الخرطوم ـ «القدس العربي»: رأى محللون عسكريون أن استعادة مدينة الكرمك الحدودية في إقليم النيل الأزرق جنوب شرق السودان، تمثل مكسباً استراتيجياً، قد يؤثر في موازين القوة داخل أحد أكثر محاور الحرب حساسية، مع تأكيدهم أن أهمية الإنجاز ستظل مرهونة بقدرة الجيش على تثبيت سيطرته، ومنع أي هجمات مضادة.
وأفاد المتحدث باسم حكومة إقليم النيل الأزرق، سيف النصر من الله محمود «القدس العربي»، بأن الأوضاع في الكرمك تشهد استقراراً بعد استعادة السيطرة عليها، مؤكداً أن القوات السودانية فرضت سيطرتها الكاملة على جميع أنحاء المدينة وأعادت تموضعها لتأمينها.
وأضاف أن القوات نفذت عمليات إخلاء للجرحى والقتلى والأسرى، مشيراً إلى أن المدينة أصبحت خالية من عناصر قوات «الدعم السريع» و«الحركة الشعبية».
وقالت الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، بقيادة نائب رئيس مجلس السيادة السوداني مالك عقار، إن «ترويع المواطنين وتهجيرهم والاستيلاء على ممتلكاتهم لن يشكل وسيلة للضغط على السودانيين للقبول بعملية سلام تفرض بقوة السلاح أو الطائرات المسيرة ».
وأضافت أن «خروج قوات الدعم من المدن والمرافق المدنية يمثل الضمان الأساسي للوصول إلى سلام مستدام»، معتبرة أن هذه الخطوة «يمكن أن تمهد الطريق أمام عملية سياسية شاملة تقود إلى إعادة بناء الدولة ودمج جميع القوات المسلحة تحت قيادة الجيش السوداني». وتتمركز الحركة الشعبية بشقيها، مجموعة عقار التي تساند الحكومة، ومجموعة عبد العزيز الحلو التي تساند «الدعم» في إقليم النيل الأزرق وجبال النوبة جنوب شرق البلاد.
وفي السياق ذاته، أكدت حكومة إقليم النيل الأزرق استمرار جهودها لتأمين المناطق الحدودية، مشددة على مواصلة العمليات الرامية إلى ما وصفته بـ«تطهير الإقليم من بقايا التمرد»، إلى جانب تعزيز الاستقرار الأمني وحماية المناطق الحدودية.
وقال حاكم إقليم النيل الأزرق ورئيس لجنة الأمن الفريق أحمد العمدة بادي، إن حكومة الإقليم ملتزمة بمواصلة دعم القوات المسلحة وتمكينها من أداء مهامها في حماية الحدود، إلى جانب توفير البيئة الأمنية اللازمة لاستقرار المواطنين واستمرار تقديم الخدمات الأساسية.
وأشاد بادي بما وصفه بـ«صمود» القوات المسلحة والقوات المساندة لها خلال العمليات العسكرية التي انتهت باستعادة مدينة الكرمك، مثمناً الدعم الذي قدمته القيادة العسكرية والسياسية لعمليات استعادة السيطرة على المدينة، كما دعا حاملي السلاح من أبناء الإقليم إلى التخلي عن القتال والاستفادة من فرص العودة إلى الحياة المدنية.
وهنأ قائد الفرقة الرابعة مشاة اللواء الركن إسماعيل الطيب القوات المشاركة في العملية العسكرية، مشيداً بالدعم الذي وفرته حكومة الإقليم للقوات النظامية، وداعياً المنخرطين في القتال إلى الاستفادة من قرارات العفو والعودة إلى الوطن.
وتزامناً مع إعلان استعادة المدينة، شهدت مدينة الدمازين عاصمة النيل الأزرق، وعدد من مناطق الإقليم مسيرات جماهيرية شارك فيها مواطنون وقيادات حكومية وأمنية، احتفالاً بالسيطرة على الكرمك، وسط مشاركة ممثلين عن الأجهزة النظامية ولجان الاستنفار والمقاومة الشعبية.
محللون عسكريون تحدثوا عن مكسب استراتيجي للجيش
ولا ترتبط أهمية الكرمك فقط بكونها مدينة حدودية، وإنما بموقعها الجغرافي الذي يجعلها إحدى أبرز نقاط الارتكاز العسكرية في جنوب شرق السودان، حيث تقع بالقرب من الحدود الإثيوبية، وتشكل بوابة مهمة تربط عدداً من المحاور الحيوية في إقليم النيل الأزرق
وفي السياق، قال المحلل العسكري حسام الدين محمود لـ« القدس العربي» إن استعادة الكرمك تمثل تحولاً مهماً في سير العمليات العسكرية، موضحاً أن أهمية المدينة تتجاوز استعادة السيطرة على رقعة جغرافية لتشمل إعادة ترتيب ميزان الانتشار العسكري في الإقليم. وأوضح أن الموقع الحدودي للكرمك يمنح القوات المسيطرة عليها قدرة أكبر على تأمين هذا المحور ومراقبة التحركات العسكرية في منطقة تتمتع بحساسية أمنية واستراتيجية، وهو ما ينعكس على إدارة العمليات في النيل الأزرق بصورة عامة.
وأضاف أن القراءة العسكرية للعملية تشير إلى نجاح الجيش في تحقيق اختراق ميداني مهم، وإجبار خصمه على الانسحاب من موقع يتمتع بأهمية عملياتية، الأمر الذي يعكس انتقال الجيش من مرحلة الدفاع واحتواء الضغوط في الإقليم الواقع جنوب شرق البلاد، إلى تنفيذ عمليات هجومية تستهدف استعادة مواقع استراتيجية.
وأشار إلى أن أحد أبرز أبعاد العملية يتمثل في تأثيرها على خطوط الإمداد والحركة، موضحاً أن السيطرة على المدن لا تقاس بحجمها السكاني بقدر ارتباطها بشبكات النقل والإمداد والممرات الحيوية.
وحسب محمود، فإن وجود الجيش في الكرمك يمنحه قدرة أكبر على تنظيم عملياته العسكرية داخل إقليم النيل الأزرق، كما يعزز من وضعه الدفاعي والهجومي في آن واحد، بينما يفرض على خصومه في الدعم» والحركة الشعبية جناح عبد العزيز الحلو، إعادة تقييم انتشارهم وخطوط إمدادهم وتحركاتهم المستقبلية.
وأضاف أن العملية تحمل أيضاً بعداً معنوياً مهماً، إذ تبعث برسالة مفادها أن الجيش لا يزال يمتلك القدرة على استعادة مواقع استراتيجية وتنفيذ عمليات عسكرية مركبة، وهو ما يمكن أن ينعكس على الروح المعنوية للقوات وعلى صورة الصراع داخلياً وخارجياً.
ومع ذلك، شدد المحلل العسكري على أن استعادة الكرمك لا تمثل نهاية المعركة، بل تعد خطوة ضمن صراع أوسع، مؤكداً أن القيمة الحقيقية للعملية ستظهر من خلال قدرة الجيش على تثبيت سيطرته على المدينة وتأمينها ضد أي محاولات لاستعادتها، وتحويل المكسب الميداني إلى أفضلية عملياتية يمكن استثمارها في جبهات أخرى.
في حين اعتبر المحلل العسكري إسماعيل عبد الرحمن في حديثه لـ« القدس العربي» أن استعادة الكرمك تحمل دلالات عسكرية تتجاوز السيطرة على مدينة حدودية، لافتاً إلى أن أهميتها الحقيقية تنبع من موقعها ووظيفتها العملياتية في الحرب الدائرة في السودان.
وقال إن المدينة تمثل نقطة متقدمة بالقرب من الحدود الإثيوبية، ما يمنح القوات المسيطرة عليها قدرة أكبر على مراقبة التحركات الحدودية واستخدامها قاعدة لدعم العمليات العسكرية في محيط النيل الأزرق.
وأوضح أن السيطرة على الكرمك تعني امتلاك موقع مؤثر في حركة القوات وخطوط الإمداد، مؤكداً أن المدن في النزاعات الممتدة تكتسب قيمتها من دورها في ربط الجبهات وتأمين طرق النقل العسكرية أكثر من ارتباطها بمساحتها أو عدد سكانها. وأضاف أن استعادة المدينة قد تمنح الجيش السوداني فرصة لإعادة تنظيم انتشاره العسكري في الإقليم، وتأمين محاور الحركة، وزيادة الضغط على المسارات التي يعتمد عليها خصومه في تحريك الأفراد والعتاد.
وأشار عبد الرحمن إلى أن العملية تحمل كذلك أبعاداً سياسية ومعنوية، إذ إن الانتقال من الدفاع إلى استعادة مواقع استراتيجية يعزز صورة الجيش بوصفه قادراً على تنفيذ عمليات هجومية وتحقيق مكاسب ميدانية، في حين قد تمثل خسارة موقع حدودي مهم ضغطاً على قوات الدعم السريع، سواء من الناحية العملياتية أو المعنوية.
لكنه أكد، في المقابل، أن نجاح العملية سيظل مرتبطاً بقدرة الجيش على الحفاظ على المدينة وتأمين خطوط إمداده واستثمار المكاسب الميدانية ضمن خطة عسكرية أشمل، موضحاً أن الحروب لا تحسم بالسيطرة على مدينة واحدة، وإنما باستدامة السيطرة على المواقع الحيوية وتحويلها إلى نقاط انطلاق لعمليات لاحقة.
ولفت إلى إن استعادة الكرمك تعكس الأهمية المتزايدة للمناطق الحدودية في الحرب، حيث أصبحت السيطرة على الأطراف والممرات الاستراتيجية عاملاً أساسياً في تحديد قدرة الأطراف المتحاربة على المناورة والاستمرار، معتبراً أن قيمة هذا التطور لا تكمن فقط في استعادة موقع جغرافي، بل في تأثيره المحتمل على ميزان الحركة والإمداد والتموضع العسكري في أحد أكثر أقاليم السودان حساسية.