يحصل لأحدنا أن يقرر الذهاب إلى فيلم بعَينه، في صالة هي على الأقل تقي حرّاً احتراقياً في أوروبا الأيام الأخيرة، لسبب أن الفيلم حالة أكثر منه فيلماً مرتقَباً يتشوّق أحدنا إلى لحظة دخول الصالة لأجله. حالة مماثلة كانت مع فيلمَي «باربي» و»أوبنهايمر»، صيف 2023. وكان لهذا الصيف حالة مماثلة لفيلمين جديدين، بخلاف السابقين المختلفين في النوع والمستوى والجمهور. هما، وبخلافهما كذلك وقد كانا لاسمَين لامعين ومنتظرَين دائماً، الأول لغريتا غيروينغ والثاني لكريستوفر نولان. الفيلمان الجديدان إذن، لشابين عشرينيين، فيلم «هوس» وفيلمنا هنا «غرفٌ خلفية»، نزلا إلى الصالات في الأسابيع ذاتها، والأخير هو العمل الطويل الأول لمخرجه ابن العشرين عاماً، كاين بارسونز. الفيلمان يحومان في نوع جديد من سينما الرعب النفسية، وإن شمل «هوس» مشاهدَ تقليدية للرعب، فقد اعتمد «غرف خلفية»، وهو أفضل نسبياً، على تراث مواز لهذه السينما.
لا يعتمد الفيلم (Backrooms) على ما نراه، بل على ما نظن أننا سنراه، على ما نتوقع رؤيته، على ما يتخفّى خلف الجدران، على ما نسمع أصواتاً له، ونرى أثراً خفيفاً منه. هو إذن فيلم رعب نفسي، لا يظهر الرعب صراحة، بل مواربة، فيكون الرعب متأتياً من خيالنا، من دواخلنا، لا من الخارج، لا من الشاشة.

ميزة أساسية للفيلم، إذن، كانت في أنه حالة جديدة، نوعاً ما في مضمونه، فهو مبني على خلفية مُخرجه غير السينمائية، أي أن المرجعيات للفيلم هي في مكان آخر. وهو، المخرج، المعروف في عالم اليوتيوب، كما أن لألعاب الفيديو حضور مسيطر هنا، ليكون الفيلم أقرب إلى لعبة فيديو (لمَ لا نزال نقول «فيديو» نحن جيل الأتاري؟)، أقرب إلى لعبة إذ نتبع الشخصيات من زوايا مختلفة، بأبعاد ثلاثية، لندخل معه بعداً رابعاً، عالماً مختفياً خلف الجدار. هنا يجرّ الفيلمُ نوعَ الرعب النفسي من الواقعية الممكنة إلى ما خلف الواقع، إلى اللعبة، حيث لا شروط ولا احتمالات واقعية.
إن كان لأحدنا أن يشير إلى فيلم ستانلي كوبريك «The Shining» (1980) كمرجعية، وهو كذلك في إشارات شديدة السطوع، فإن المختلف هنا، مع فارق هائل (جداً) بين الفيلمين طبعاً، هو نفي عنصر الواقعية، أي أن احتمالات «رهاب الاحتجاز» (الكلوستروفوبيا) هي هنا في سياق لعبة أو «مسلسل ويب»، وبالتالي خارج شروط الواقعية. لكن الفيلم استفاد أولاً من عمل كوبريك العظيم، في استحضار هذا الرهاب من الأمكنة المغلقة إلى مساحات شاسعة، إنما منغلقة بشكل يطلق هذا الرهاب إلى عنانه، ويعطيه لوناً. وهنا يقول أحدنا إن الفيلم قد يستحدث (فعلاً؟) رهاباً جديداً يكون من اللون الأصفر.
يحكي «غرف خلفية» عن صاحب متجر مفروشات يكتشف أن جداراً في متجره الواسع إنما هو منفذ غير مرئي إلى مساحات غير منسجمة هي أقرب إلى حلم، إلى كابوس، للحقيقة. كله بالأصفر، ورق جدران وأرضية وسقف، بمخارج هي مداخل لساحات وغرف وممرات أخرى، وبعض أصوات غريبة تخرج من الجوار. يَعلق هناك ويتوه، تلحقه طبيبته النفسية فتعلق وتتوه، وهكذا، ككابوس يتوالد. مع خاتمة مفتوحة ليقرأ أحدنا اليوم، والفيلم لا يزال في صالات السينما، أن التحضير بدأ لجزء جديد منه، بانياً على نجاح هذا الفيلم جماهيرياً، والفيلم نجح لبنائه على «مسلسل ويب» سابق للمخرج، بالعنوان نفسه. هذا ما يجعل الفيلم، أكثر، متخطياً للحالة، ليكون، بذاته وبمعزل عن غيره من الأفلام، ظاهرة تتوسّط المسافة بين السينما والإنترنت.

أن يكو الفيلم ظاهرة لا يعني أنه عظيم أو ممتاز، أو حتى جيد. تصلح لذلك معايير كالأرقام الهائلة التي حققها في صناديق التذاكر، مع جمهور غير سينمائي، جمهور شاب منغمس في اليوتيوب وألعاب الفيديو، أراد أن يكتشف نسخة سينمائية مما يعرفه في ما هو منغمس فيه. هذا كذلك ما جعل مديري في استديوهات هوليوود أخذ كل ذلك بعين الاعتبار، سينما بتكاليف زهيدة وأرباح هائلة، وجمهور جديد يذهب إلى الصالة لا لأجل السينما، بل لأجل ما يحيل إليه هذا الفيلم أو ذاك من ألعاب يعرفونها. الفكرة ليست جديدة، هي كأن يذهب عشّاق شخصية باتمان من القرّاء في المجلات والكتب المصوَّرة، إلى السينما لمشاهدة فيلم يحمل اسمه.
الفيلم عادي، ليس رديئاً، لكن الأكيد أن الحملة التسويقية له تفوق جودته بكثير، فهو، وإن كان له مرجعية وجمهور هم أولاً من خارج عالم السينما، فإنه على الجانب الآخر استفاد من3 عناصر جعلت الكثيرين من جمهور السينما التحمس لمشاهدته: الفيلم من إنتاج شركة A24 المستقلة المعروفة بجودة أفلامها، وهو بأداء نجمين، النرويجية ريناتي رينسف والإنكليزي تشيواتيل إجيوفور. ولا يُخفي أحدنا أن الظاهرة التي كانها الفيلم، ولا يزال، في عالم السينما، في الإنتاج والتوزيع، في التسويق الذي كان أفضل ما في الفيلم، كانت، الظاهرة، كذلك سبباً ضرورياً لمشاهدته. ثم، سبب آخر هو طارئ نوعاً ما، اضطرار الدخول إلى صالات السينما هرباً من تلك الحرارة الحارقة في الخارج. لذلك يقرأ أحدنا اليوم خبراً خارج السياق، مفاده أن الذهاب إلى السينما تضاعف في فرنسا خلال موجة الحر التي شهدتها البلاد في النصف الأخير من يونيو/حزيران.

كاتب فلسطيني/ سوري