فتح نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس صفحة جديدة مثيرة للجدل في ملف تصدّع العلاقات بين الإدارة الأمريكية وإسرائيل.
اتهم فانس، في مقابلة طويلة بثت أول أمس الأربعاء، مع مقدّم «البودكاست» الأمريكي الشهير جو روغان، أطرافا «تتلاعب بالرأي العام الأمريكي وتحاول تغييره من أجل استمرار الحرب ]مع إيران[ إلى أجل غير مسمى. ليس لتحقيق هدف محدد، وإنما لإدامتها».
واستشهد فانس بمادة صحافية نشرتها مجلة «تايم» ذكرت فيها أسماء أشخاص تلقوا أموالا من مسؤول سابق في حملة الرئيس دونالد ترامب «كان يتلقى أموالا من جهات معينة داخل الحكومة الإسرائيلية»، وربط فانس بين تلقي هؤلاء لتلك الأموال وهجمات شديدة شنوها عليه، وتسريبات صحافية ضده «لمجرد أنني أحاول الوصول إلى تسوية تحقق الأهداف التي حددها رئيس الولايات المتحدة»، على حد قوله. ووثّق تقرير «تايم»، فعلا، تعاقدا لحملة تأثير إسرائيلية يقودها براد بارسكيل وتستهدف بصورة خاصة الشباب ومنصات تواصل اجتماعي مثل تيك توك وانستغرام ويوتيوب ومقدمي البودكاست.
أحد التعبيرات اللافتة في مقابلة فانس كانت قوله إن ما يزعجه هو «أن يسمح الأمريكيون بأن يؤثّر هذا في قراراتهم»، وما دام الأمر يتعلّق بالقرارات، فالأرجح أن فانس لا يشير إلى عموم الأمريكيين بل إلى بعض زملائه في الإدارة الأمريكية، مثل وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي زار الإمارات والكويت والبحرين الشهر الماضي، والمعروف بتصريحاته ومواقفه القوية المؤيدة لإسرائيل، والمتشددة تجاه إيران، وكذلك في الخلاف بين الرجلين على الملف اللبناني.
تشير المقابلة إلى انتقال من الدعم الأمريكي التلقائي لإسرائيل إلى علاقة ترتبط بمسألة من يحدد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، واشنطن أم حكومة إسرائيل، وهو تحوّل يشهد تسارعا أعمق داخل الحزب الديمقراطي لكنه أكثر حساسية لدى الجمهوريين كونه يضرب التحالف التقليدي بين المؤسسة الأمنية، والتيارات الإنجيلية، والمحافظين الجدد، واتجاه «ماغا» (أمريكا أولا).
تنبع أهمية تصريحات فانس من كونها تطعن في شرعية تدخل إسرائيلي مفترض داخل المجال السياسي والإعلامي الأمريكي، وتعبّر جملته التي قالها في المقابلة «أنا أمثل الأمريكيين أولا» عن ربط ملف إسرائيل مباشرة بالشعار المؤسس لاتجاه «أمريكا أولا» ضمن قاعدة مؤيدي الحزب الجمهوري وترامب على وجه الخصوص.
من المفروغ منه أن هذا التيار لا ينم عن تعاطف أيديولوجي مع الفلسطينيين، أو مع إيران، بل ينبع من رفض تحمل الولايات المتحدة كلفة حروب لا تمتلك نهاية سياسية واضحة لها، ولا كلفة حماية إسرائيل مهما كانت قرارات حكومتها، كما أنها لا تريد تعريض القوات والقواعد الأمريكية للخطر، أو الانجرار من هدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي إلى حرب إقليمية دائمة أو حرب لتغيير النظام الإيراني.
تظهر المقابلة أيضا تغيرا في الخطاب الجمهوري التقليدي الذي يقدم إسرائيل باعتبارها امتدادا للغرب وحليفا «أخلاقيا» وأمنيا استثنائيا. يتعرّض هذا الخطاب لتآكل داخل جناح متزايد من الجمهوريين يزعجهم سؤال ماذا تقدم إسرائيل للمصلحة الأمريكية، وما الكلفة التي تفرضها. مقابل التأييد الملحوظ لإسرائيل لدى الجمهوريين الأكبر سنا والإنجيليين توسعت الفجوة مع الجيل الأصغر، وقد أظهر استطلاع قام به مركز بيو أن 57% من الجمهوريين دون الخمسين يحملون رأيا سلبيا تجاه إسرائيل.
يشير الانتشار الكبير لمقابلات روغان، ونظيره تاكر كارلسون، إلى انتقال مركز التأثير من الكونغرس والتلفزيون إلى المنصات الخاصة والبودكاست، وتبين مقابلة فانس اتجاها للاستثمار في هذا الجيل الأصغر سنا والأقل ارتباطا بالمؤسسات الجمهورية والأكثر تشككا في الإعلام التقليدي ومراكز الأبحاث وأجهزة الاستخبارات إلى برنامج سياسي قابل للترشح الرئاسي.
تشير الحملة الممولة إسرائيليا إلى القلق من هذا الاتجاه، ومن فقدان الشرعية السياسية التي تجعل الدعم الأمريكي غير قابل للنقاش، وهو أمر سينعكس أيضا في السلوك الإسرائيلي نحو الملفات المشتعلة، ما يفسّر التسريع في إجراءات الاستيطان في الضفة الغربية، وإلى محاولة تحقيق أهدافها بسرعة، كما يفسّر الضغط الذي تتعرّض له إسرائيل في الملفين اللبناني والسوري.