الخرطوم ـ «القدس العربي»: قال المستشار السياسي لرئيس مجلس السيادة السوداني، أمجد فريد، إن الذين يدعون الحياد في الحرب الدائرة في البلاد، ويدافعون عن استمرار ما وصفه بـ«احتلال» قوات «الدعم السريع» للمدن والقرى، ويرفضون انسحابها، «ليسوا سوى دعم سريع بزي آخر» في إشارة إلى تحالف «صمود» الذي يقوده رئيس الحكومة السابق، عبد الله حمدوك.
وأضاف أن «قوات الدعم السريع ترتكب المجازر أينما وجدت، بينما يحاول آخرون المتاجرة بهذه المجازر واستثمارها سياسياً» متهمًا تلك الجهات بتجاهل معاناة الضحايا وإنكار حقهم في «التحرر من الاحتلال والإرهاب».
وجاءت تصريحات فريد في خضم تصاعد الجدل السياسي حول الموقف من المبادرة الأمريكية لوقف الحرب في السودان، بعد انتقادات وجهتها قيادات في تحالف «صمود» لتحفظات الجيش على بعض بنود المقترح الخاص بالهدنة الإنسانية.
وقال القيادي في تحالف «صمود» ونائب رئيس حزب «المؤتمر» خالد عمر إن التطورات المرتبطة بالمفاوضات بشأن وقف الحرب تكشف عن وجود تعقيدات سياسية تحول دون الوصول إلى اتفاق سلام شامل. ورأى أن موقف قيادة الجيش لا يعكس رغبة كافية في إنهاء الحرب.
وأشار إلى التسريبات المتعلقة برد قائد الجيش السوداني على المقترح الأمريكي بشأن هدنة إنسانية، موضحاً أن الجيش، وفق ما تم تداوله، وافق على معظم بنود المبادرة في خطاب موجه إلى الجانب الأمريكي بتاريخ 25 يونيو/ حزيران، لكنه أبدى تحفظاً على بند يتعلق بالانسحاب المحدود لقوات «الدعم».
وأضاف أن موقف الجيش تمثل في المطالبة بانسحاب قوات «الدعم» من جميع المناطق التي سيطرت عليها منذ 11 مايو/ أيار 2023، معتبراً أن ذلك يعكس استمرار الخلاف حول طبيعة الترتيبات الأمنية التي يجب أن تسبق أي وقف لإطلاق النار. وبين أن مضمون الرد يشير إلى استمرار وجود قنوات تفاوض بين الأطراف عبر الوساطة الأمريكية، رغم التصريحات السابقة التي تحدثت عن رفض الدخول في محادثات، معتبراً أن موقف قيادة الجيش لا يعكس، من وجهة نظره، رغبة كافية في إنهاء الحرب.
واتهم عمر رئيس مجلس السيادة بالسعي إلى إطالة أمد النزاع لتحقيق أهداف سياسية مرتبطة بالسلطة، وقال إن جوهر الخلاف يتمثل في الصراع حول مستقبل الحكم في السودان، مشيراً إلى أن الأزمة الحالية امتداد لمسار سياسي بدأ عقب سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير عام 2019، مروراً بالفترة الانتقالية والانقلاب العسكري في أكتوبر/ تشرين الأول 2021، وصولاً إلى اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع في أبريل/ نيسان 2023.
كذلك قال المتحدث باسم تحالف «صمود» بكري الجاك إن اشتراط إخضاع قوات «الدعم» بالكامل قبل الدخول في عملية تفاوضية «ليس شرطاً تفاوضياً وإنما رفض للتفاوض».
وسط استمرار الجدل حول مقترح الهدنة الأمريكي وموقف الحكومة منه
وأضاف أن أي عملية سلام تقوم على الوصول إلى الحد الأدنى المقبول بين الأطراف المتحاربة، وليس تحقيق الأهداف القصوى لأي طرف، مشيراً إلى أن استمرار الرهان على الحل العسكري يتجاهل تعقيدات الحرب وتداعياتها على المجتمع والاقتصاد السوداني.
وحذر من أن استمرار القتال قد يؤدي إلى ترسيخ ما وصفه بـ«اقتصاد الحرب» وتعميق الانقسامات الاجتماعية، داعياً إلى عملية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة، بما في ذلك قضايا بناء الدولة، وإنهاء ظاهرة تعدد الجيوش، ووضع ترتيبات جديدة لإدارة التنوع السياسي والاجتماعي في البلاد.
ويتبنى تحالف «صمود» الذي يضم قوى مدنية وشخصيات سياسية، موقفا يدعو إلى إنهاء الحرب عبر مسار سياسي، ويحذر من أن استمرار المواجهات العسكرية قد يؤدي إلى تفكك مؤسسات الدولة وتفاقم الأوضاع الإنسانية.
وفي سياق الجدل حول المبادرة الأمريكية، أكدت الحكومة السودانية أن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يسبقه تنفيذ ترتيبات أمنية واضحة، وعلى رأسها انسحاب قوات «الدعم السريع» من المناطق التي تسيطر عليها»
وشددت على أن الأولوية يجب أن تكون لإنهاء «التمرد» واستعادة سيطرة الدولة على كامل أراضيها، معتبرة أن أي هدنة لا تتضمن ضمانات عملية لخروج قوات «الدعم السريع» قد تمنحها فرصة لإعادة ترتيب صفوفها.
كما شددت قوى سياسية مؤيدة للجيش على أن وقف الحرب لا يمكن أن يكون منفصلاً عن معالجة الوضع العسكري، محذرة من أن الاتفاقات غير المرتبطة بترتيبات أمنية ملزمة قد تؤدي إلى تجدد القتال.
في المقابل، دعت قوى مدنية أخرى إلى التعامل مع الهدنة باعتبارها خطوة أولى لوقف نزيف الحرب، معتبرة أن استمرار العمليات العسكرية يزيد من معاناة المدنيين ويصعب الوصول إلى حل سياسي شامل.
وتأتي هذه التصريحات في ظل تحركات دبلوماسية تقودها الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق هدنة.
وتتضمن المبادرة الأمريكية هدنة إنسانية فورية في جميع أنحاء البلاد لمدة 90 يوماً، بهدف تسهيل وصول المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين، إلى جانب إنشاء لجنة تنسيق للإشراف على تنفيذ الاتفاق.
كما تشمل الخطة إطلاق عملية سياسية تقود إلى وقف شامل لإطلاق النار، ثم الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار والتعافي، مع اقتراح إنشاء آلية أممية بمشاركة الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية لمراقبة تنفيذ الترتيبات المتعلقة بالانسحابات العسكرية المحدودة ونشر مراقبين دوليين، مع التأكيد على احترام السيادة السودانية.
ومنذ اندلاع الحرب السودانية في 15 أبريل/ نيسان 2023، دخل السودان في واحدة من أكبر أزماته الإنسانية في العقود الأخيرة، حيث تسببت الحرب في سقوط عشرات الآلاف من القتلى، ونزوح 13 مليون شخص داخل البلاد وخارجها، بالإضافة إلى انهيار واسع في قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية.
ويتمثل أحد أكبر تحديات أي اتفاق سلام في السودان في ملف إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وإنهاء وجود قوات مسلحة متعددة خارج إطار الدولة، وهو ملف كان يمثل محور خلاف حتى قبل اندلاع الحرب.