للبنية التحتية المرتبطة بالمياه، في إطار سياسة واضحة لتحويل العطش إلى أداة من أدوات الحرب. وأشار في هذا الصدد إلى أن الطائرات الإسرائيلية قصفت ورشة حدادة مخصصة لتجهيز معدات حفر آبار المياه في مدينة غزة، ما أدى إلى مقتل أربعة مواطنين وإصابة آخرين، قبل أن تعاود الطائرات الحربية استهداف الموقع نفسه بعد ساعات قليلة، ملحقة دمارا واسعا بالمباني السكنية والمحال، ومتسببة بإصابة عدد من المواطنين.
وشدد المركز على أن استهداف ورش ومعدات حفر آبار المياه لا يمكن عزله عن سياسة الاحتلال الهادفة إلى شل أي محاولات لمعالجة أزمة المياه المتفاقمة في قطاع غزة، في وقت يعيش فيه أكثر من مليوني فلسطيني واحدة من أخطر أزمات العطش في تاريخ القطاع، مشيرا إلى أن معطيات الجهات المختصة تظهر أن إنتاج المياه انخفض إلى نحو نصف مستواه الذي كان قائما قبل حرب الإبادة، منبها إلى تراجع متوسط حصة الفرد إلى نحو 25 لترا يوميا، بينما يحصل كثير من النازحين على أقل من خمسة لترات يوميا، وهي كمية لا تفي بالحد الأدنى الإنساني اللازم للبقاء.
وأكد المركز أن الجمع بين توسيع المناطق العسكرية، وتدمير مقومات الحياة الأساسية، واستهداف مصادر المياه، وإقامة مراكز إيواء في مناطق تخضع لسيطرة الاحتلال، “يكشف عن سياسة متكاملة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديمغرافي في قطاع غزة بالقوة، وخلق ظروف معيشية تدفع السكان إلى النزوح القسري، وهو يشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك الحظر المطلق للنقل القسري للسكان المدنيين والعقاب الجماعي”.
وطالب بتحرك دولي عاجل لوقف سياسة فرض الأمر الواقع التي ينتهجها الاحتلال، ووقف توسيع المناطق العسكرية داخل قطاع غزة، وضمان حماية البنية التحتية المدنية، وعلى رأسها منشآت ومرافق المياه.
كما دعا إلى رفض أي ترتيبات أو مشاريع إنسانية تستخدم غطاء لإعادة توزيع السكان أو تكريس التقسيم الجغرافي لقطاع غزة، والتأكيد على أن الاستجابة الإنسانية يجب أن تقوم على مبادئ الإنسانية والحياد وعدم التمييز، وألا تتحول إلى أداة لخدمة أهداف عسكرية أو سياسية تتعارض مع قواعد القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني.