الأسلوب الحر في الكتابة… لماذا غاب التوحيدي عن مذكرات محمد كردعلي؟


نشر مؤرخ الشام وعلامتها محمد كردعلي الجزأين الأول والثاني من مذكراته عام 1948 ثم أردفهما بالثالث وبالرابع. كان الشكل الفني الذي اتبعه في كتابة هذه المذكرات جديداً بالنسبة لمعاصريه، فهو لم يتبع نسقاً واحداً في الكتابة، على سبيل المثال هو يسرد أحداثاً تاريخية، ثم يتوقف فجأة لينتقل لموضوع له بعد أخلاقي أو اجتماعي، ثم إلى موضوع سياسي معاصر. وقد مهد كردعلي لهذا النمط الجديد من الكتابة. كتب في مقدمة مذكراته:
« كتبت كتبا كان الجد سداها ولحمتها، وما جوزت لنفسي الحياد عن قوانين المؤلفين، ولا الصدود عن آبين المتقدمين والمتأخرين، وأريد هنا أن أنزع قيوداً أثقلتني وأنا أرعيها وأن أبعد عن ذلك الطراز المقيد، وأخرج إلى هذا الأسلوب المطلق. أحاول اليوم، وقد رأيت الدنيا مهزلة، وذقت حلوها ومرها، وكرعت خلها وخمرها، أن أهزل أحياناً، وأسخر أحياناً، وأضحك أحياناً، وأبكي أحياناً. لأن نفسي سئمت التزام الجد وتبرمت من الاضطراب فيه زمناً طويلاً وطبيعتي تعصى على العيش الرتيب».
يكتب كردعلي في مذكراته فصولا مستقلة عن بعضها، من دون تسلسل زمني أو رابط بين الفصول. بعضها قصير وبعضها متوسط الحجم. ينتقل بين الهزل والجد، بين الفقه واللغة والسياسة، من دون ترابط أو تناسق أو ترتيب ظاهر لا يجمع كل ذلك سوى الحضور المباشر لذات الكاتب (الأنا). فكل ما كتب كان مما شهده أو سمع به، أو شارك به أو قرأ عنه. يقول في تبرير ذلك: «كنت أحرص في هذه المذكرات على ألا أتكلم عن نفسي، وألا أقول قلت وفعلت، فتعذر ذلك لأن أكثر ما فيها مما سمعته أذناي، ورأته عيناي، ووعته نفسي».

مثلاً يكتب صفحات مطولة عن بطريرك الأرثوذوكس «أطلقوا عليه اسم بطريرك المسلمين محمد غريغوريوس. وزار مرة بيروت فخرجت إلى لقائه أربعون سيارة تحمل مستقبلين من أرقى طبقة من المسلمين كانوا يصرحون وهم فرحون بمقدمه عليهم: إنا نستقبل حبر النصارى والمسلمين.
كان السيد غريغوريوس من التقشف والزهد على جانب عظيم، خرج فيما روي لي عما يملك من صلبان الذهب، باعها وأنفق ثمنها في إطعام الفقراء وإغاثة البائسين مدة الحرب العامة، وكان يرقع ثوبه ويخصف نعله، ولا يألم إلا اذا قصده قاصد وليس لديه مال يواسيه به. ولطالما قلت أمام الموافق والمخالف إن غريغوريوس من أعرق الناس في حب قوميته، وأكثرهم تناغيا بعربيته، وأتمن لو كان كثير من مشايخ المسلمين على سمته وأخلاقه.»
أو عن علاقة الأتراك بالعرب، «حدثني صديقي إلياس بك مطران، وقد رأيته في بيروت قبل أن تضع الحرب العامة أوزارها، وكان جمال باشا قد نفاه إلى الأناضول في جملة من أبعدهم من أهل سوريا قال: وأنا اسأله عن حاله في منفاه: إنه ممتن جداً من هذا النفي ويشكر جمال باشا عليه، لأنه عرف الشعب التركي حق المعرفة، وثبت له أنه شعب قل نظيره بأخلاقه وميزاته، وإن ما رآه من لطف الترك وطيب قلوبهم يعجز لسانه عن شكره.

قال: لقد ودوا مدة مقامي بين أظهرهم أن لا أمشي إن أمكن على الأرض حرصاً على إكرامي، وكانوا يقبلون يدي وعيني وركبتي ويتبركون بي فأقول لهم أنا مسيحي. فيقولون ألست عربي من بلاد محمد (ص) فأبكي ويبكون». كما كتب يقترح إصلاحاً زراعياً في مصر يوم تولى إسماعيل صدقي باشا الوزارة في مصر عام 1930 في عهد الملك فؤاد الأول. كتب يقول تحت عنوان «لإنعاش مصر»، «لو كان لي من الأمر شي لأهبت بالحكومة المصرية أن تقّسم على الفلاحين جميع أراضي الدولة الصالحة للاستثمار، وأن تبيع الأرض القابلة للإصلاح من فقراء الفلاحين يصلحونها في مدة تعينها لهم، ولاستصدرت قانوناً يقضي بأن لا يملك المالك أقل من فدانين ولا أكثر من مئة فدان..»، ويكمل اقتراحه بضرورة فتح ملاجئ لإطعام الفقراء وللعجزة والأرامل والأيتام. كما يقترح زيادة الإنفاق الحكومي على الصحة والتعليم، وفرض ضريبة على الثروات الكبيرة قدرها 5%. وينفي أن يكون هذا البرنامج شيوعياً، بل يعتبره لمحاربة الشيوعية. «يستحيل أن تقضي على الشيوعية إلا بالاقتراب منها تعمل بالنافع من تعاليمها، نقتبس الجيد ونبتعد عما لا يلائمنا».

تعرض كردعلي لهجوم وانتقادات، حاله في ذلك حال كل من أتى جديداً. يُلخص قيس الزرلي في مقدمة الجزء الخامس، الذي جمعه وصدر بعد وفاة كردعلي بعقود. يُلخص الانتقادات التي تعرض لها كردعلي بأمرين أحدهما يخص المضمون، خاصة تعرضه بالانتقاد لبعض الشخصيات العربية كشهداء الحرب العالمية الأولى وبعض الساسة والكتاب، «واعتُبرت بعض هذه المهاجمات مفرطة ونافلة وكيدية (لأن المؤلف هو طرف وحكم في آن) وتسيطر عليه المشاعر الشخصية. ورأى المنتقدون أن الطابع السجالي لبعض فصول المذكرات يسيء إليها». أما في ما يخص الشكل فيلخص الزرلي الانتقادات بأمرين أولهما الطابع الهزلي للمذكرات، والثاني غياب التسلسل الزمني.
دافع كردعلي عن الشكل الذي اتبعه بالتذكير بما فعله الكتاب الغربيون «وهون عليّ هذا الأسلوب أن رأيتني لم آت بدعا وتابعت طريق من سبقوني من الغربيين في تدوين مثل هذه الارتسامات». يعلق الزرلي أنه من العسير علينا أن نحدد من هم الكتاب الملمح إليهم هنا. ولكننا نعلم أن محمد كردعلي كان يحب كتابات جان جاك روسو (يعتبر كتابه الاعترافات، الكتاب المؤسس للسيرة الذاتية الحديثة). وكذلك أناتول فرانس.
ارتسم تساؤل في ذهني لماذا لم يدافع كردعلي عن نفسه باستحضار أبي حيان التوحيدي؟ فالشكل الذي كتب به مذكراته وثيق الصلة بالشكل الذي اتبعه أبو حيان التوحيدي في كتابه الشهير «البصائر والذخائر». في كلا العملين، المذكرات والبصائر، نجد فصولاً قصيرة، مستقلة، لا يجمعها لا زمان ولا مكان ولا فكرة واحدة. انتقال من الهزل إلى الجد.

تنوع بين السياسة والتاريخ واللغة:
وكي يكون القارئ على بينة مما نتحدث عنه نعرض نماذج من «البصائر والذخائر»، على سبيل المثال يكتب التوحيدي فقرات متتالية: «صلاح أمة – قيل لمجنون : أيسرك ان تصلب في صلاح هذه الأمة ؟ قال: لا ولكن يسرني أن تصلب الأمة في صلاحي!
رجل مشؤوم – أتى عبد الملك بن مروان برجل قد خرج مع خارجي فأمر بضرب عنقه. فقال: يا أمير المؤمنين ما هذا جزائي قال وما جزاؤك؟ قال: والله ما خرجت معه إلا نظراً لك، وتقرباً إليك، فإني رجل ما صحبت أحدا إلا هُزم وقُتل، وصُلب، وقد صح ذلك. كوني عليك مع غيرك خير لك من مئة ألف رجل معك، فضحك وأطلقه.
أهضم للطعام – ومات لأبي العطوف ابن، وكان يتفلسف، فلما دلوه للقبر قال للحفار: أضجعه على شقه الأيسر فإنه أهضم للطعام..
عرض الحبل – ووجه آخر ابنه إلى السوق ليشتري حبلاً للبئر ويكون عشرين ذراعاً، فانصرف من نصف الطريق وقال: يا أبي في عرض كم؟ قال في عرض مصيبتي بك
والد بلا ولد – قال رجل لابنه، وهو في المكتب: في أي سورة انت؟ قال: في (لا أقسم بهذا البلد، والدي بلا ولد). فقال أبوه: من كنت ولده فهو بلا ولد).
كما نلاحظ ينتقل الكاتب من موضوع لآخر، فاذا كنت تبحث في هذا الكتاب عن شيء أبدعه التوحيدي بالمعنى لضيق للابداع فإنك لن تجد لأنه لم يكتب نصاً في هذا السفر الضخم من إنتاج ذاته، بل كان عمله أشبه بصانع لوحات الموزاييك ويكون الإبداع هو في الصورة النهائية المتشكلة. وهذا يشبه ما فعله كردعلي في مذكراته.
قلت لنفسي ربما لم يكن كردعلي قد تعرف على التوحيدي عندما باشر كتابة مذكراته. لكن بحثاً سريعاً جعلني أعثر على كتاب لكردعلي اسمه «أمراء البيان» صدر في القاهرة عام 1937.. يكتب فيه عن أبلغ عشرة كتاب في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، ومن ضمنهم التوحيدي ويسميهم «العشرة المبشرة بالبلاغة». في هذا الكتاب لا يخفي كردعلي إعجابه بالتوحيدي. يكتب كردعلي بإعجاب «اللغة في نظر التوحيدي واسطة تعبير وتصوير، لا أداة لطافة وظرافة. كتب التوحيدي فأكثر الكتابة، ومع هذا فإن إنشاؤه طبقة واحدة لم يتعمل في ما يكتب، ولا عني بالتنميق والتحبير، والصقل والتطرية. كان هدفه إبلاغ العقول، ما يجول في الخواطر، ومن أقصر الطرق، وأسهل المسالك تارة، ومن أطولها تارة اخرى.. اختص بوصف آراء المفكرين والنظار، على وجه لم يؤثر عن غيره، حاشا الجاحظ واضع هذه الطريقة، فكأنه تلقى باليمين ذاك الأسلوب الذي كاد يموت بموت الجاحظ». كما يبدي تعاطفه الكبير مع التوحيدي فيرجع هفواته ونواقص أسلوبه إلى الإملاق وروح المعذبة بواقعها المعاشي.

الاتفاق والاختلاف بين التوحيدي وكردعلي
يتفق كردعلي مع التوحيدي بأمرين هما الشكل الفني الحر، وأيضاً استعمال اللغة. فاللغة عند كردعلي كما هي عند التوحيدي «واسطة تعبير وتصوير لا أداة لطافة وظرافة» وهدفه كما التوحيدي أن يبلغ فكرته بأقصر الطرق. فلا محسنات بديعية ولا صور شعرية بل لغة متقشفة هدفها توصيل الفكرة. أما الاختلاف بينهما فهو بحضور الأنا عند كردعلي، أما التوحيدي فقد تكلم من وراء حجاب فاكتفى بسرد الأحداث، من دون أن يبدي رأياً أو مشاهدة. وهذا الخلاف بين الكاتبين هو ما عزاه كردعلي إلى التأثر بالكتاب الغربيين.
كان يمكن لكردعلي أن يستحضر التوحيدي للدفاع عن نفسه وترسيخ الشكل الفني الذي اتبعه وهو شكل فني مرن قابل للتطوير. وبالمناسبة لم يكتب بعد كردعلي أحد من الكتاب بهذه الطريقة. سوى بعض محاولات الروائي صنع الله إبراهيم خاصة في روايته «ذات». أما لماذا لم يفعل؟ فهذا سؤال كبير لا أحد يمتلك الإجابة عليه. لكن يمكن أن يكون سبب ذلك الأنا الضخمة عند كردعلي. ربما لا يريد أن يُقال عنه إنه استنسخ أسلوباً في الكتابة اتبعه التوحيدي قبله. لا أملك يقيناً بهذه الاجابة لكني أرجحها خاصة بعدما قرأت ما كتبه عن أستاذه، مجدد الشام وباعث نهضتها التعليمية، الذي حافظ على كثير من تراثها بتأسيسه المكتبة الظاهرية، أعني الشيخ طاهر الجزائري. فقد رسم له صورة مضحكة تقع بين البورتريه والكاريكاتير. وهذا أمر لا يجرؤ أحد على القيام به تجاه شخص الشيخ طاهر الجزائري باني التعليم الحديث فيها. لكن كردعلي رسمه من دون أن يُنكر مكانة الشيخ ومن دون أن ينكر أنه تلميذ له. فهل يجرؤ تلميذ على ذلك إلا إذا كان يعتبر نفسه قد فاق الأستاذ. وربما كان هذا موقفه ايضاً من التوحيدي.

كاتب سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *