أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون، أمس الأربعاء، أن خيار التفاوض قد لا يكون الأسلم، ولكنه حاليا الوحيد للوصول إلى النتائج والأهداف «التي نرغب بها جميعا»، وضمير الجمع هنا يفترض أن يعود على اللبنانيين، لكنه يتسع، في الحقيقة، ليشمل مجمل الدول العربية المتضررة بشدة من واقع «الحرب الدائمة» التي تديرها حكومة بنيامين نتنياهو الإسرائيلية، كما يشمل الدول العربية المتضررة من الصراع الأمريكي – الإيراني المتصاعد فصولا في الخليج العربي.
يأتي تصريح عون إثر ختام مباحثات جرت في العاصمة الإيطالية روما بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية ونتج عنها، حسب تصريح آخر لـ»مصدر رسمي لبناني رفيع»، «تحقيق تقدم» تمثل باتفاق على بدء تطبيق بند «المناطق التجريبية» في الجنوب اللبناني، ضمن «الاتفاق الإطار» الذي وقعته بيروت وتل أبيب في 26 حزيران / يونيو الماضي.
في مسعاها لاستعادة سيادتها على الجنوب المحتلّ من إسرائيل، ونشر الجيش، وإعادة النازحين، تحاول الدولة اللبنانية إجراء عملية جراحية معقدة لفصل الملف اللبناني عن الملفين الإسرائيلي والإيراني، الأول عبر تقويض الفكرة الإسرائيلية الخبيثة عن ضرورة وجود «مناطق عازلة» تلتهم البشر والحجر والأرض، كما هو الحال في لبنان، وسوريا، وفلسطين؛ والثاني عبر إعادة «حزب الله» إلى كونه حزبا لبنانيا وليس امتدادا مباشرا لإيران.
يفكك ما ذكره موقع «اكسيوس» الإخباري عن طلب ترامب من نتنياهو سحب قواته من سوريا ولبنان، لأن هذا الوجود العسكري «يخلق حالة من التوتر ومن شأنه أن يؤدي إلى تصعيد الأوضاع»، المنطق الإسرائيلي حول «المناطق الآمنة»، كونها تعاكس تماما المقصود منها، وتقوم فعليا بتأجيج النزاع وتأبيده، وهذا ما يبدو المطلوب الإسرائيلي. يكتسب هذا الخبر أهمية لأن لبنان، ضمن السياق العام الحالي، هو أول اختبار لجدية الولايات المتحدة في ما يخص قدرتها على الضغط على إسرائيل لتنفيذ الاتفاق الذي قامت برعايته.
تبرز كلمة «المناطق التجريبية» في لبنان كونها تسمح بإنجاز محدود من دون انتظار حصول الاتفاق النهائي الذي يفترض أن يصنع تسويات دائمة مع إسرائيل، وينهي النزاع المتفاقم بين أمريكا وإيران. نجاح ترتيبات محلية، بهذا المعنى، يمكن أن يفكك بعض ديناميّات الصراع الأكبر، فيما يؤدي فشلها لتبرير العودة إلى القوة، في دائرة متخادمة من تبرير الضربات العسكرية الإسرائيلية، وامتناع مشروع تحقيق سيادة الدولة اللبنانية.
تعتمد فكرة «المناطق التجريبية» على شروط لنجاحها، منها أن يتمكن الجيش اللبناني من فرض سلطة فعلية على الأرض، وأن يشمل حصر السلاح والمراقبة والمخازن وحركة العناصر لا وقف إطلاق الصواريخ فقط، وأن تقابل إسرائيل التنفيذ بانسحاب واضح ومحدد زمنيا، وأن تمتلك الدولة اللبنانية تمويلا وتسليحا وغطاء سياسيا يسمح للجيش بالبقاء.
المشكلة في الصيغة الحالية للاتفاق أنها تمنح إسرائيل حق تقييم الأداء اللبناني قبل الانسحاب، وبما هو معروف عنها، فإن إسرائيل ستلجأ للقول في كل مرحلة إن نزع السلاح غير مكتمل في تبرير لإطالة أمد بقائها في المناطق المحتلة، وهذا سيضعف الحكومة لأن سكان الجنوب سيسألون: لماذا يسلّم «حزب الله» سلاحه بينما يستمر الاحتلال والقصف؟
تلعب العوامل الداخلية الإسرائيلية الضاغطة سياسيا وانتخابيا دورا كبيرا في إمكانية نجاح أو فشل هذه الخطة، فالمعيار لنجاحها هو انسحاب إسرائيل بعد تنفيذ الخطوة الأولى، وإذا لم تفعل فإن تلك المناطق ستتحول إلى إدارة للاحتلال لا إلى استعادة السيادة.
من جهة أخرى، فإن نجاح الإدارة الأمريكية في هذا الملف المعقد سيكون نجاحا في إدارة الملفين الإسرائيلي والإيراني، لكن واشنطن تريد إقناع حلفاء إيران بالتخلي عن السلاح، لكنها لا تظهر دائما قدرة مماثلة على إلزام إسرائيل بالانسحاب.